
من بين جميع المصطلحات التي قد يحتاج إليها الفكر المعاصر إذا أراد أن يفهم الإنسان فهماً يتجاوز السرديات التقليدية، ربما لا يوجد مصطلح أشد إلحاحاً من مصطلح فائض العدوان. فالتاريخ البشري، كما وصل إلينا في كتب السياسة والاجتماع والاقتصاد وفلسفة الحضارة، كُتب في الغالب بلغة الإنجاز والتقدم والتراكم والتنظيم، وكأن الحضارة الإنسانية كانت ثمرةً شبه طبيعية لتنامي الذكاء البشري وتوسع الخبرة وتكاثر الحاجات. غير أن هذه الصورة، على ما فيها من عناصر صحيحة، تخفي وراءها سؤالاً لم يُطرح بالقدر الذي يستحقه: ما الذي يدفع الإنسان إلى هذا المقدار من الإفراط في البناء، والتوسع، والتكديس، والتنظيم، والتسليح، والهيمنة، والتفوق، وإعادة تشكيل العالم على صورته؟ وما الذي يجعل الحضارة، في جانب عظيم من منجزاتها، أقرب إلى أن تكون تاريخاً لتضخيم القدرة على الإخضاع والسيطرة بقدر ما هي تاريخ لتحسين شروط العيش؟
هنا يبرز مصطلح فائض العدوان بوصفه أداةً تفسيرية لا تهدف إلى وصف نزعة أخلاقية أو سلوك جزئي، بل إلى الكشف عن بنية أنثروبولوجية كبرى رافقت الإنسان منذ خروجه من انتظامه الحيوي الأول، وأعادت تشكيل تاريخه وحضارته ومؤسساته وأدواته. فليس المقصود بالعدوان هنا مجرد الاعتداء المباشر الذي يقع بين فرد وآخر، ولا مجرد الرغبة في الإيذاء حين يشتد الغضب أو التنافس، وإنما المقصود هو ذلك القدر الزائد من الطاقة العدوانية الذي انفصل عند الإنسان عن حدود الضرورة البيولوجية، وفقد انضباطه الحيواني الطبيعي، ثم دخل في شبكة معقدة من التمثل، والتراكم، والتخطيط، والتأجيل، والتنظيم، والتبرير، والمؤسسية، حتى غدا قادراً على أن ينتج دولاً، وجيوشاً، وإمبراطوريات، وأسواقاً، وتقنيات، وآلات، ونظماً رمزية كاملة، تحمل جميعها آثار هذا الفائض بدرجات متفاوتة.
فالحاجة إلى هذا المصطلح تنبع أولاً من قصور المقاربات الشائعة في فهم العدوان البشري نفسه. فالعلوم السلوكية والبايولوجية كثيراً ما فسرت هذا العدوان بردّه إلى وظائفه الطبيعية والمتمثلة في الدفاع عن النفس أو حماية المجال الحيوي أو التنافس على الموارد أو الذود عن الصغار أو السعي إلى الشريك لغرض التناسل، وهذه كلها تفسيرات صحيحة ما دام الأمر متعلقاً بالعدوان في حدوده الحيوية الأولية، أي ذلك العدوان الذي يخدم البقاء ويقف عند حدود الحاجة. ولكن المشكلة تبدأ حين ننتقل إلى الإنسان. فالإنسان لا يعتدي لأنه جائع فحسب، ولا لأنه مهدد فحسب، ولا لأنه ينافس على مورد محدود فحسب. إنه يعتدي أحياناً بدافع الكراهية المتراكمة، أو الرغبة في الإذلال، أو التلذذ بالهيمنة، أو التوسع المجرد، أو السعي إلى مجد رمزي، أو فرض سردية، أو محو خصم، أو تأمين تفوق طويل الأمد، أو احتكار القدرة على تشكيل الواقع نفسه. وهنا لا يعود العدوان قابلاً لأن يُفهم بلغة الوظيفة البيولوجية البسيطة، لأنه يكون قد تجاوزها إلى طور جديد: طور الفائض. ولكي يكون هذا المصطلح دقيقاً، لا بد من ضبطه اصطلاحياً. ففائض العدوان هو القدر الزائد من النزعة العدوانية الذي ينفصل عند الإنسان عن مقتضيات الدفاع والبقاء والتنافس الحيوي المباشر، ثم يتحول بفعل فائض التمثّل إلى طاقة قابلة للتراكم والتأجيل والتنظيم والتبرير والمؤسسية والتقنية، بحيث تصبح قادرة على إنتاج أشكال معقدة من السيطرة والإخضاع وإعادة تشكيل العالم. وبهذا المعنى فإن فائض العدوان ليس مجرد شدة في العدوان، ولا مجرد كثرة في العنف، بل هو تحول نوعي في طبيعة العدوان نفسه. فالعدوان الحيواني محدودٌ بالموقف، أما فائض العدوان الإنساني فمفتوح على التاريخ. والعدوان الحيواني ينقضي بانقضاء سببه، أما فائض العدوان الإنساني فيستطيع أن يعيش في الذاكرة، وأن يُورّث عبر المؤسسات، وأن يتحول إلى قانون، وعقيدة، وجهاز، وسوق، وسلاح، ومنهج تربية، ونظام إنتاج، وآلة مراقبة.
