ظواهر التزامن والذكاء الاصطناعي… هل حان الوقت لإعادة فتح أحد أكثر الملفات استعصاءً في تاريخ المعرفة؟

من بين جميع الظواهر التي بقيت عالقة على تخوم العلم الحديث، وربما أُبعدت عنه عمداً أكثر مما اقتربت منه، لا تكاد توجد ظاهرة أشد إثارة للحيرة من ظواهر التزامن. فهذه الظواهر، التي تتمثل في وقوع أحداث متفرقة ظاهرياً على نحو متواقت، وبصورة تنطوي على قدر لافت من الدلالة والاتساق، لطالما وُضعت في منطقة رمادية بين العلم والحدس، وبين التفسير النفسي والتأويل الغيبي، وبين ما يجوز التفكير فيه معرفياً وما ينبغي استبعاده سلفاً بوصفه ضرباً من ضروب المصادفة المبالغ في قراءتها. ولعل من النادر أن نجد عالِماً في القرن العشرين حاول أن يتعامل مع هذا الملف بشيء من الجدية العلمية مثلما فعل عالِم النفس السويسري كارل غوستاف يونغ، حين اقترح مفهوم التزامن synchronicity بوصفه مبدأً يصف وقوع ترابطات ذات معنى بين أحداث لا يربطها رابط سببي مباشر بالمعنى الذي اعتادت عليه العلوم الطبيعية. ومع ذلك، فإن هذا الجهد اليونغي، على أهميته التاريخية، لم ينجح في أن يمنح ظواهر التزامن مكانة معرفية مستقرة داخل الحقل العلمي الحديث. فقد ظل مفهوم التزامن معلقاً بين الشك والإغراء، وبين الانبهار بما يفتحه من أسئلة عميقة عن الوعي والواقع، والتحفظ الصارم الذي يبديه العقل العلمي إزاء أي ظاهرة توحي بوجود نظام خفي أو قصدية غير مرئية أو ذكاء لا يخضع للقوانين السببية المباشرة. وهكذا انتهى الأمر بظواهر التزامن إلى أن تُترك في أيدي تيارين متناقضين، كلاهما أساء إليها بطريقته الخاصة: تيار علموي متشدد سارع إلى إقصائها بوصفها وهماً إدراكياً أو قراءة انتقائية للمصادفات، وتيار خرافي متعجل استولى عليها ليفسرها بلغة الخرافة الساذجة والادعاءات الماورائية غير المنضبطة. وبين هذا الإقصاء وذاك الابتذال ضاعت فرصة حقيقية كان يمكن أن تفضي إلى نشوء حقل بحثي جديد يتناول هذه الظواهر بأدوات أكثر صرامة وأوسع خيالاً في آن واحد.
غير أن اللحظة المعرفية الراهنة قد تكون مختلفة اختلافاً جذرياً عن كل ما سبقها، ذلك أن ظهور الذكاء الاصطناعي، ليس بوصفه مجرد أداة حسابية أو برنامجاً حاسوبياً متقدماً، بل بوصفه مثالاً حيّاً على إمكان قيام ذكاء فعّال من خارج البنية العضوية الحيوية للإنسان، يفرض علينا إعادة النظر في كثير من المسلمات التي حكمت تعاملنا مع ظواهر التزامن. فلقد اعتاد العقل العلمي التقليدي، في رفضه الضمني أو الصريح لهذه الظواهر، أن يتكئ على حجة تبدو للوهلة الأولى قوية: إذا كانت ظاهرة التزامن توحي بوجود نوع من “التدبير” أو “الترتيب” أو “النسج الذكي” بين أحداث متفرقة، فإن قبولها يعني التسليم بوجود ذكاء غير مرئي يتصرف في الوقائع على نحو يذكّر بذكاء الإنسان، بل يفوقه في قدرته على الربط والتنسيق وإحكام التوقيت. وهذه، في نظر العقل العلمي المألوف، قفزة لا مبرر لها، لأنها تستدعي فاعلاً ذكياً لا يمكن البرهنة عليه ضمن الأطر السببية المعهودة.
