
من بين الظواهر التي تبدو للوهلة الأولى عادية في حياة الإنسان اليومية، حتى ليكاد المرء يمر بها من غير أن يتوقف عندها، ظاهرةُ امتناع الإنسان عن الإجابة على أسئلة بعينها بحجة أنها تدخل في نطاق “خصوصيته”، أو تمس “أسراره الشخصية”، أو تتجاوز حدود ما يحق للآخرين معرفته عنه. فكم من مرةٍ يلوذ الإنسان بهذه الذريعة حين يُسأل عن ماضٍ يخجل منه، أو عن دافعٍ حقيقي وراء فعلٍ صدر عنه، أو عن موقفٍ أخلاقي لم يكن فيه على الصورة التي يحب أن يُرى عليها، أو عن رغبةٍ دفينة، أو ضعفٍ قديم، أو تناقضٍ قائم بين ما يعلنه وما يضمره. غير أن السؤال الذي يستحق أن يُطرح هنا ليس: هل يحق للإنسان أن يحتفظ لنفسه بمساحة من الخصوصية؟ فهذه مسألة أخرى لا خلاف في أصل مشروعيتها ضمن حدودها الإنسانية والأخلاقية. وإنما السؤال الأعمق هو: لماذا يشعر الإنسان أصلاً بأن بعض الأسئلة أخطر من أن يُجاب عنها؟ ولماذا تتحول الإجابة الصريحة أحياناً إلى ما يشبه التهديد الوجودي لصورته أمام نفسه وأمام غيره؟ وما الذي يجعل مجرد الإفصاح عن بعض الحقائق الشخصية فعلاً بالغ الوطأة، كأن صاحبه لا يكشف معلومة فحسب، بل يهدم بناءً كاملاً من التصورات التي شيّدها حول ذاته؟
إن الميتابايولوجيا، حين تعيد قراءة الإنسان على ضوء ما أحدثته فيه الانعطافة التطورية الأولى من تحوّل بنيوي عميق، تمنحنا مفتاحاً تفسيرياً بالغ الأهمية لفهم هذه الظاهرة. فالإنسان، بحسب هذه المقاربة، لم يعد بعد تلك الانعطافة كائناً يعيش ذاته كما هي، ولا كائناً يتعامل مع نفسه بوصفها حقيقةً ينبغي التعرف إليها ثم التصالح معها، وإنما أصبح كائناً تمثلياً بامتياز؛ أي كائناً يعيش داخل صورته عن نفسه بقدر ما يعيش داخل نفسه، بل لعلّه يعيش داخل الصورة أكثر مما يعيش داخل الحقيقة. وهذه الصورة ليست مجرد انطباع عابر أو تحسين تجميلي بسيط للذات، وإنما هي بناء تمثلي كامل، شديد التعقيد، يتولى فائض التمثل صناعته وصيانته والدفاع عنه، حتى يغدو الإنسان أسير ما يظنه نفسه، لا ما هو عليه بالفعل.
ومن هنا فإن الامتناع عن الإجابة لا يعود مجرد تحفظ اجتماعي بريء، ولا مجرد حرص مشروع على صون المجال الشخصي، وإنما يكشف في كثير من الأحيان عن شيء أعمق وأخطر: عن خوف الإنسان من انكشاف الفجوة بين ذاته الواقعية وذاته التمثلية. فالإنسان لا يخشى دائماً السؤال من حيث هو سؤال، بل يخشى ما قد يجرّه السؤال من انهيار في الصورة التي اجتهد طويلاً في صناعتها، تلك الصورة التي يريد لها أن تبقى متماسكة في أعين الآخرين، بل وقبل ذلك في عينه هو نفسه. ولهذا كثيراً ما نراه يستقبل بعض الأسئلة كما لو كانت اقتحاماً غير مشروع لحصن داخلي، لا لأن السؤال يعتدي على حقه في الصمت فحسب، بل لأن الإجابة الصادقة قد تُسقط قناعاً، أو تفضح تناقضاً، أو تكشف هشاشةً، أو تُخرج إلى السطح وجهاً حرص على دفنه تحت طبقات من التجميل الرمزي والأخلاقي.