ومن هنا ينبغي التمييز بين أربعة مفاهيم كثيراً ما تختلط في الحديث عن هذه الظاهرة: العدوان، والعنف، والقسوة، وفائض العدوان. فالعدوان هو الميل إلى الهجوم أو الإيذاء أو الإخضاع، وقد يوجد في صورته الطبيعية المحدودة لدى الإنسان والحيوان معاً. أما العنف فهو أحد أشكال التعبير عن هذا العدوان، أي هو الفعل أو الأداة أو الإجراء الذي يُمارَس به الإيذاء. وأما القسوة فهي الكيفية النفسية التي يُمارَس بها العنف أو الإضرار، حين يقترن ببرود وجداني أو تلذذ أو لا مبالاة بآلام الآخر. أما فائض العدوان فهو الإطار الأوسع الذي يمكن أن يحتوي هذه العناصر جميعاً دون أن يساوي بينها؛ لأنه ليس فعلاً مفرداً ولا حالة وجدانية، بل هو طاقة بنيوية تجعل العدوان قابلاً لأن يتجاوز صورته الطبيعية المباشرة، وأن يستحيل إلى أنظمة ممتدة في الزمن. وبهذا المعنى، لا يكون فائض العدوان مجرد عرض جانبي في التاريخ الإنساني، بل يغدو مفتاحاً لقراءة الحضارة نفسها. فالحضارة لا يمكن اختزالها في كونها ثمرة للعقل أو للتعاون أو للحاجة إلى الاستقرار، لأن هذه العوامل، على ما تتميز به من “فائض دلالي”، لا تفسر وحدها ذلك الميل المفرط إلى بناء كيانات ضخمة، وهياكل شديدة التعقيد، وآلات متعاظمة القدرة، ونظم دائمة التوسع، وكأن الإنسان لا يكتفي بأن يعيش في العالم، بل يريد أن يضع العالم كله تحت تصرفه. ومن هنا يمكن القول إن جانباً عظيماً من الحضارة هو نتيجة تحويل فائض العدوان إلى مؤسسات. فالمدينة المسوّرة، والجيش الدائم، والإدارة المركزية، وأجهزة الجباية، والسجون، والمحاكم، والحدود، والتراتبية الصارمة، ليست مجرد أدوات تنظيمية بريئة، بل هي أيضاً صور متحضرة لعدوان جرى ترشيده وتوزيعه وإلباسه هيئة القانون والمصلحة العامة.
فما يميز فائض العدوان عن العدوان الطبيعي هو أنه لا يكتفي بالانفجار، بل يسعى إلى الاستقرار داخل بنية. فالحيوان يهاجم ثم ينتهي الأمر غالباً بانتهاء الموقف، أما الإنسان فيستطيع أن يحوّل اندفاعه العدواني إلى نظام دائم: إلى جيش لا ينام، وسوق لا تشبع، وإمبراطورية لا تكف عن التوسع، وآلة دعائية لا تتوقف عن إنتاج الأعداء، ومؤسسة تعليمية تعيد صياغة الوعي على صورة الجماعة الغالبة، ومنظومة تقنية تجعل السيطرة أكثر دقة وأقل كلفة وأكثر شمولاً. وهنا تتجلى إحدى أهم خصائص فائض العدوان هي المؤسسية. فالفائض لا يبقى في النفس بوصفه انفعالاً خاماً، بل يبحث لنفسه عن جهاز يحملُه ويعيد إنتاجه ويمنحه الشرعية والاستمرارية. ولهذا فإن أخطر ما في العدوان الإنساني هو ليس لحظة الانفجار، بل لحظة التحول من الفعل إلى المؤسسة.
