
من بين جميع النتائج التي يمكن أن تترتب على نظرية الانعطافة التطورية الأولى، ربما لا توجد نتيجة أكثر طموحاً من احتمال أن تكون دراسة الإنسان قد بلغت نقطة لم تعد عندها الحدود التقليدية بين العلوم قادرة على احتواء موضوعها. فالإنسان الذي تكشفه هذه النظرية ليس كائناً بايولوجياً فحسب، ولا نفسياً فحسب، ولا اجتماعياً أو رمزياً أو دينياً فحسب، وإنما هو كائن نشأت خصوصيته، وفق هذه الفرضية، من تحول وقع في مستوى بايولوجي ثم تجاوزت آثاره ذلك المستوى لتعيد تشكيل النفس والمجتمع والحضارة والمعرفة والتاريخ. وهنا يظهر سؤال لا يمكن تأجيله: أي حقل من حقول العلم يستطيع أن يدرس حدثاً يبدأ بالبايولوجيا، لكنه لا ينتهي بها؟
إن البايولوجيا التطورية تستطيع أن تبحث في أصل البنية الجسدية، وفي التحولات الوراثية، وفي الانتخاب الطبيعي، وفي تاريخ الأنواع. وعلم الأعصاب يستطيع أن يدرس الدماغ ووظائفه. وعلم النفس يبحث في السلوك والانفعال والإدراك. والأنثروبولوجيا تدرس الإنسان وثقافاته. والسوسيولوجيا تبحث في المجتمعات والمؤسسات. أما فلسفة العقل والإبستمولوجيا فتتناولان طبيعة الوعي والمعرفة.
لكن ماذا يحدث عندما تكون الظاهرة التي نحاول تفسيرها ممتدة عبر هذه المستويات كلها في وقت واحد؟ وماذا لو كان تحول واحد في التاريخ البايولوجي للإنسان قد أفضى إلى تغير في طريقة عمل الإدراك، ثم أدى هذا التغير إلى نشوء بنية نفسية جديدة، ومنها انبثقت أشكال غير مسبوقة من الاجتماع والرمز والحضارة والعنف والمعرفة؟ عندئذ تصبح المشكلة أكبر من أن يحتويها تخصص واحد. ومن هنا يمكن أن تنشأ الحاجة إلى ما كنا قد سميناه في مقالات سابقة “الميتابايولوجيا”. ولا ينبغي أن يُفهم هذا المصطلح على أنه دعوة إلى تجاوز البايولوجيا بمعنى إلغائها، ولا إلى إقامة علم غامض يقع خارج نطاق الاختبار. فالبادئة “ميتا” هنا لا تعني الخروج عن العلم، بل الانتقال إلى مستوى ينظر في النتائج التي تتجاوز حدود التفسير البايولوجي المباشر، مع بقائها منبثقة من تاريخ الكائن البايولوجي نفسه.
فالميتابايولوجيا، بهذا المعنى، هي دراسة اللحظة التي لا تعود فيها الحياة قابلة للفهم من خلال وظائف البقاء والتناسل والتكيف وحدها؛ وهي اللحظة التي يُنتج فيها التحول البايولوجي ظواهر تتجاوز المنطق الوظيفي المباشر الذي نشأ في إطاره. والإنسان، وفق نظرية الانعطافة التطورية الأولى، هو المثال الوحيد على هذا التجاوز؛ فهو كائن بايولوجي، لكنه يقتل من أجل فكرة، ويحتاج إلى الطعام، لكنه قد يحول الطعام إلى رمز للمكانة والهوية، ويمتلك غريزة جنسية، لكنه يستطيع أن يفصل الرغبة عن وظيفتها الانجابية، ثم يحولها إلى صناعة وسوق وخيال لا ينتهي. ويمتلك قدرة طبيعية على الدفاع عن نفسه، لكنه يبني جيوشاً وامبراطوريات وعقائد للحرب. ويملك جهازاً إدراكياً وظيفته التعامل مع العالم، لكنه يستطيع أن ينتج أساطير وفلسفات وإيديولوجيات وعلوماً وعوالم رمزية كاملة. وهذه الظواهر لا تقع خارج البايولوجيا، لكنها لا تُختزل فيها أيضاً. وهنا تحديداً يقع موضوع الميتابايولوجيا. فهي لا تسأل: كيف تطور الإنسان؟ فحسب، بل تسأل: ماذا حدث عندما تجاوزت نتائج التطور حدود الوظائف التي يستطيع التفسير التطوري التقليدي أن يردها مباشرة إلى البقاء والتناسل؟. كما وأن الميتابايولوجيا لا تسأل: كيف يعمل الدماغ؟ فحسب، بل: كيف استطاع هذا الدماغ أن ينتج عالَماً رمزياً أصبح قادراً على إعادة صياغة وتشكيل وبناء صاحبه؟. ولا تسأل: لماذا ظهرت الحضارة؟ فحسب، بل: ما التحول الذي جعل كائناً بايولوجياً قادراً على بناء حضارة أصلاً؟
وبهذا المعنى، لا تكون الميتابايولوجيا علماً إضافياً يوضع إلى جانب العلوم القائمة، بقدر ما تكون فضاءً معرفياً عند نقاط تقاطعها. فالميتابايولوجيا تبدأ حيث تلتقي البايولوجيا بعلم النفس، وحيث يلتقي علم الأعصاب بالأنثروبولوجيا، وحيث تتقاطع نظرية التطور مع سوسيولوجيا الدين، وحيث يصبح السؤال عن الإنسان سؤالاً لا يمكن لأي تخصص أن يحتكره وحده.
