
في كتابه (Are We Smart Enough to Know How Smart Animals Are?) “هل نحن على درجة من الذكاء تتيح لنا معرفة مدى ذكاء الحيوانات؟”، يوجه عالم السلوكيات فرانس دي فال (Frans de Waal) صفعة قوية للمركزية البشرية. يجادل دي فال بأن قصورنا عن إدراك ذكاء الحيوان لا يعود إلى غباء الكائنات الأخرى، بل إلى “غبائنا نحن” وأنانيتنا المعرفية التي تحاول قياس عقول الكائنات باختبارات صُممت حصراً لتناسب نمط الحياة البشرية.
ومع ذلك، فإننا عندما نرفع هذا الغطاء الاستعلائي ونبصر ذكاء الحيوان الحقيقي كما يعرضه هذا الكتاب، فإننا لا نكتشف مجرد قدرات إدراكية مذهلة، بل نكتشف امتيازاً بنيوياً يقوم على أساس من أن ذكاء الحيوان يتحرك في بيئته بكفاءة مطلقة لأنه ذكاءٌ مبرأ من العِلل والآفات، ذكاءٌ لا يعاني من أي “سلبيات نفسية-معرفية” تحول بينه وبين إصدار أحكام صائبة تخدم صراع البقاء. وهنا تكمن المفارقة الميتابايولوجية الكبرى؛ فالوعي البشري الذي نتفاخر به هو عقل مأزوم ومشوه ومحاصر باعتلالات نفسية ومعرفية تجعله الأقل قدرة على تحقيق “الطمأنينة البيولوجية”.
كما ويستعرض دي فال في كتابه تجارب مذهلة تُثبت أن الحيوانات (كالقرود، الغربان، والفيلة) تمتلك قدرة على التخطيط للمستقبل، وتذكر الماضي، واستخدام الأدوات المعقدة. لكن التدقيق في هذه السلوكيات يكشف أنها تمتاز بـ الواقعية المباشرة والنقاء المعرفي. فالحيوان لا يعاني من “التشوهات المعرفية” (Cognitive Distortions)؛ إذ لا يوجد في عالم الحيوان ما يسمى بالإنكار الذاتي، أو الإسقاط النفسي، أو العقد السايكولوجية التي تزيف الواقع. فحكم الحيوان على محيطه مؤسس على “النباهة المباشرة” الصائبة؛ فهو يرى المفترس فيتحرك، ويرى الغذاء فيخطط للحصول عليه. فذكاء الحيوان أداة حادة وصافية لخدمة البقاء، في حين أن الإنسان هو الكائن الوحيد الذي يمتلك عقلاً قادراً على تزييف الحقائق الساطعة لخدمة أوهامه، أو تبرير كوارثه، أو الارتماء في أحضان أيديولوجيات تدميرية تضر بوجوده ذاته.
كما ونلاحظ في هذا الكتاب المتميز، أنه وبينما يثبت دي فال أن الحيوانات تعبر عن مشاعر معقدة كالتعاطف، والعدالة، والتعاون، فإن تساؤلاً ميتابايولوجياً عميقاً يطرأ على البال مفاده: لماذا لا نجد في عالم الحيوان انتحاراً، أو فصاماً، أو وسواساً قهرياً، أو قلقاً وجودياً يمنعه من ممارسة حياته؟
إن الحيوان لا يملك وعياً بالزمن خارج سياقه البيولوجي، ولا تلتهم عقله الأسئلة حول “جدوى الوجود”. وهذا الانتفاء التام للسلبيات النفسية يمنحه حصانة مطلقة في صراع البقاء. أما الإنسان، فإن ضريبة تمايزه المعرفي عن الحيوان تمثلت في فتح الباب على مصراعيه لـ طيفٍ من الاضطرابات النفسية. فعقل الإنسان يفرز القلق كما تفرز الكبد الصفراء. فالإنسان هو الكائن الذي قد يقعده الاكتئاب عن طلب الرزق، أو يدفعه القلق الاستباقي إلى تدمير ممتلكاته، أو يصيبه الوسواس القهري فيمنعه من التكيف. فذكاء الإنسان مشروط بـ “هشاشة سايكولوجية” مرعبة، بينما ذكاء الحيوان محمي بمناعة فطرية ضد الخلل النفسي.