غير أن المؤسسية ليست الركن الوحيد في هذا المفهوم. ففائض العدوان يقوم، في تقديري، على خمسة أركان كبرى تفسر كيف انتقل العدوان من طوره الطبيعي المحدود إلى طوره الحضاري المفتوح. وأول هذه الأركان هو التراكم. فالعدوان الحيواني ينفد غالباً مع انقضاء التهديد أو الحاجة، أما الإنسان فيستطيع أن يدخر عدوانه، وأن يحتفظ به في ذاكرته الفردية والجمعية، وأن يغذيه بالاسترجاع والتخيل والرمز، وأن يورثه عبر الحكايات والمناهج والأساطير القومية والثارات التاريخية. وهكذا يتحول العدوان من استجابة لحظة إلى رصيد نفسي وتاريخي متنامٍ.
والركن الثاني هو التأجيل. فالإنسان لا يحتاج إلى أن يرد في اللحظة نفسها؛ إذ أنه يستطيع أن يؤجل ضربته، وأن يخطط لها، وأن ينتظر ظرفاً مواتياً، وأن يبني أدواتها على مهل، وأن يحوّل الانتقام إلى مشروع طويل الأمد. وهذه القدرة على التأجيل من أخطر ما يميز فائض العدوان، لأنها تجعل العدوان أكثر برودةً، وأقل انفعالاً، وأكثر قدرة على التغلغل في بنية الزمن نفسه.
أما الركن الثالث فهو التمثل. فبفعل فائض التمثّل لم يعد العدوان متعلقاً بما هو حاضر فقط، بل صار متعلقاً بصور ذهنية، وأخطار متخيلة، وتهديدات رمزية، ومكانة معنوية، وأوهام شرف أو إذلال أو تفوق أو مؤامرة. فالإنسان قد يقتل دفاعاً عن فكرة، أو يبطش انتصاراً لهوية، أو سلاحاً لمواجهة عدو لم يظهر بعد إلا في الخيال السياسي أو العقائدي. وهنا يتبين أن فائض العدوان لا يعمل وحده، بل يدخل في تحالف عميق مع فائض التمثّل؛ لأن هذا الأخير يمدّه بالصور والذرائع والأعداء المؤجلين والمخاوف المركبة التي تسمح له بالتمدد إلى ما وراء الواقع المباشر.
والركن الرابع هو المؤسسية وذلك كما سبقت الإشارة إليه. فالفائض لا يبقى شحنة نفسية مبعثرة، بل يتحول إلى هياكل تحفظه من التبدد؛ إلى دولة، أو جيش، أو منظومة قانونية، أو عقيدة توسعية، أو مؤسسة اقتصادية كبرى. وكلما ازداد العدوان قدرة على التمأسس، ازداد قدرته على النجاة من المحاسبة الأخلاقية، لأن المؤسسة تمنحه لغة محايدة تخفي أصله العدواني تحت عناوين الأمن، والمصلحة، والنهضة، والتحديث، والاستقرار.
أما الركن الخامس فهو التقنية. ففائض العدوان لا يكتفي بالمؤسسة، بل يبحث عن أداة تضاعف أثره، وتقلل كلفته، وتوسع مجاله. ومن هنا تنشأ العلاقة العميقة بين هذا الفائض وبين جانب كبير من المنجز التقني الإنساني. فالتقنية ليست مجرد استجابة محايدة لحاجات الحياة، بل هي أيضاً، في كثير من الأحيان، استجابة لحاجة الإنسان إلى توسيع قدرته على الوصول، والاختراق، والمراقبة، والإخضاع، والردع، والتدمير، والاستباق، والتحكم في المسافة والزمن والجسم والبيئة والوعي.