ولعل نظرية الانعطافة التطورية الأولى تقدم نموذجاً واضحاً لهذا النوع من الأسئلة. فهي تفترض أن حدثاً مفصلياً قد وقع في التاريخ التطوري للإنسان، وأن هذا الحدث أفضى إلى ثلاثة فوائض مترابطة: فائض التمثّل، وفائض العدوان، وفائض الجنس. والمقصود بالفائض هنا ليس مجرد زيادة كمية في وظائف موجودة سابقاً، بل انتقالها إلى نطاق يتجاوز الضرورة البايولوجية المباشرة. فالتمثّل لا يعود مجرد قدرة على إدراك البيئة، بل يصبح إنتاجاً مستمراً للصور والتأويلات والرموز والعوالم الممكنة. والعدوان لا يعود استجابة لخطر أو منافسة مباشرة، بل يصبح قابلاً للتنظيم والتراكم والتبرير العقائدي والمؤسسي. والجنس لا يبقى مرتبطاً حصراً بمنطق التناسل والانجاب، بل يدخل عالماً واسعاً من الخيال والرمز والسوق والهوية.
وإذا كانت هذه الفوائض الثلاثة قد ظهرت من تحول واحد أو من منظومة تحول مترابطة، فإنها تقدم للميتابايولوجيا موضوعها المركزي: دراسة الكيفية التي يمكن بها التغير في الكائن الحي أن ينتج آثاراً تتجاوز المستوى الذي بدأ فيه.
وهذا هو الفارق بين البايولوجيا والميتابايولوجيا. فالبايولوجيا تدرس الحياة في بنيتها ووظائفها وتاريخها التطوري. أما الميتابايولوجيا فتدرس ما يحدث عندما تنتج الحياة، في كائن بعينه، خصائص تعيد تشكيل العلاقة بين الكائن ونفسه والعالم، إلى حد يصبح معه ذلك الكائن منتجاً لشروط وجوده الخاصة. فالإنسان لا يتكيف مع البيئة فحسب، بل يغيرها. ولا يستجيب للمجتمع فقط، بل يبنيه. ولا يتلقى المعنى، بل ينتجه. ولا يعيش داخل الواقع وحده، بل يصنع واقعاً رمزياً ثم يعيد تنظيم حياته وفقه.
ومن هنا يمكن للميتابايولوجيا أن تعيد طرح عدد كبير من الأسئلة التي ظلت موزعة بين التخصصات، وذلك من مثل: لماذا يحتاج الإنسان إلى المعنى؟ ولماذا يستطيع أن يعيش ويموت من أجل أفكار مجردة؟ ولماذا يعرف القلق الوجودي؟ ولماذا يبني حضارات ثم يدمرها؟ ولماذا يستطيع أن يكره نفسه؟ ولماذا ينتج الأساطير والإيديولوجيات؟ ولماذا يتجاوز حاجاته باستمرار، فيراكم ويستهلك ويقاتل ويرغب إلى ما وراء حدود الاكتفاء؟ إن كل واحد من هذه الأسئلة ينتمي، في صورته التقليدية، إلى حقل معرفي مختلف. ولكن الميتابايولوجيا تسأل عما إذا كانت هذه الظواهر، على تباعدها الظاهري، قد تكون فروعاً لشجرة واحدة.
وهنا تكمن قدرتها التفسيرية المحتملة.
فالعلوم الحديثة حققت تقدماً هائلاً من خلال التخصص، لكنها دفعت في مقابل ذلك ثمناً معرفياً يتمثل في تجزئة الإنسان. فلقد أصبح الإنسان، تبعاً للحقل الذي يدرسه، جينات عند عالِم الوراثة، ودماغاً عند عالِم الأعصاب، ونفساً عند عالِم النفس، وثقافة عند عالِم الأنثروبولوجيا، وفاعلاً اجتماعياً عند عالِم الاجتماع، وكائناً رمزياً عند الفيلسوف. ولكن الإنسان نفسه لا يعيش مجزأً بهذه الصورة. فالجين والدماغ والنفس والثقافة والمجتمع والدين والحضارة تتفاعل داخله في اللحظة نفسها. ومن ثم فإن فهم الظاهرة الإنسانية قد يحتاج، إلى جانب التخصصات الضرورية، إلى مستوى آخر يعيد وصل ما فصلته ضرورات البحث.