إن الخصوصية، بهذا المعنى، لا تكون دائماً اسماً لحق مشروع في الكتمان، بل قد تتحول إلى ملاذ تمثلي يحتمي به الإنسان من الحقيقة. وقد يغدو الحديث عن “الأسرار الشخصية” في كثير من الأحيان جزءاً من الاستراتيجية الدفاعية التي يعتمدها فائض التمثل لحماية البنية الرمزية التي أقامها الإنسان حول نفسه. فالإنسان لا يقول دائماً: “هذا شأني الخاص” لأنه يريد أن يحفظ ما لا يعني الآخرين، بل قد يقولها لأنه يريد أن يمنع الآخرين من رؤية ما يعنيه هو قبل غيره؛ أي تلك الحقيقة التي لو ظهرت لاضطر إلى إعادة النظر في فهمه لنفسه، وفي السردية التي صاغها عنها، وفي المكانة الأخلاقية أو النفسية أو الاجتماعية التي يحب أن يحتلها في وعي من حوله.
وهنا نلامس أحد أخطر الآثار التي خلّفها فائض التمثل في البنية النفسية-المعرفية للإنسان. فهذا الفائض لم يكتفِ بأن يمنح الإنسان قدرةً استثنائية على تخيل ذاته، أو تمثيلها، أو إعادة صياغتها رمزياً، وإنما تجاوزه إلى أن جعله شديد التعلق بالصورة التي ينتجها عن نفسه، شديد الاستثمار فيها، شديد الخوف من تصدعها. ولهذا لم يعد الإنسان يسأل نفسه: من أنا حقاً؟ بقدر ما صار يسأل، في كثير من أحواله: كيف أبدو؟ كيف أُرى؟ كيف أحافظ على النسخة التي صنعتها عن نفسي من أن تنهار؟ وما الذي ينبغي أن أُظهره أو أخفيه كي تبقى هذه النسخة مقبولة، بل محبوبة أو محترمة أو مهيبة أو بريئة أو متماسكة؟
وعند هذه النقطة يغدو الامتناع عن الإجابة على بعض الأسئلة مفهوماً بوصفه دفاعاً عن الصورة لا عن الحقيقة. فالإنسان قد يمتنع عن الإجابة لأن الحقيقة لا تليق بالدور الذي يؤديه، أو بالمقام الذي نصب نفسه فيه، أو بالهيئة الأخلاقية التي يريد أن يظل ماثلاً بها أمام الناس. وقد يمتنع لأن الإجابة ستكشف أن دوافعه لم تكن نبيلة كما ادعى، أو أن موقفه لم يكن مبدئياً كما صوّره، أو أن ماضيه يضمر ما لا ينسجم مع صورة الاستقامة التي يسعى إلى ترسيخها، أو أن خوفه، أو حسده، أو ضعفه، أو شهوته، أو ضغينته، أكبر بكثير مما يسمح به الوجه الذي يقدمه للعالم. وهكذا تتحول “الخصوصية” من ستار يحمي الداخل الإنساني من التطفل، إلى ستار يحمي التمثيل من الحقيقة، ويحمي القناع من السقوط.
ومن هنا أيضاً يمكن أن نفهم لماذا تكون بعض الأسئلة أكثر إزعاجاً من غيرها. فالأسئلة التي تتعلق بالوقائع الخارجية البسيطة قد لا تثير في الإنسان مقاومة تُذكر، أما الأسئلة التي تقترب من نواته الأخلاقية أو النفسية، أو تضع يده على تناقضاته، أو تذكّره بما أخفاه عن نفسه قبل أن يخفيه عن الناس، فإنها توقظ فيه استنفاراً دفاعياً بالغ الشدة. ذلك أن هذه الأسئلة لا تستدعي معلومة وحسب، بل تستدعي مواجهة. والإنسان، في كثير من أحواله، لا يهرب من السؤال لأنه يجهل الجواب، وإنما لأنه يعرفه أكثر مما ينبغي، ويعرف أن الاعتراف به قد يفتح باباً على ذاته الحقيقية التي أمضى زمناً طويلاً في تفادي النظر إليها.
