
من أكثر الاعتراضات تكراراً على نظرية الانعطافة التطورية الأولى، وعلى ما ترتب عليها من بناء تصوري لمفهوم فائض التمثّل، ذلك الاعتراض الذي يرى أن هذه النظرية قد ذهبت بعيداً في تضخيم الفروق القائمة بين الإنسان وماضيه التطوري الحيواني، وأنها بالغت في تصوير هذه الفروق بوصفها قطيعة نوعية، مع أن الأمر، بحسب أصحاب هذا الاعتراض، هو أبسط من ذلك بكثير. فالإنسان، في نظرهم، هو ليس إلا حيواناً امتلك عقلاً أكثر تطوراً من أسلافه، أو قدرة معرفية أرفع قليلاً من بقية الكائنات البايولوجية، ومن هنا جاز لعلماء الأنثروبولوجيا أن يطلقوا عليه اسم الإنسان العاقل .Homo sapiens أما الحديث عن فائض تمثّل، وعن انقلاب في بنية الإدراك، وعن تحوّل أصاب الجهاز النفسي والرمزي والأخلاقي والحضاري برمته، فهو ليس في رأيهم إلا تضخيماً نظرياً لا ضرورة إبستمولوجية له، بل وربما كان مجرد نحت اصطلاحي مفتعل لا يضيف إلى المعرفة شيئاً.
غير أن هذا الاعتراض، على شيوعه، يكشف في الحقيقة عن سوء فهم عميق لطبيعة السؤال الذي تحاول نظرية فائض التمثّل الإجابة عنه. فالمسألة هنا ليست مسألة اختيار لفظٍ أكثر درامية من لفظ آخر، ولا هي منافسة لغوية بين مصطلح “العقل” ومصطلح “فائض التمثّل”، وإنما هي مسألة تتعلق بالبنية التفسيرية ذاتها: ما الذي نحتاج إليه فعلاً لكي نفسر الإنسان كما نعرفه؟ هل يكفي أن نقول إن الإنسان “أعقل” من الحيوان، ثم نظن أن هذا الوصف قد فسّر ظهور الحضارة والأخلاق والرمز والأسطورة والقلق والندم والكراهية المديدة والوعي بالموت والحاجة إلى المعنى والقدرة على العيش داخل عوالم لم توجد قط؟ أم أن هذا القول، على وجاهته الظاهرية، لا يفعل أكثر من إعادة تسمية المشكلة بدل حلها؟
إن أول ما ينبغي توضيحه هنا هو أن الاعتراض يخلط بين التسمية والوصف، وبين الإشارة والتفسير. فقولنا إن الإنسان “عاقل” لا يفسّر شيئاً بالمعنى الدقيق للكلمة، بل يكتفي بالإشارة إلى أن هذا الكائن يمتلك نوعاً من القدرة الذهنية يميّزه عن غيره. لكنه لا يبين لنا ما طبيعة هذه القدرة، ولا كيف تعمل، ولا ما هو الحدّ الذي عنده تكفّ عن أن تكون امتداداً وظيفياً للذكاء الحيواني لتغدو مولّدة لعالم جديد بكامله. فمصطلح “الإنسان العاقل” ليس نظرية في الإنسان، بل عنوان وصفي عام. إنه يقرر أن الإنسان يفكر، لكنه لا يشرح لماذا صار يفكر بهذه الكيفية بالذات، ولا لماذا ترتب على هذا التفكير كل ذلك الفائض من الظواهر التي لا نظير لها في عالم الحيوان.