والميتابايولوجيا، بهذا المعنى، لا تنافس العلوم القائمة، بل تحتاج إليها جميعاً. فهي لا تستطيع أن تبني فرضياتها من دون البايولوجيا التطورية، ولا أن تبحث في العقل من دون علم الأعصاب، ولا أن تدرس السلوك من دون علم النفس، ولا أن تفهم الحضارة من دون الأنثروبولوجيا والسوسيولوجيا، ولا أن تحلل المعرفة من دون الإبستمولوجيا. فالميتابايولوجيا ليست بديلاً عن هذه العلوم، بل هي محاولة لبناء مساحة مشتركة بينها حول السؤال الذي يجمعها جميعاً: ما هو الإنسان؟
ولعل “الإنسان الذي لم يوجد قط” يمثل أحد أوائل النماذج المنهجية التي يمكن أن تعمل داخل هذا الحقل. فمن خلال بناء نموذج افتراضي للإنسان الذي كان يمكن أن يظهر لو لم تقع الانعطافة التطورية الأولى، يصبح من الممكن مقارنة الإنسان الفعلي بإنسان بديل، ثم دراسة مقدار ما أحدثه التحول المفترض في الجسد والعقل والنفس والمجتمع. وهنا يصبح الاحتمال نفسه أداة ميتابايولوجية.
فالميتابايولوجيا لا تدرس الكائن الذي وجد فحسب، بل يمكنها أن تدرس فضاء الإمكانات التي كان يمكن أن تنتجه. ولا تكتفي بتاريخ الحياة الفعلي، بل تستعين بالنماذج المضادة للواقع لكي تفهم لماذا اتخذ التاريخ المسار الذي اتخذه.
ومن هنا يبرز الدور المحتمل للذكاء الاصطناعي. فالحقل الذي يعتمد على دمج معطيات قادمة من تخصصات كثيرة، وعلى بناء نماذج افتراضية معقدة، وعلى اختبار علاقات لا يستطيع تخصص منفرد أن يحيط بها، يجد في الذكاء الاصطناعي أداة غير مسبوقة. إذ يمكن، من حيث المبدأ، بناء نماذج تجمع المعطيات الوراثية والعصبية والسلوكية والأنثروبولوجية والنفسية، ثم اختبار سيناريوهات متعددة لتطور الظاهرة الإنسانية.
وهذا لا يجعل الذكاء الاصطناعي حكماً على صحة النظرية، ولا يحول النموذج إلى حقيقة لمجرد اتساقه. لكنه يمنح البحث أداة جديدة لاستكشاف فرضيات كان من الصعب، قبل ذلك، حتى تصورها في صورة قابلة للمقارنة المنظمة. ومع ذلك، فإن ميلاد حقل معرفي جديد لا يتحقق بمجرد إطلاق اسم عليه. فالميتابايولوجيا لن تصبح علماً لأنها سُمّيت كذلك، وإنما إذا استطاعت أن تحدد موضوعها، وتصوغ مفاهيمها، وتطور مناهجها، وتنتج فرضيات قابلة للنقد والاختبار، وتقدم قدرة تفسيرية لا توفرها المقاربات المجزأة بالدرجة نفسها.
ولهذا فإن السؤال عن ميلاد الميتابايولوجيا يجب أن يبقى سؤالاً مفتوحاً، لا إعلاناً نهائياً. لكن مجرد ظهور الحاجة إلى هذا السؤال قد يكون ذا دلالة كبيرة. فالتخصصات الجديدة لا تولد عادة لأن أحداً قرر اختراعها، بل لأن المشكلات الجديدة تصبح أكبر من الحدود القديمة.
ولعل الظاهرة الإنسانية قد بلغت هذه اللحظة. فإذا كان الإنسان قد نشأ من الحياة، ثم أصبح قادراً على إعادة تشكيل الحياة والعالم ونفسه؛ وإذا كان تحوله البايولوجي قد أنتج آثاراً نفسية واجتماعية ورمزية وحضارية لا يمكن فهمها منفصلة عن بعضها؛ وإذا كانت الفوائض الثلاثة قادرة على تقديم خيط تفسيري يمر عبر هذه المستويات جميعاً، فإننا قد نكون بالفعل أمام موضوع معرفي لم يعد ينتمي كاملاً إلى أي علم قائم.
وعندئذ تصبح الميتابايولوجيا أكثر من مجرد اسم؛ فهي محاولة لإعادة توحيد الإنسان بعد أن جزأته التخصصات؛ ومحاولة لفهم اللحظة التي تجاوزت فيها نتائج الحياة حدود التفسير البايولوجي المباشر من دون أن تتوقف عن كونها جزءاً من تاريخ الحياة؛ ومحاولة لبناء علم لا يسأل كيف أصبح الإنسان ما هو عليه فحسب، بل ماذا حدث للحياة نفسها عندما أنتجت كائناً أصبح قادراً على أن يقف أمامها، وأن يتأملها، وأن يعيد تفسيرها، وأن يتدخل في مسارها. وربما يكون هذا هو السؤال المؤسس للميتابايولوجيا كلها:
ماذا يحدث عندما تنتج البايولوجيا كائناً لا يعود ممكناً فهمه بالبايولوجيا وحدها؟