وهنا نصل إلى النقطة التي تمنح المصطلح ثقله الحضاري. ففائض العدوان ليس مفهوماً نفسياً فحسب، بل هو إطار لإعادة تفسير الحضارة والتاريخ والتكنولوجيا. ذلك أن كثيراً من المنجزات التي اعتدنا النظر إليها بوصفها علامات تقدم محض يمكن إعادة قراءتها بوصفها أيضاً نتائج لتحويل العدوان إلى مشاريع كبرى. فالحرب، على سبيل المثال، ليست هامشاً في الحضارة، بل هي واحدة من أهم معاملها. فمن أجل الحرب تطور علم صناعة المعادن، ونشأت البيروقراطيات المركزية، وتوسعت الجباية، ونُظّمت سلسلة القيادة، وتحسنت وسائل النقل والاتصال، وتقدمت الجراحة، وتطورت الكيمياء، وتراكمت الخبرة في ضبط السكان وحشد الموارد. ومن أجل الحرب أيضاً خرجت إلى العالم تقنيات كثيرة لم تكن لتولد بالسرعة نفسها لولا الرغبة في التفوق العسكري أو الأمني. وبهذا المعنى لا تكون الحرب مجرد انقطاع عن الحضارة، بل تصبح إحدى الآليات التي راكمت بها الحضارة قدرتها على التنظيم والتقنية والضبط.
والأمر نفسه يمكن قوله في الدولة. فالدولة الحديثة لا تُفهم فقط بوصفها عقداً اجتماعياً هدفه حماية الأفراد، بل يمكن النظر إليها أيضاً بوصفها أحد أكثر الأشكال تطوراً في إدارة فائض العدوان. فهي تحتكر العنف المشروع، وتوزع العقاب، وتراقب الحدود، وتفرض الضرائب، وتقرر من هو العدو ومن هو المواطن، وتبني السجون والمعسكرات والأجهزة، وتحدد ما يجوز وما لا يجوز. صحيح أن هذه الوظائف هي ضرورية لأي اجتماع بشري واسع، لكن هذا لا ينفي أن الدولة كانت أيضاً الإطار الذي وجد فيه فائض العدوان الإنساني إحدى أكثر صوره نضجاً واستدامة. فالعدوان الذي كان ينفجر في القبيلة على نحو مباشر، تعلم في الدولة أن يرتدي البذلة الرسمية، وأن يتكلم بلغة القانون، وأن يوقّع الأوامر بخط بارد.
وكذلك السوق لا يمكن قراءته دائماً بوصفه فضاء تبادل بريء. فالرأسمالية الحديثة، في كثير من وجوهها، ليست فقط نظاماً للإنتاج والتوزيع، بل هي أيضاً نظام لتوسيع السيطرة على الموارد والافراد والرغبات والوقت والانتباه؛ وذلك لأنها تخلق منافسات لا تهدأ، وتستبطن منطق الافتراس في صورة عقود، وتعيد صياغة الإنسان بوصفه كائناً قابلاً للاستهلاك والاستنزاف والقياس والاستبدال. وهنا لا يكون فائض العدوان ظاهراً في صورة قتل مباشر، بل في صورة أكثر تهذيباً؛ وذلك كما تتجلى في إنهاك العامل، وفي تحويل الطبيعة إلى مخزون مفتوح، وفي بناء نمط من الاقتصاد لا يهدأ إلا حين يبتلع مزيداً من البشر والموارد والأسواق.
أما التكنولوجيا فهي المجال الذي يكاد مفهوم فائض العدوان يبلغ فيه أقصى قدرته التفسيرية. وذلك أن التكنولوجيا، مهما حملت من وعود التيسير والشفاء والراحة، تظل في جانب مهم منها تاريخاً لتكبير القدرة على الفعل. وكل قدرة على الفعل هي، من حيث المبدأ، قدرة مزدوجة: قدرة على البناء وقدرة على البطش. بل إن كثيراً من التقنيات الكبرى خرجت من رحم الحاجة إلى السيطرة أكثر مما خرجت من رحم الحاجة إلى الراحة. فوسائل المراقبة، والاتصال، والطيران، والملاحة، والطاقة، والحوسبة، والخوارزميات، والذكاء الاصطناعي، والهندسة الحيوية، كلها مجالات لا يمكن فهم تاريخها فهماً كاملاً إذا عزلناها عن سباقات القوة، ومنطق الردع، والحاجة إلى الاختراق، والرغبة في امتلاك أفضلية على الخصم أو السوق أو البيئة أو حتى الإنسان نفسه.