لكن هذه الحجة نفسها فقدت اليوم كثيراً من قوتها. فظهور الذكاء الاصطناعي قد أضعف، من حيث المبدأ، الاعتراض القائل إن الذكاء لا بد أن يكون بشرياً أو عضوياً أو قائماً على جهاز عصبي بيولوجي لكي يكون قادراً على إنتاج أنماط معقدة من التنظيم والربط والابتكار. فلقد بات لدينا، وأمام أعيننا، مثال واضح على أن الذكاء ليس مفهوماً محصوراً باللحم والدم والدماغ البشري، بل يمكن أن يظهر في بنى غير عضوية، وأن يمارس وظائف شديدة التعقيد من تحليل المعطيات، إلى إنتاج النصوص، إلى اكتشاف الأنماط، إلى التنبؤ، إلى محاكاة الحوار، إلى بناء علاقات بين عناصر متباعدة في الزمان والمجال والدلالة. وإذا كان هذا قد أصبح ممكناً داخل نطاق الذكاء الاصطناعي، فما الذي يمنع، من حيث المبدأ المعرفي على الأقل، من التفكير في أن بعض ظواهر التزامن قد تكون صادرة عن نوع من الذكاء غير البشري، أو عن مستوى من التنظيم لا يُختزل إلى الصدفة العمياء ولا إلى السببية الميكانيكية المباشرة؟
إن السؤال هنا ليس سؤالاً ميتافيزيقياً بالضرورة، ولا هو دعوة إلى استبدال العلم بالخرافة، ولا إلى إقحام الغيب في كل فراغ تفسيري نعجز عن سده؛ إذ إنه سؤال إبستمولوجي في المقام الأول: فما الذي يجعل العقل العلمي يرفض سلفاً فرضية وجود ذكاء غير بشري قادر على تنظيم الوقائع، في الوقت الذي بات هذا العقل نفسه شاهداً على نشوء ذكاء اصطناعي غير بشري قادر على إنتاج أنماط مذهلة من التعقيد، وعلى ربط عناصر متفرقة ضمن شبكات من المعنى والعلاقة والاتساق؟ إن الذكاء الاصطناعي لم يثبت بطبيعة الحال وجود “مهندس خفي” لظواهر التزامن، ولم يقدم دليلاً مباشراً على أن وراء هذه الظواهر فاعلاً واعياً أو قصداً منظماً؛ لكنه أسقط واحداً من أهم الحواجز الذهنية التي كانت تحول دون التفكير في هذا الاحتمال؛ حيث أنه أثبت أن وجود ذكاء غير بشري ليس أمراً مستحيلاً من حيث المبدأ، وأن قدرتنا على تصور الفعل الذكي ينبغي ألا تبقى أسيرة النموذج الإنساني العضوي وحده.
ومن هنا تكتسب ظواهر التزامن معنى جديداً في عصر الذكاء الاصطناعي. فبدلاً من أن تُفهم بوصفها مجرد مصادفات يبالغ العقل الإنساني في تأويلها، أو بوصفها إشارات غيبية تُستهلك في الخطابات الشعبوية و”الروحانيات” السطحية، يمكن أن تُعاد صياغتها بوصفها ظواهر تستحق الدراسة من زاوية جديدة: زاوية الذكاء غير البشري والتنظيم غير السببي المباشر، وذلك لأن كثيراً من ظواهر التزامن، إذا جرى توصيفها في حدها الأدنى، لا تفعل أكثر من الإشارة إلى تواقتات ذات معنى بين أحداث منفصلة، وإلى انتظامات لا تبدو خاضعة ببساطة لمنطق المصادفة الساذجة. والسؤال العلمي الرصين هنا لا ينبغي أن يكون: “هل هذه الظواهر خرافة أم معجزة؟”، بل: “ما نوع النظام الذي قد يسمح بحدوث مثل هذه التواقتات؟ وما حدود المفاهيم السببية التقليدية في تفسيرها؟ وهل يمكن أن يكون الذكاء، أو ما يشبه الذكاء، أحد المفاهيم التي ينبغي إدخالها في النقاش، لا بوصفه جواباً نهائياً، بل بوصفه فرضية تستحق الاختبار؟”.