كما ونلاحظ في هذا الكتاب ان دي فال يخصص فصولاً كاملة لإثبات أن الحيوانات تمتلك “أنظمة أخلاقية بدائية” تحكم السلوك الاجتماعي، وتمنع انفراط عقد الجماعة. وهذا الانضباط السلوكي يعني أن النزعات العدوانية أو الجنسية لدى الحيوان لا تتحول إلى “عقد نفسية” أو “انحرافات تدميرية”، وذلك كما يلي:
• انتفاء انفراط عقد العدوان: فعند الحيوان، يتوقف الذكاء السلوكي عند حدود الحفاظ على النوع؛ فلا نجد “سادية” أو رغبة في الإبادة لمجرد التلذذ بالسيطرة.
• تحديد النشاط الجنسي: فعند الحيوان، يبقى هذا النشاط مبرمجاً تِبعاً لنظام الطبيعة، ولا يتحول، كما هو الحال عند الإنسان، إلى هاجس نفسي معقد وخارج على التوازن الطبيعي، فينتج تبعاً لذلك اضطرابات سلوكية وعاطفية لا تنتهي.
وينتهي بنا تصفح هذا الكتاب الرائع الى الإقرار بأن الحيوان محكوم بذكاء يخدم الحياة؛ أما الإنسان، فإن انفراط عقد غرائزه وخروجها عن طور الطبيعة حوّل ذكاءه إلى أداة لابتكار وسائل الإبادة الشاملة، والتشويه النفسي المتبادل.
كما ويقودنا طرح دي فال بطريقة غير مباشرة إلى تأمل العُري الفسيولوجي للإنسان. فالحيوان، بنباهته وجسمه المتكامل (فراء، مخالب، حواس حادة)، لا يحتاج إلى تبرير وجوده وذلك لإنه متسق مع بيئته. أما الإنسان، الذي سقط غطاؤه الشعري وتدنت مناعته الجسدية، فقد اضطر لتعويض هذا الفقر البيولوجي بتضخيم قدراته الذهنية. ولكن هذا التضخيم جاء مشوهاً؛ فلقد صنع الإنسان من عقله “قناعاً” يخفي تحته هشاشته الوجودية. فبينما يتصرف الحيوان بذكائه دون أقنعة، تصدر أحكامه صائبة ومطابقة للواقع لضمان بقائه، نجد أن الإنسان يقضي نصف عمره البيولوجي في محاربة كوامن الخوف، والنقص، والصراعات النفسية الداخلية التي سببتها هذه الطفرة المعرفية غير المنضبطة.
يتبين لنا، وتدبر كل ما تقدم، أن كتاب فرانس دي فال، في جوهره، يحرر الحيوان من قفص “الآلية الصماء” ليضعه في مرتبة الكائن الواعي الذكي. ولكن هذه القراءة المعمقة تكشف لنا وجهاً آخر للمقارنة تتمثل في أن ذكاء الحيوان هو ذكاء تكيفي كامل ومكتفٍ ذاتياً؛ حيث أنه يعمل كالساعة السويسرية في دقته، لانتفاء أي علة نفسية أو معرفية تعطل وظائفه. أما تمايز الإنسان، فليس تمايزاً صاعداً في خط مستقيم من الكمال، بل هو “طفرة انقطاعية مأزومة”. فلقد حاز الإنسان وعياً هائلاً، لكنه حازه مكبلاً بالقلق، والاكتئاب، والنزوع نحو التدمير الذاتي، والانفصال عن نواميس الطبيعة. فالحيوان ذكي بدرجة تكفيه ليعيش بسلام مع كوكبه، أما الإنسان، فذكاؤه حاد كالشفرة، لكنه يمسك بها من النصل، ليظل الكائن الأكثر قدرة على فهم الكون، والأكثر عجزاً عن فهم وإصلاح نفسه.