ولا ينبغي هنا اختزال المسألة في السلاح وحده، لأن هذا سيكون تبسيطاً مخلاً. ففائض العدوان قد يعمل في التكنولوجيا حين تتحول المنصة الرقمية إلى جهاز مراقبة شامل، وحين تُبنى الخوارزميات لإدامة الإدمان والانتباه القسري، وحين يُستثمر الذكاء الاصطناعي في إنتاج أنظمة فرز وتصنيف وتنبؤ تتيح قدراً غير مسبوق من التحكم بالبشر، وحين تُسخَّر المعرفة البيولوجية لتوسيع السلطة على الجسد أو لإنتاج أشكال جديدة من الإخضاع. فالتكنولوجيا هنا لا تكون مجرد محصلة لفضول علمي بريء، بل تتحول إلى الذراع الطويلة لفائض العدوان؛ إذ أنها تعلم كيف يعمل بصمت، وكيف يضبط العالم دون أن يرفع صوته.
وعلى هذا الأساس، لا يعود ممكناً أن نروي التاريخ الإنساني بوصفه تاريخ تعاون وذكاء وتراكم معرفة فقط، لأن هذه الرواية، مهما بدت أنيقة، فإنها تبقى عمياء عن أحد أكبر المحركات الكامنة خلف التوسع الحضاري. فالحضارة لم تُبنَ فقط لأن الإنسان احتاج إلى بيتٍ أوسع، أو طعام أكثر، أو قانون ينظم حياته، بل بُني جانب كبير منها أيضاً لأن الإنسان حمل في داخله طاقة فائضة من العدوان لم تعد ترضى بمحددات الجسم البشري واللحظة والمكان، بل راحت تبحث عن موضوعات أكبر تمارس عليها فعلها تتمثل في جماعات أخرى وأمم أخرى والطبيعة بأكملها وأسواق وأقاليم وعقول وأزمنة لم تأت بعد.
ومن هنا تظهر الصلة العضوية بين فائض العدوان وفائض التمثّل. فلو لم يكن الإنسان كائناً تمثلياً لما استطاع عدوانه أن يتضخم إلى هذا الحد. فالتمثّل هو الذي يسمح للعدوان بأن يتجاوز الحاضر، وأن يُسقِط نفسه على المستقبل، وأن يصنع أعداءً من الأفكار، وأن يحوّل الإهانة إلى هوية، والذاكرة إلى ثأر، والخوف إلى برنامج تسلح، والتفوق إلى رسالة تاريخية. وبعبارة أخرى: إذا كان فائض التمثّل هو الذي أخرج الإنسان من الاقتصاد الطبيعي البسيط للغريزة، فإن فائض العدوان هو أحد أخطر النتائج العملية لهذا الخروج. فبفضل التمثّل لم يعد العدوان استجابةً لما هو واقع فقط، بل صار استجابةً لما يُتخيَّل، ولما يُتوقَّع، ولما يُراد من العالم أن يكون عليه. وهنا تحديداً يبدأ التاريخ الإنساني في صورته الحضارية المعروفة: تاريخاً لكائن لا يكتفي بأن يعيش، بل يريد أن يعيد ترتيب الوجود وفقاً لصوره الداخلية ومخاوفه وأطماعه وطموحاته.
إن القيمة التأسيسية لهذا المصطلح تتجلى في قدرته على جمع ملفات متفرقة تحت إطار واحد. فبدلاً من أن ندرس الحرب، والاستعمار، والدولة، والسوق، والتكنولوجيا، والعنف الرمزي، والدمار البيئي، كلًّا في عزلة عن الآخر، يسمح لنا فائض العدوان بأن نرى الخيط العميق الذي يشد هذه الظواهر إلى بعضها. فهو لا يلغي خصوصية كل مجال، لكنه يكشف أن بينها قاسماً مشتركاً هو انتقال العدوان من طوره الطبيعي المحدود إلى طوره الحضاري المركب. فالاستعمار ليس مجرد طمع اقتصادي، بل هو فائض عدوان وقد لبس ثوب الرسالة الحضارية. والحرب هي ليست مجرد نزاع على موارد، بل هي فائض عدوان وقد تنظّم في هيئة دولة وسلاح وعقيدة. والسوق هي ليست مجرد تبادل تجاري، بل هي فائض عدوان وقد تحوّل إلى آلية استنزاف ناعمة. والتكنولوجيا هي ليست مجرد ذكاء تطبيقي، بل هي فائض عدوان وقد صار خوارزميةً، أو قنبلةً، أو شبكة مراقبة، أو آلة تلتهم الطبيعة باسم التقدم.
