البغضاء… كيف خرج الإنسان من العداوة الطبيعية إلى الكراهية التي لا تشبع؟

من بين جميع الانفعالات التي تكشف مقدار القطيعة التي تفصل الإنسان عن ماضيه البايولوجي، ربما لا توجد ظاهرة أشد دلالة من ظاهرة البغضاء. فالبغضاء ليست مجرد نفور عابر، ولا هي استجابة انفعالية بسيطة تستثار في لحظة خصومة ثم تخبو بانطفاء سببها، وإنما هي حالة إنسانية مركبة، تتجمع فيها حزمة من المشاعر والانفعالات والأحاسيس المتداخلة، من الكراهية، والغيظ، والحقد، والغضب، والضغينة، والرغبة في الانتقام، والتلذذ بتخيل سقوط الخصم أو إذلاله أو إلحاق أفدح الضرر به. ولهذا لا يمكن النظر إلى البغضاء بوصفها امتداداً مباشراً لتلك الأشكال الحيوانية من العداء التي تحكمها ضرورات البقاء والدفاع عن النفس والمجال الحيوي، لأن ما يحدث في عالم الإنسان يتجاوز هذه الضرورات بمراحل، ويكشف عن شيء آخر أشد تعقيداً وأبعد أثراً؛ إذ يكشف عن تحوّل أصاب بنية العدوان نفسها، فأخرجها من حدودها الطبيعية، وحوّلها من أداة وظيفية محدودة إلى طاقة نفسية متراكمة قابلة لأن تعيش داخل الإنسان زمناً طويلاً، وأن تعيد تشكيل نظرته إلى الآخر وإلى العالم وإلى نفسه أيضاً.
ففي عالَم الحيوان، لا يعمل العدوان بوصفه موقفاً وجودياً دائماً من الآخر، ولا بوصفه مشروعاً نفسياً مفتوحاً على التخطيط والتخزين والتغذية المستمرة. فالحيوان قد يهاجم، وقد يدافع، وقد يتصارع على الطعام أو الأنثى أو المجال الحيوي أو ترتيب الهيمنة داخل الجماعة، لكن عدوانه يظل في الغالب محكوماً بوظيفة بايولوجية واضحة، وينتهي بانتهاء السبب المباشر الذي استدعاه. فالافتراس ليس بغضاء، والدفاع عن الصغار ليس بغضاء، والصراع على الموقع داخل السرب أو القطيع ليس بغضاء. إنها جميعاً أفعال مرتبطة بحاجات البقاء، ومحدودة بحدود اللحظة التي فرضتها. ولهذا فإننا لا نرى الحيوان يطيل الإقامة داخل عداوته، ولا نراه يعيد بناء خصمه داخل ذهنه مرة بعد أخرى، ولا يطوّر تجاهه عالماً داخلياً من الصور والسيناريوهات والتأويلات والذكريات الجارحة والنيات الانتقامية المؤجلة. فالحيوان يعتدي حين تدفعه الحاجة إلى الاعتداء، لكنه لا يبدو كائناً قادراً على أن يحيا في كنف كراهيته، أو أن يجعل من خصومته هويةً نفسية مستقرة.
أما الإنسان فالأمر عنده مختلف على نحو يكاد يعلن وحده أن شيئاً ما قد انكسر في مساره التطوري. فالإنسان لا يكتفي بأن يغضب من خصمه أو أن يرد عليه اعتداءه باعتداء مثله، بل يستطيع أن يحمل خصمه معه في داخله، وأن يحوله إلى موضوع دائم للانشغال النفسي، وإلى بؤرة تستقطب طيفاً واسعاً من الانفعالات السلبية التي تتغذى بعضها من بعض. وهنا تتحول البغضاء إلى ما يشبه البنية الداخلية المتماسكة. فالكراهية تستدعي الحقد، والحقد يستدعي الرغبة في الانتقام، والانتقام يستدعي التخيل، والتخيل يستدعي التأويل، والتأويل يستدعي استحضار الماضي وتضخيمه، ثم يعود كل ذلك فيغذي الغضب والغيظ والشماتة والتشفي. وبذلك لا تعود البغضاء مجرد رد فعل على أذى وقع، بل تصبح جهازاً نفسياً كاملاً لإدامة الأذى، حتى لو لم يكن الأذى حاضراً في الواقع إلا بقدر ضئيل، أو لم يعد حاضراً أصلاً إلا في الذاكرة والخيال.