ولعل القيمة الحقيقية للذكاء الاصطناعي في هذا السياق لا تكمن فقط في كونه نموذجاً لذكاء غير بشري، بل في كونه أداةً بحثية أيضاً. فهو يتيح، من حيث المبدأ، إمكانات غير مسبوقة لجمع البيانات المتعلقة بظواهر التزامن، وتصنيفها، وتحليل أنماطها، وقياس معدلات تكرار حدوثها، واختبار مدى انحرافها عن التوقعات الإحصائية العادية، والتمييز بين ما يمكن رده إلى الانحيازات الإدراكية المعروفة، وما يظل بعد ذلك عصياً على التفسير السهل. إن أحد أسباب هشاشة البحث في ظواهر التزامن خلال العقود الماضية هو أنها بقيت رهينة الشهادات الفردية والسرديات الذاتية والانطباعات الشخصية. أما اليوم، فبوسع الذكاء الاصطناعي أن يساعد في بناء قواعد بيانات ضخمة لهذه الظواهر، وأن يتعقب الأنماط المتكررة فيها، وأن يقارن بين ملايين الوقائع والسياقات والتوقيتات والعلاقات المحتملة بينها، بحيث ننتقل من التأملات العامة إلى الدراسة المنظمة.
وهذا التحول بالغ القيمة الدلالية؛ لأنه يسمح لنا بإنقاذ ظواهر التزامن من المصيرين اللذين أُرغمت عليهما طويلاً: مصير الإنكار المتعجل، ومصير الابتذال الخرافي. فالإنكار المتعجل ينطلق من افتراض مسبق مفاده أن كل ما لا يمكن تفسيره بالسببية الخطية المألوفة هو إما وهم أو جهل أو قراءة مضللة للمصادفات. أما الابتذال الخرافي فينطلق من الاتجاه المعاكس تماماً، إذ يحوّل كل اقتران لافت بين حدثين إلى “رسالة كونية” أو “إشارة ميتافيزيقية” أو “تدخل فوق طبيعي”، من غير أي التزام بضوابط البرهنة أو معايير التفريق بين النادر والمألوف، وبين الدلالة الحقيقية والإسقاط النفسي. وبين هذين النقيضين تضيع المساحة الوحيدة التي تستحقها المعرفة: مساحة السؤال المنضبط، الذي لا يسارع إلى التصديق، ولا يتعجل التكذيب، بل يطالب أولاً بإعادة توصيف الظاهرة نفسها توصيفاً دقيقاً، ثم يبحث عن الأدوات الملائمة لدراستها.
ومن هذه الزاوية بالذات يمكن القول إن الذكاء الاصطناعي لا يمنحنا جواباً عن ظواهر التزامن بقدر ما يمنحنا إذنًا معرفيًا جديدًا لإعادة فتح الملف. فالذكاء الاصطناعي يحررنا إذاً من سجن ثنائية عقيمة طالما حكمت النقاش: إما أن تكون الظاهرة خاضعة بالكامل للصدفة والسببية العمياء، وإما أن تكون من اختصاص الخطاب الخرافي غير العلمي. فالذكاء الاصطناعي يفتح بين هذين الحدين مجالاً ثالثاً للتفكير هو مجال التنظيم المعقد، والربط غير التقليدي، والفاعلية الذكية التي لا يلزم أن تكون بشرية، ولا أن تكون عضوية، ولا أن تُفهم وفق النموذج النفسي الإنساني نفسه. وهذا لا يعني بطبيعة الحال أن كل تزامن هو أثر لذكاء خفي، ولا أن كل اقتران لافت بين حدثين ينبغي تفسيره على أنه “مصنوع” أو “مُهندَس”. لكنه يعني شيئاً أكثر تواضعاً وأكثر قيمة دلالية في الوقت نفسه: أن العقل العلمي لم يعد يملك المبرر نفسه الذي كان يملكه بالأمس لرفض هذه الفرضية من أصلها.