وهنا تكمن نقطة الخلل في الاعتراض. فهو يتعامل مع كلمة “العقل” كما لو كانت تفسيراً نهائياً، مع أنها ليست سوى اسمٍ يعلّق على باب المشكلة. ذلك أن السؤال الحقيقي ليس: هل للإنسان عقل؟ فهذا مما لا خلاف فيه، بل السؤال هو: أيّ عقل هذا الذي لا يكتفي بإدراك الواقع، وإنما يعيد بناءه في الداخل، ثم ينشئ فوقه طبقات متراكبة من الصور والاحتمالات والرموز والبدائل والتوقعات والأوهام والذكريات المعاد تشكيلها والمخاوف المؤجلة والرغبات المؤجلة والمجتمعات المتخيلة والآلهة المتخيلة والأمم المتخيلة والعداوات المتخيلة؟ ما الإسم الذي ينبغي أن نمنحه لقدرة ذهنية من هذا النوع؟ وهل يكفي أن نسمّيها “عقلاً” ثم نمضي، أم أن هذا الاسم العام يظل عاجزاً عن أن يمسك بما يميزها فعلاً؟
إن مفهوم فائض التمثّل لم يُستحدث من أجل الزينة الاصطلاحية، ولا لأن النظرية كانت بحاجة إلى لفظ جديد فحسب، وإنما استُحدث لأن كلمة “العقل”، بصيغتها الشائعة، عاجزة إبستمولوجياً عن حمل العبء التفسيري المطلوب. فهي كلمة واسعة، فضفاضة، ومرنة إلى الحد الذي يجعلها صالحة لوصف أشياء متباينة جداً دون أن تفسر أياً منها. فبوسعنا أن نقول إن الشمبانزي يملك شكلاً من أشكال الذكاء، وإن الدلفين ذكي، وإن الغراب قادر على حل المشكلات، وإن الإنسان يعقل؛ غير أن هذا التدرج الوصفي لا يجيب عن السؤال الأهم: ما الذي حدث بالضبط حتى صار الكائن البشري قادراً على الانفصال عن معطى اللحظة، وبناء واقع موازٍ داخل ذهنه، ثم السكن فيه كما لو كان واقعاً قائماً بالفعل؟ هنا بالضبط يدخل فائض التمثّل بوصفه مفهوماً تفسيرياً لا وصفياً. فهو لا يقول إن الإنسان هو “أكثر ذكاءً” وحسب، بل يقول إن الجهاز الإدراكي الإنساني قد تجاوز حداً معيناً من التمثل جعله لا يكتفي بعكس الواقع أو محاكاته، وإنما صار يعيد إنتاجه في صور لا نهائية، ثم يخلط بين هذه الصور وبين الواقع نفسه. وبهذا المعنى، لا يكون فائض التمثّل مجرد اسم آخر للعقل، بل اسماً لخلل بنيوي أو لتحوّل بنيوي، بحسب زاوية النظر، طرأ على علاقة الإنسان بالعالم. فالحيوان يدرك، ويتذكر، ويتعلم، وقد يخطط ضمن حدود معينة، لكنه لا يبدو كائناً مقيماً داخل تمثلاته. أما الإنسان، فإنه لا يكتفي بأن يعيش العالم، بل يعيش صورته عن العالم، ثم يعيش صورته عن صورته عن العالم، ثم يبني فوق ذلك تاريخاً وثقافةً وسياسةً وأخلاقاً وفنوناً وحروباً ونظماً رمزية لا تنتهي.
ومن هنا فإن الاعتراض الذي يقول: “لا حاجة إلى فائض التمثّل لأن الإنسان يختلف عن الحيوان بالعقل فقط”، هو اعتراض يختزل الظاهرة المطلوب تفسيرها في عنوان عام لا يكفي لتفسيرها. فهو شبيه بمن يواجه نظرية في نشأة اللغة أو الوعي أو الدولة بقوله: “لا حاجة لكل هذا، فالإنسان يتكلم لأنه يملك لساناً”. نعم، الإنسان يملك لساناً، لكن اللسان ليس تفسيراً للغة. وبالمثل، فإن الإنسان يملك عقلاً، لكن العقل، ما لم نحدد بنيته وآلية عمله ونمط اشتغاله، ليس تفسيراً للإنسان. غير أن المشكلة لا تقف عند هذا الحد، فالاكتفاء بمصطلح “العقل” يفضي، من الناحية الإبستمولوجية، إلى طمس أهم ما ينبغي تفسيره في الظاهرة الإنسانية، ذلك أن هذا المصطلح، بسبب عموميته، يوحي بأننا أمام زيادة كمية على شيء موجود أصلاً في الحيوان، وليس أمام تحوّل نوعي في طريقة تشكّل العالم داخل الذات. وبعبارة أخرى، فإن كلمة “العقل” تسمح لنا بأن نتخيل أن الإنسان هو ليس إلا حيواناً أُضيفت إلى دماغه بضعة تحسينات، بينما يصرّ مفهوم فائض التمثّل على أن ما حدث أعمق من ذلك بكثير، فلقد ظهرت بنية ذهنية تجعل الكائن البشري قادراً على أن ينفصل عن الحاضر، وأن يقيم في الممكن والمفترض والمتخيّل والمؤجل والمستعاد، وأن يجعل من هذه العوالم الثانوية حقائق نفسية واجتماعية وحضارية لا تقل تأثيراً عن الواقع المادي نفسه.