ومن هنا تحديداً تتكشف محدودية المقاربة الداروينية حين تحاول تفسير هذه الظاهرة بردّها إلى ماضٍ حيواني متصل لم يشهد قطيعة حقيقية. فلو كانت البغضاء الإنسانية استمراراً طبيعياً للعدوان الحيواني، لكان ينبغي أن تحتفظ بسماته الوظيفية الأساسية (المباشرة، والاقتصاد، والانطفاء النسبي بانتهاء السبب). ولكن ما نراه في الإنسان يكاد يكون نقيض ذلك تماماً. فالبغضاء عنده قابلة للانفصال عن الحاضر، وقابلة للامتداد عبر السنين، وقابلة لأن تنمو في غياب المواجهة الفعلية، بل وقابلة لأن تنتقل من خصومة واقعية إلى خصومة متخيلة، ومن شخص بعينه إلى جماعة كاملة، ومن حادثة جزئية إلى موقف كلي من الحياة. والإنسان لا يبغض فقط من هدده فعلاً، بل قد يبغض من نافسه، أو من فضحه، أو من ذكّره بنقصه، أو من حرّك فيه شعوراً بالمهانة، أو حتى من امتلك ما عجز هو عن امتلاكه. وهكذا تصبح البغضاء أوسع بكثير من أن تكون آلية دفاعية؛ إذ أنها تكشف عن ذات أُصيبت في موضع أعمق من موضع البقاء، في موضع الصورة التي تحملها عن نفسها، وفي موضع المكانة التي تريد أن تثبتها داخل العالم.
وهنا يغدو من المشروع القول إن البغضاء، في صورتها الإنسانية، هي ليست ثمرة العدوان الطبيعي، بل هي ثمرة ما أصاب العدوان من انفراط بعد خضوع الإنسان لفائض التمثّل. فحين كان العدوان جزءاً من النظام الحيوي، فإنه كان يؤدي وظيفة محددة ثم ينحسر. أما بعد أن دخل الإنسان عالم التمثلات، لم يعد العدوان بحاجة إلى خطر حاضر لكي يشتعل، لأنه بات قادراً على أن يستمد وقوده من الصور الذهنية، ومن التأويلات، ومن المقارنات، ومن الجروح النرجسية، ومن الإهانات الرمزية، ومن استحضار ما قيل وما لم يُقَل، وما حدث وما كان يمكن أن يحدث. وبهذا المعنى، تكون البغضاء واحدة من أوضح الشواهد على أن العدوان الإنساني لم يعد عدواناً غريزياً خالصاً، بل صار عدواناً مؤجلاً، ومخزوناً، ومتخيلاً، ورمزياً، ووجودياً في آن واحد. فالإنسان يبغض لأنه لا يواجه الآخر بوصفه كائناً منافساً فحسب، بل بوصفه تهديداً لصورة ذاته، وهو قد يبغضه لأنه أكثر نجاحاً، أو أكثر قبولاً، أو أكثر جمالاً، أو أكثر نفوذاً، أو أكثر قدرة على استدرار المحبة والاحترام. وقد يبغضه لأنه كشف هشاشته، أو لأنه وقف شاهداً على فشله، أو لأنه حرمه من الوهم الذي كان يعيش فيه عن نفسه. وهنا لا تعود البغضاء استجابةً لعدوان خارجي مباشر، بل تصبح استجابةً لجرح تمثلي أصاب الأنا في صميمها. ولهذا فإن كثيراً من صور البغضاء البشرية لا يمكن ردّها إلى منطق المنفعة التطورية أو الدفاع أو البقاء، بل إلى منطق آخر تماماً؛ وهو منطق الذات التي لم تعد تحتمل وجود مرآة تكشف نقصانها، فتسعى إلى تحطيم المرآة بدل أن تواجه نفسها.
ومن هنا أيضاً نفهم لماذا ترتبط البغضاء في عالم الإنسان بقدرة هائلة على المبالغة والتضخيم والتأويل. فالخصم لا يبقى خصماً بقدر ما يتحول إلى صورة كلية للشر، وتصبح أفعاله كلها مؤولة في ضوء هذه الصورة، مهما كانت عادية أو قابلة للتفسير بغير ما يظنه المبغِض. وحين تستحكم البغضاء، يفقد الإنسان قدرته على رؤية خصمه بوصفه “كائناً مركباً”، فيه ما في البشر جميعاً من ضعف واختلاط ونقص وتردد، ويبدأ بدلاً من ذلك في اختزاله إلى كائن يستحق الإيذاء أو الإقصاء أو التشويه أو السحق. وبهذا المعنى، لا تُفسد البغضاء علاقة الإنسان بخصمه وحده، بل تُفسد أيضاً علاقته بالحقيقة؛ لأنها تعيد تشكيل الإدراك نفسه، وتحوّل النظر إلى أداة تعبئة عدائية وليس إلى وسيلة معرفة.