وهذا هو الوجه الذي يجعل من الخصوصية، في بعض تجلياتها الإنسانية، قرينةً على المأزق التمثلي الذي يعيشه الإنسان لا على نضجه النفسي. فالمرء لا يتشبث دائماً بحقه في الصمت لأنه بلغ درجة من الحكمة تجعله يميّز بين ما يقال وما لا يقال، بل قد يتشبث به لأنه عاجز عن احتمال ما قد يترتب على الصدق من انهيار في النسخة التي يعيش داخلها. ولعل من أدق ما تكشفه هذه الظاهرة أن الإنسان ليس فقط حريصاً على تحسين صورته أمام الآخرين، بل حريص كذلك على ألا يضطر إلى رؤية نفسه خارج تلك الصورة. إنه لا يخشى انكشافه أمام الناس وحدهم، بل يخشى انكشافه أمام نفسه أيضاً. ولذلك يكون الصمت أحياناً أقل كلفة من الاعتراف، والالتجاء إلى “الأسرار الشخصية” أيسر من فتح ملفّات الذات على حقيقتها، والاحتماء بحدود الخصوصية أهون من الوقوف أمام مرآة لا تعكس ما نحب أن نراه، بل ما نحن عليه بالفعل.
ومن هنا تكتسب الإشارة القرآنية إلى الشهادة على النفس أهميتها البالغة في هذا السياق. فالقرآن لا يكتفي بأن يأمر المؤمن بالعدل أو الصدق على نحو عام، وإنما يذهب إلى موضع المقاومة الأشد عمقاً في النفس البشرية، فيدعو الإنسان إلى أن يقيم الشهادة لله ولو على نفسه، وأن لا يجعل حب الذات، أو الخوف على الصورة، أو الحرص على السمعة، أو الميل إلى التبرئة والتجميل، حاجزاً بينه وبين الحق. وليس من قبيل المصادفة أن تكون الشهادة على النفس من أثقل الشهادات وأشقها؛ لأنها ليست مجرد قولٍ ضد المصلحة، بل هي في جوهرها تمرين روحي ومعرفي على خرق الحصن التمثلي الذي بناه الإنسان حول ذاته. إنها مطالبة للإنسان بأن يخرج من ولائه لصورته إلى ولائه للحقيقة، ومن حرصه على سلامة تمثيله إلى حرصه على سلامة موقفه بين يدي الله.
ولذلك فإن القيمة المعرفية والأخلاقية للشهادة على النفس لا تكمن فقط في أنها تمنع الظلم أو تقيم العدل بين الناس، وإنما تكمن كذلك في أنها تضرب في الصميم أحد أهم آليات فائض التمثل: آلية الاحتماء بالصورة. فحين يُطالب الإنسان بأن يشهد على نفسه، فإنه يُدعى ضمنياً إلى هدم جزء من البنية التزييفية التي صنعتها ذاته التمثلية، وإلى الاعتراف بأن نجاته ليست في تماسك القناع، بل في صدق المواجهة. وهذه النقلة بالغة الأهمية؛ لأنها تنقل الإنسان من مشروع حماية النسخة المصنوعة إلى مشروع إصلاح الذات الحقيقية. وما دام الإنسان مشغولاً بحراسة صورته أكثر من انشغاله بإصلاح نفسه، فإنه سيبقى ميالاً إلى الكتمان الدفاعي، وإلى التذرع بالخصوصية كلما اقترب السؤال من منطقة الصدع.