ولعل أبسط طريقة لاختبار الحاجة إلى مفهوم فائض التمثّل هي أن نسأل: هل تكفي كلمة “العقل” لتفسير أكثر الظواهر إنسانيةً؟ وهل تفسر الندم، لا بوصفه تعلماً من خطأ، بل بوصفه محاكمةً للنفس على ضوء واقع بديل لم يقع؟ وهل تفسر القلق الوجودي، لا بوصفه خوفاً من خطر حاضر، بل بوصفه عيشاً مسبقاً لاحتمالات لم تقع بعد؟ وهل تفسر الحسد، والضغينة الممتدة، والنفاق، والعار، والتفاخر، والشعور بالمهانة الرمزية، والقدرة على الموت من أجل فكرة، أو القتل باسم سردية؟ وهل تفسر قابلية الإنسان لأن يختلق لنفسه عالماً من الأدوار والأقنعة والتمثلات الاجتماعية ثم يختنق داخله؟ وهل تفسر الحرب بوصفها لعبة رمزية كبرى، أو السوق بوصفه فضاءً لإنتاج الرغبات وليس لتلبية الحاجات، أو الحضارة كلها بوصفها طبقات متراكبة من الواقع المعاد تمثله؟
إن الجواب، في تقديري، هو: لا، وذلك ليس لأن العقل لا دور له، بل لأن كلمة “العقل” لا تقول لنا أي شيء تقريباً عن الكيفية التي تتولد بها هذه الظواهر. إنها أشبه بصندوق نضع فيه كل ما لا نعرف كيف نفسره، ثم نطمئن إلى أننا قد فسّرناه لأنه صار يحمل اسماً محترماً. أما مفهوم فائض التمثّل، فهو محاولة للخروج من هذا التعميم الكسول، عبر تحديد البنية التي تجعل الإنسان ينتج كل هذا الفائض من العالم الثاني: عالم الصور، والبدائل، والأقنعة، والرموز، والمعاني المتضخمة، والعداوات المؤجلة، والرغبات غير الطبيعية، والأحمال النفسية التي لا ضرورة بيولوجية مباشرة لها.
ومن هنا أيضاً يتضح أن النقاش ليس بين من يؤمن بالعقل ومن ينكره، بل بين نموذجين في التفسير:
نموذج يكتفي بالقول إن الإنسان عاقل، فيحوّل الاسم إلى جواب، ويجعل الوصف بديلاً عن التحليل.
ونموذج آخر يرى أن هذا لا يكفي، وأن على الباحث أن يسأل: ما طبيعة هذا العقل؟ وما الحدّ الذي عنده يتحول من أداة إدراك إلى مصنع تمثلات؟ وما الذي يترتب على ذلك من إعادة تشكيل للنفس، وللمجتمع، وللتاريخ، وللحضارة، وللشر نفسه؟
والحق أن من حق القارئ أن يتحفظ على مصطلح “فائض التمثّل”، وأن يطالب بتدقيقه، واختباره، وتحديد حدوده المفهومية، والتمييز بينه وبين مفاهيم مجاورة كالتخيل، والوعي الذاتي، واللغة، والرمز، والذاكرة السردية. بل إن هذا التحفظ مشروع وضروري في أي عمل نظري جاد. لكن ما ليس مشروعاً، من الناحية الإبستمولوجية، هو أن يُرفض المفهوم لمجرد أن كلمة “العقل” موجودة سلفاً؛ لأن وجود مصطلح عام سابق لا يعني أنه كافٍ تفسيرياً. ولو كان الأمر كذلك، لما احتاجت العلوم الإنسانية كلها إلى هذا العدد الهائل من المفاهيم التي نحتتها عبر تاريخها: من اللاوعي عند فرويد، إلى العنف الرمزي عند بورديو، إلى السلطة الحيوية عند فوكو، إلى الحقول الدلالية، والأنساق، والبنى العميقة، والذاكرة الجمعية، ورأس المال الرمزي، والذاتية الحديثة. فالمفهوم لا يُبرَّر لأنه جديد، ولا يُدان لأنه جديد؛ وإنما يُحاكم بقدرته على التفسير والكشف والتنظيم، وبقدر ما يفتحه من إمكانات لفهم ظواهر كانت تبدو متفرقة قبل أن يجمعها إطار واحد.
