
من بين جميع الحقول التي أنشأتها الفلسفة الحديثة لتفسير علاقة الإنسان بالعالم، لا يكاد يوجد حقل معرفي خُصص للإجابة عن سؤال بالغ الخطورة: ماذا ينبغي للعقل أن يفعل إذا واجه ظاهرةً استثنائية تتجاوز جميع نماذجه التفسيرية السائدة؟ فلقد اعتادت نظرية المعرفة، منذ قرون طويلة، أن تتعامل مع هذا السؤال بطريقة غير مباشرة، وذلك من خلال افتراض أن العالم الذي نعيش فيه قد أصبح، من حيث المبدأ، مكشوف البنية، وأن ما بقي مجهولاً فيه ليس إلا تفاصيل لم يكتمل اكتشافها بعد. وبهذا المعنى، لم تكن الإبستمولوجيا المعاصرة بحاجة إلى بناء نظرية مستقلة للتعامل مع الظواهر الخارقة؛ لأنها افترضت سلفاً أن كل ما يبدو خارقاً اليوم سينتهي، عاجلاً أم آجلاً، إلى أن يُفسَّر ضمن القوانين الطبيعية المعروفة، أو سيُكتشف أنه لم يكن سوى وهم إدراكي أو خطأ في الملاحظة أو خداع متقن. غير أن هذا الموقف، على الرغم من نجاحه في كثير من الميادين، لم يكن في حقيقته نتيجة برهان فلسفي قاطع، وإنما كان اختياراً منهجياً فرضته الخبرة العلمية في مرحلة تاريخية معينة. ولذلك فإن قوته لا تستمد من كونه حقيقة نهائية، وإنما من نجاحه العملي حتى الآن.
غير أن المنهج العلمي نفسه يعلمنا أن نجاح نموذج معرفي لا يمنحه حصانة أبدية ضد المراجعة. فما من نظرية علمية كبرى بقيت بمنأى عن التصحيح أو التعديل حين ظهرت معطيات جديدة لم تستطع استيعابها. ومن هنا فإن الوفاء الحقيقي للمنهج العلمي لا يكون بالتشبث بمسلماته، وإنما باستعداده الدائم لمراجعة تلك المسلمات إذا اقتضى الدليل ذلك.
وهنا يبرز سؤال جديد لم يُطرح بالجدية الكافية: ماذا لو ظهرت في المستقبل ظواهر لا يكفي لتفسيرها مجرد توسيع الفيزياء أو الكيمياء أو علم الأحياء؟ وماذا لو كان تفسيرها يقتضي مراجعة الافتراضات التي قامت عليها نظرية المعرفة نفسها؟ إن هذا السؤال لا يفترض أن تلك الظواهر موجودة بالفعل، كما لا يدعو إلى التسليم بأي ادعاء خارق، وإنما يلفت الانتباه إلى فراغ إبستمولوجي حقيقي. فنحن نمتلك فلسفات للعلم، ونظريات للإدراك، ومناهج للبحث، ومعايير للبرهان، ولكننا لا نمتلك إطاراً معرفياً متكاملاً يحدد كيف ينبغي للعقل أن يتصرف إذا واجه ظاهرةً استثنائية بلغت من قوة الدليل ما يجعل إنكارها أكثر صعوبة من قبولها. وهذا الفراغ هو الذي تدعو هذه السلسلة من المقالات التأسيسية إلى معالجته.
إن المقصود بإبستمولوجيا الخوارق ليس الدفاع عن الخوارق، ولا إعادة إنتاج الأدبيات التي تستبدل البرهان بالإيمان، أو تجعل كل مجهول معجزة، وإنما إنشاء نظرية للمعرفة تحدد القواعد المنهجية التي ينبغي اتباعها عند دراسة أي ظاهرة استثنائية، بحيث لا يُرفض الادعاء لأنه غير مألوف، ولا يُقبل لأنه يثير الدهشة، وإنما يخضع للمعايير نفسها من الدقة، والاتساق، وقابلية الفحص، وإمكان المراجعة.
إن ما يميز هذا الحقل المقترح هو أنه ينقل مركز الاهتمام من الظاهرة إلى العقل الذي يواجهها. فالسؤال المركزي لن يكون: هل هذه الظاهرة خارقة؟ بل: هل يمتلك عقلنا الحالي الأدوات الكافية للحكم عليها؟ وهل رفضنا لها نابع من ضعف أدلتها، أم من ضيق النموذج المعرفي الذي نحاكمها استناداً إليه؟
ولعل أكثر ما تحتاج إليه المعرفة الإنسانية اليوم هو هذا النوع من التواضع الإبستمولوجي؛ ذلك التواضع الذي يعترف بأن تاريخ العلم لم يكن تاريخ تراكم الاكتشافات فحسب، بل كان أيضاً تاريخاً متصلاً من اكتشاف حدود العقل نفسه. فكل مرحلة من مراحل التقدم العلمي لم تكشف لنا العالم وحده، وإنما كشفت لنا أيضاً أن كثيراً مما كنا نظنه بديهياً لم يكن سوى افتراض مؤقت فرضته حدود معرفتنا في ذلك الزمن.
ولهذا فإن إبستمولوجيا الخوارق ليست علماً للخوارق، وإنما هي علم بحدود المعرفة الإنسانية عندما تقف أمام ما لم تعتد مواجهته. إنها ليست محاولة لتوسيع مساحة التصديق، وإنما هي دعوة لتوسيع مساحة التفكير. كما أنها ليست دعوة إلى هدم المنهج العلمي، وإنما هي دعوة إلى تحريره من أي افتراض غير مبرهن عليه قد يمنعه، في المستقبل، من استقبال حقيقة جديدة إذا فرضت نفسها بالدليل القاطع.
ومن هنا، فإن هذه الإبستمولوجيا لا تبدأ بالخارق، وإنما تبدأ بالعقل؛ لأنها تدرك أن أعظم العوائق أمام المعرفة لم تكن دائماً في العالم الخارجي، بل هي كثيراً ما كانت كامنة في الكيفية التي تصور بها الإنسان ذلك العالم. وإذا كان تاريخ العلم قد علمنا شيئاً، فهو أن أخطر المسلمات هي ليست تلك التي ثبتت صحتها، بل تلك التي لم نفكر يوماً في إخضاعها للاختبار.
وهذا هو المشروع الذي تسعى هذه السلسلة من المقالات إلى تدشينه: تأسيس نظرية معرفية تستعد للمستقبل قبل أن يفرض المستقبل نفسه عليها، وتضع للعقل الإنساني قواعد جديدة للتعامل مع كل ما قد يتجاوز حدوده الراهنة، دون أن يتخلى عن صرامته المنهجية، ودون أن يفقد شجاعته في مراجعة ذاته.