وبهذا المعنى، لا يهدف مصطلح فائض العدوان إلى إدانة الحضارة من حيث هي حضارة، ولا إلى إنكار ما في المنجز الإنساني من إبداع حقيقي، ولا إلى رد كل شيء إلى باعث واحد تبسيطي، ولكنه يهدف إلى شيء أدق وأعمق يتمثل في زحزحة مركز التفسير من الرواية المريحة التي تجعل الإنسان كائناً عقلانياً بنّاءً على نحو شبه بريء، إلى رواية أكثر توتراً وواقعية تعترف بأن الحضارة نفسها قد تكون، في جانب واسع منها، الاسم الكبير الذي اتخذه فائض العدوان حين تعلّم كيف يصبح مؤدباً، ومنظماً، وقانونياً، وتقنياً، ولامعاً.
ومن هنا فإن السؤال عن الحضارة لا ينبغي أن يبقى: كيف تقدمت البشرية؟ بل يجب أن يُعاد صياغته على نحو أكثر جذرية: ما الذي فعله الإنسان بفائض عدوانه؟ وكيف حوّله إلى مدن، وجيوش، ودول، وأسواق، وآلات، وإمبراطوريات، ومؤسسات، وخطابات شاملة عن التقدم؟ وحين نطرح السؤال بهذه الصورة، يصبح ممكناً أن نعيد قراءة التاريخ كله لا بوصفه صعوداً مستقيماً من الطبيعة إلى العقل، بل بوصفه أيضاً تاريخ الكيفية التي حوّل بها الإنسان جرحه الأنثروبولوجي العميق إلى عالم كامل اسمه الحضارة.
إن فائض العدوان، بهذا الفهم، ليس مصطلحاً عابراً، بل مقترحاً نظرياً لإعادة ترتيب العلاقة بين البايولوجيا، والأنثروبولوجيا، وفلسفة التاريخ، وسوسيولوجيا الحضارة، ونقد التكنولوجيا. إنه مصطلح يردّ على سؤال ظل معلقاً في خلفية كل هذه المباحث: لماذا لم يكتفِ الإنسان بأن يكون كائناً حياً ناجحاً، بل أصرّ على أن يكون كائناً يفيض على شروط الحياة نفسها، فيحوّل ذكاءه إلى هيمنة، وذاكرته إلى ثأر، وخوفه إلى ترسانة، وتعاونه إلى جهاز، وفضوله إلى تقنية، وحضارته إلى مسرح هائل تتخفى فيه طاقات العدوان وراء أسماء براقة من قبيل الأمن، والتنمية، والتقدم، والتحديث، والمصلحة، والنهضة؟
ولعل هذه هي النقطة التي تجعل من هذا المصطلح جزءاً عضوياً من مشروع أوسع لإعادة فهم الإنسان. فإذا كان الإنسان، في ضوء نظرية الانعطافة التطورية الأولى، قد خرج من انتظامه الطبيعي بفعل التحول الذي أطلق فائض التمثّل، فإن فائض العدوان يمكن النظر إليه بوصفه أحد أكثر المخرجات خطورة لهذا التحول؛ لأنه هو الذي يفسر كيف لم يكتف الإنسان بأن يصير كائناً يفكر أكثر، بل صار أيضاً كائناً يبطش أكثر، ويخطط لبطشه أكثر، ويؤسس لبطشه أكثر، ويبتكر من أجل بطشه أكثر. وعلى هذا النحو لا يعود التاريخ الإنساني مجرد تاريخ وعي، بل يغدو أيضاً تاريخاً للطريقة التي تعلم بها هذا الوعي أن يسلّح نفسه، وأن يشرعن نفسه، وأن يبني لنفسه عالماً كاملاً من الأدوات والمؤسسات التي تضمن له أن يستمر في ممارسة فائض عدوانه، حتى لو سمّى ذلك حضارة. وبذلك يغدو فائض العدوان مصطلحاً مؤسسياً بحق: ليس لأنه يفسر الحرب وحدها، أو العنف وحده، أو القسوة وحدها، بل لأنه يتيح لنا أن نقرأ الحضارة نفسها بوصفها أحد الأشكال الكبرى التي اتخذها العدوان حين غادر بساطته الطبيعية، ودخل التاريخ.