وهنا يمكن القول إن فائض التمثّل لا يزعم أنه يلغي العقل، بل يزعم أنه يفسر كيف انقلب العقل الإنساني من مجرد قدرة على الإدراك إلى قدرة على العيش داخل التمثل. وهذا فرق هائل، وذلك لأن العقل، في صيغته العامة، قد يدل على الحساب، والاستنتاج، وحل المشكلات، وربط الأسباب بالنتائج. أما فائض التمثّل، فإنه يشير إلى شيء آخر: إلى ذلك الانفجار الداخلي الذي جعل الإنسان لا يعود أسير العالم الخارجي وحده، بل أسير العالم الذي صنعه هو داخل رأسه. وحين يحدث هذا، لا تعود الحضارة تفصيلاً خارجياً يمكن إضافته من غير ثمن، بل تصبح نتيجة مباشرة لذلك الفائض نفسه؛ نتيجة لما يتيحه من تراكم رمزي، وتأجيل، وتجريد، ومراكمة للمعنى، وتضخيم للرغبة، وإعادة تنظيم للعنف، وإنتاج مستمر للبدائل والصور والهويات والسرديات.
وبهذا المعنى، فإن الإلحاح على الفروق بين الإنسان وماضيه الحيواني ليس نزوة فكرية، ولا رغبة في افتعال القطيعة، بل هو ضرورة يفرضها موضوع البحث نفسه. فالاستمرار التطوري لا ينبغي أن يتحول إلى عقيدة تمنعنا من رؤية الانكسارات حين تقع. صحيح أن الإنسان لم يسقط من السماء خارج التاريخ الطبيعي، وصحيح أنه يحمل في جسمه وفي بعض وظائفه العصبية والنفسية آثار ماضيه الحيواني، لكن الصحيح أيضاً أن ما نعرفه عن الإنسان من حيث هو كائن أخلاقي، ورمزي، وديني، وحضاري، وتاريخي، ومهووس بالمعنى، وبالندم، وبالعار، وبالمستقبل، وبالموت، لا يمكن اختزاله في مجرد نسخة أعلى من ذكاء حيواني سابق. إن المشكلة الكبرى في كثير من الاعتراضات الموجهة إلى نظرية فائض التمثّل أنها لا تناقش النظرية من داخل ظواهرها، بل من خارجها؛ أي إنها لا تسأل: هل نجح هذا المفهوم في تفسير ظواهر بعينها؟ وهل استطاع أن يربط بين الندم والعار والدين والحضارة والعنف والأسطورة ضمن منطق واحد؟ وهل كشف شيئاً لم تكن المفاهيم السابقة قادرة على كشفه؟ وإنما تكتفي بالقول: “لدينا بالفعل كلمة اسمها العقل، فلماذا نحتاج إلى كلمة أخرى؟” وهذا، في حقيقته، اعتراض على الاصطلاح وليس على التفسير، وعلى الاسم وليس على المسمّى. وهو اعتراض لا يكفي لإبطال نظرية، لأن النظريات لا تُفند بالاستياء من لغتها، بل باختبار قدرتها على تفسير الواقع.
لذلك، فإن الرد الإبستمولوجي الأوجز على هذا الاعتراض يمكن صياغته على النحو الآتي: نعم، الإنسان عاقل، لكن كلمة “العقل” لا تفسر الإنسان؛ إذ أنها تشير إلى موضع المشكلة، لكنها لا تحلها. أما فائض التمثّل، فهو ليس بديلاً بلاغياً عن العقل، بل محاولة لتسمية البنية التي جعلت هذا العقل ينتج كل ما لم ينتجه أي عقل حيواني آخر: العار، والندم، والإيديولوجيا، والدين المؤوَّل، والحضارة الرمزية، والعنف المتخيَّل، والعيش داخل الممكنات، والانشغال بما لم يحدث كما لو أنه حدث بالفعل. فإذا كان المفهوم قادراً على جمع هذه الظواهر تحت منطق واحد، وعلى تفسير تشابكها، وعلى إظهار ما بينها من قرابة خفية، فإنه يكون قد برر نفسه إبستمولوجياً، حتى لو بدا اسمه غريباً في البداية.
ولعل هذا هو بيت القصيد كله: فالمسألة هي ليست أن نختار بين “العقل” و”فائض التمثّل” كما لو كانا مترادفين، بل أن نسأل أيّهما أقدر على تفسير الإنسان كما نعرفه، لا كما نحب أن نبسطه. فإذا كانت كلمة “العقل” تكتفي بأن تقول لنا إن الإنسان يفكر، بينما يذهب مفهوم فائض التمثّل إلى تفسير كيف يفكر، وفيمَ يفكر، وما الذي ترتب على هذا النمط من التفكير من تشكّل لعالم الإنسان كله، فإن الحاجة إليه لا تكون ترفاً اصطلاحياً، بل ضرورة نظرية. وحينئذٍ لا يعود السؤال: لماذا اخترعتَ هذا المصطلح؟ بل يصبح السؤال الأجدر: كيف أمكننا أن نتأخر كل هذا الوقت قبل أن نحتاج إلى مصطلح من هذا النوع؟