ولعل هذا ما يفسر اقتران البغضاء في التاريخ الإنساني بأشد أشكال الظلم والقسوة والبطش. فما من مجزرة، ولا حملة تطهير، ولا ثأر طويل، ولا حرب أهلية، ولا خصومة عائلية مدمرة، ولا اغتيال معنوي، ولا تشفٍّ من سقوط الآخر، إلا وكانت البغضاء أحد محركاتها الأساسية. ذلك أن الإنسان حين يبغض لا يكتفي في كثير من الأحيان بردّ الضرر، بل يطلب ما هو أبعد من ذلك؛ فهو يطلب الإلغاء، والإذلال، وكسر الروح، ومحو الأثر، وتجريد الخصم من القيمة، بل ومن الحق في أن يُرى بوصفه إنساناً كسائر البشر. وهذه كلها درجات من العدوان لا تبدو مفهومة إذا حصرنا أنفسنا في الأفق الدارويني التقليدي الذي يفسر السلوك بردّه إلى منفعة البقاء والتناسل. إذ ما المنفعة البايولوجية في أن يهدر الإنسان سنوات من عمره وهو يغذي كراهيته، أو أن يدمّر نفسه وعلاقاته وراحته وسلامه النفسي من أجل خصومة قديمة؟ وما المنفعة في أن يفرح بانهيار خصمه حتى لو لم يجنِ من ذلك نفعاً مباشراً؟ إننا هنا أمام طاقة سلبية لا تعمل بمنطق الاقتصاد الحيوي، بل بمنطق فائض تمثلي انفلت من الضبط.
والأخطر من ذلك أن البغضاء لا تكتفي بتوجيه العدوان إلى الخارج، بل إنها كثيراً ما ترتد على صاحبها نفسه. فالإنسان الذي يحمل البغضاء لا يعيش في سلام، لأنه يظل مسكوناً بما يبغضه، مربوطاً به، مستنزَفاً في متابعته واستحضاره وتأويله وتمني سقوطه. وهكذا تتحول البغضاء إلى نوع من الاستعباد النفسي؛ إذ يصبح المبغِض أسيراً لخصمه أكثر مما يظن، ويغدو وجود ذلك الخصم جزءاً من بنية توازنه المختل. وهذا بدوره يكشف أن البغضاء ليست مجرد مشكلة أخلاقية، بل هي أيضاً عرض من أعراض التشوه الذي أصاب النفس الإنسانية بعد أن غادرت حدودها الطبيعية الأولى ودخلت في عالم التمثلات المفتوحة على ما لا نهاية له من المقارنات والتأويلات والمرارات.
ومن هذه الزاوية تحديداً، يمكن النظر إلى البغضاء بوصفها شاهداً إضافياً على أن الطبيعة البشرية، كما نعرفها اليوم، هي ليست استمراراً بسيطاً للطبيعة الحيوانية، وإنما هي طبيعة أصابها خلل تأسيسي جعلها أكثر الكائنات قدرة على تحويل الانفعال إلى مؤسسة داخلية دائمة. فالحيوان يغضب ثم يهدأ، ويقاتل ثم ينصرف، ويهرب أو يهاجم بحسب ما تمليه ضرورات اللحظة، أما الإنسان فيستطيع أن يحمل خصومته معه إلى الفراش، وإلى العمل، وإلى العبادة، وإلى الكتابة، وإلى التربية، وإلى السياسة، وإلى التاريخ نفسه، بل يستطيع أن يوَرِّث بغضاءه لأبنائه، وأن يبني عليها جماعاته وخطابه وذاكرته الجمعية، وأن يحوّلها إلى هوية كاملة تعيش من استدامة الخصومة. ولا يمكن لمثل هذا الامتداد أن يُفهم بوصفه تطوراً طبيعياً لعدوان حيواني محدود، ولكن بوصفه دليلاً على أن العدوان قد خرج في الإنسان من وظيفته البايولوجية الأصلية، وصار مادةً خاماً يعيد فائض التمثّل تشكيلها بلا توقف.
ولهذا كله، لا تبدو البغضاء مجرد عيب أخلاقي في السلوك الإنساني، بل تبدو نافذة كاشفة على طبيعة الإنسان نفسه بعد الانعطافة التي غيّرت بنيته النفسية والذهنية. فالبغضاء تكشف أن الإنسان لم يكتسب فقط قدرة أعلى على التفكير والتخيل والتمثل، ولكنه دفع ثمن ذلك بأن أصبحت انفعالاته نفسها قابلة لأن تفارق حدودها الطبيعية، وأن تتحول إلى عوالم داخلية مكتظة بالأذى المؤجل. ومن هنا فإن فهم البغضاء لا يمر عبر علم الأخلاق وحده، ولا عبر علم النفس وحده، ولا عبر التفسير الدارويني التقليدي وحده، وإنما يمر قبل كل شيء عبر الاعتراف بأن الإنسان الذي يبغض على هذا النحو ليس كائناً واصل التطور الحيواني سيره فيه بانتظام، بل هو كائن شهد انقطاعاً عميقاً في تاريخه؛ وهو انقطاعٌ جعل من الكراهية عنده أكثر من انفعال، وجعل من العدوان أكثر من وظيفة، وجعل من خصومته مع الآخر مرآةً لخصومته مع نفسه ومع السقوط الذي لم يبرأ منه بعد.

أضف تعليق