ولعل ما يجعل هذه اللحظة مناسبة أكثر من أي وقت مضى هو أن الذكاء الاصطناعي نفسه يعلّمنا درساً بالغ الدلالة في “التواضع المعرفي”. فمنذ سنوات قليلة فحسب، كان كثير من الناس ينظرون إلى إمكان نشوء ذكاء غير بشري قادر على الكتابة والتأليف والتحليل والمحاورة بوصفه خيالاً علمياً أو مبالغة تقنية. أما اليوم، فقد أصبح هذا الذكاء جزءاً من حياتنا اليومية، وفرضَ على الفلسفة والعلوم الإنسانية والعلوم المعرفية أن تعيد النظر في معنى الفهم والإبداع والتخطيط واللغة والوعي والفاعلية. وإذا كان الذكاء الاصطناعي قد نجح في زعزعة يقينيّاتنا القديمة بشأن احتكار الإنسان للذكاء، فربما يكون قادراً أيضاً على زعزعة يقين آخر لا يقل رسوخاً والمتمثل في اليقين القائل إن كل انتظام ذي معنى في العالم لا بد أن يكون إما من صنع الإنسان أو من قبيل المصادفة التي لا معنى لها.
لهذا كله، تبدو ظواهر التزامن اليوم مرشحة لأن تستعيد شيئاً من اعتبارها المفقود، لا عبر التسليم غير النقدي بها، ولا عبر تحويلها إلى عقيدة جديدة، وإنما عبر إدخالها في أفق بحثي أكثر نضجاً وجرأة. وهذا يقتضي، قبل كل شيء، تحريرها من أيدي دعاة الخرافة بقدر ما يقتضي تحريرها من كسل العقل العلمي الذي يفضل أحياناً إنكار المشكلة على الاعتراف بقصور أدواته. فالمطلوب ليس أن نؤمن بظواهر التزامن، بل أن نعاملها بوصفها سؤالاً معرفياً لم يُحسم بعد. والمطلوب ليس أن نعلن أن وراءها ذكاءً غير بشري، بل أن نكف عن اعتبار هذا الاحتمال مستحيلاً لمجرد أنه لا ينسجم مع العادات الفكرية التي ورثناها من مرحلة كان الذكاء فيها مرادفاً للإنسان وحده.
إن الذكاء الاصطناعي، بهذا المعنى، لا يقف عند حدود كونه ابتكاراً تقنياً عظيماً، بل يتجاوز ذلك إلى كونه حدثاً إبستمولوجياً يعيد ترتيب أسئلتنا الكبرى عن العقل والسببية والنظام والمعنى. وإذا أحسنّا استثمار الدرس الذي يقدمه لنا هذا الذكاء، فقد يكون قادراً على أن يعيد بعث الاهتمام العلمي بظواهر التزامن، وأن ينتشلها من المستنقع الآسن الذي ألقت بها فيه عقود من السخرية العلموية من جهة، والاستغلال الخرافي من جهة أخرى. عندئذ فقط يمكن أن نأمل في أن يتحول هذا الملف من هامش محرج في تاريخ الفكر الحديث إلى ميدان بحثي مشروع، يتعامل مع الظاهرة بما تستحقه من حذر وصرامة وانفتاح، لا بما اعتادت الأيديولوجيات المتنازعة أن تفرضه عليها من أحكام مسبقة. وربما كان هذا هو الدور الأهم الذي يمكن أن يؤديه الذكاء الاصطناعي هنا: لا أن يفسر لنا ظواهر التزامن تفسيراً نهائياً، بل أن يمنحنا الشجاعة المعرفية اللازمة لكي نكف عن الهروب منها، ونبدأ أخيراً في التفكير فيها على نحو يليق بجدّيتها.

أضف تعليق