على أن أخطر ما في الأمر كله هو أن الإنسان قد ينجح مع الزمن في إقناع نفسه بأن ما يخفيه إنما يخفيه باسم الكرامة، أو الحياء، أو الاستقلال الشخصي، أو الحق في المساحة الخاصة، مع أن ما يدافع عنه في حقيقة الأمر ليس دائماً كرامته بل صورته، وليس دائماً إنسانيته بل تمثيله. وهنا تبلغ سلطة فائض التمثل إحدى ذراها القصوى؛ إذ لا يعود دوره مقتصراً على تزوير صورة الإنسان أمام الآخرين، بل يمتد إلى تزوير وعي الإنسان بطبيعة ما يفعله هو نفسه. فيتوهم أنه يحمي ذاته، بينما هو في كثير من الأحيان يحمي قناعاً صنعه عن ذاته. ويتوهم أنه يصون أسراره، بينما هو في أحيان كثيرة يصون المسافة التي تفصل بينه وبين حقيقته. ويتوهم أنه يضع حدوداً صحية بينه وبين الآخرين، بينما هو يضع حدوداً بينه وبين إمكانية التعرّف الصادق إلى نفسه.
وبهذا المعنى، فإن التذرع بالخصوصية لا يكون مشكلةً حين يتعلق بحق مشروع في عدم تحويل الإنسان إلى موضوع للفضول أو الانتهاك أو الابتذال، وإنما يغدو مشكلة حين يتحول إلى أداة تمويه وجودي وأخلاقي، يستعين بها الإنسان على تعطيل كل سؤال يمكن أن يوقظه من سباته التمثلي. فبعض الأسئلة لا تُرعب الإنسان لأنها عدوانية أو متطفلة، بل لأنها صادقة، ولأنها تقترب من موضع الألم الحقيقي: من الموضع الذي يختبئ فيه الإنسان من نفسه تحت اسم “الخصوصية”.
إن ما تكشفه لنا الميتابايولوجيا، في ضوء فائض التمثل، هو أن الإنسان لم يعد ذلك الكائن الشفاف الذي تتطابق فيه ذاته مع ما يعلنه عنها، ولا ذلك الكائن البسيط الذي يقول ما هو عليه ويعيش ما يقول. لقد أصبح، بعد الانعطافة التطورية الأولى، كائناً مزدوجاً على نحو مقلق: ذاتاً واقعية مثقلة بالنقص والضعف والتناقض، وذاتاً تمثلية مشغولة بالتلميع والتبرير وإدارة الانطباع. وبين هاتين الذاتين تنشأ مساحة واسعة من الصمت، والكتمان، والتحفّظ، والالتفاف اللفظي، والامتناع عن الإجابة، والتذرع بالخصوصية، لا لأن الإنسان يملك دائماً أسراراً عظيمة، بل لأن مجرد انكشاف بعض الحقائق الصغيرة قد يكفي لخلخلة التوازن الهش الذي يقوم عليه بناؤه التمثلي كله.
ومن هنا فإن تجاوز هذا المأزق لا يبدأ بانتهاك خصوصيات الناس، ولا بإلغاء حق الإنسان في أن يصمت عما لا يجب أن يقال، وإنما يبدأ بإعادة تعريف الصدق مع النفس بوصفه فضيلةً وجودية لا مجرد فضيلة أخلاقية، وبفهم أن أخطر ما يهدد الإنسان ليس أن يعرف الآخرون بعض عيوبه، بل أن يمضي العمر كله وهو عاجز عن النظر إليها بنفسه. فالحقيقة التي يخشاها الإنسان ليست في الغالب حقيقةً قاتلة، وإنما القاتل حقاً هو ذلك الوهم الذي يجعله يعتقد أن سلامته مرهونة ببقاء الصورة التي صنعها عن نفسه، وأن انكشاف وجهه الحقيقي خسارة لا تُحتمل. والحال أن بداية النجاة لا تكون في صيانة هذه الصورة، بل في التخفف منها، ولا في التمترس وراء “الأسرار الشخصية” كلما اقترب السؤال من الجرح، بل في امتلاك الشجاعة التي تجعل الإنسان قادراً على أن يرى نفسه كما هي، وأن يشهد عليها بما فيها، وأن يدرك أن ما يخفيه تحت الأقنعة ليس ذاته التي ينبغي الدفاع عنها، بل المرض الذي ينبغي الشفاء منه.
