
من بين أكثر الأخطاء المعرفية حضوراً في التاريخ البشري ذلك الخطأ الذي يجعل الإنسان يعتقد أن ما شاهده مرة أو مرتين، أو ما وقع أمامه في ظرف استثنائي، يكفي لكي يصبح قانوناً عاماً يفسر البشر جميعاً. ولعل هذا الخطأ لا يمثل مجرد ضعف في الاستدلال المنطقي، وإنما يكشف عن إحدى أكثر الآليات رسوخاً في النفس الإنسانية، وهي الآلية التي يدفع إليها فائض التمثل؛ إذ لا يكتفي هذا الفائض بنقل الإنسان من الواقع إلى التمثلات، بل يحمله أيضاً على تحويل المشاهدات المحدودة إلى حقائق كلية، والاستثناءات إلى قواعد، والحوادث المتفرقة إلى أنماط يعتقد أنها تحكم العالم كله. ولهذا السبب أقترح أن نطلق على هذه الآلية اسم “متلازمة شهريار”، استلهاماً من الشخصية الشهيرة في كتاب ألف ليلة وليلة. فشهريار لم يكن كاذباً حين اكتشف خيانة زوجته، ولم يكن واهمًا في أصل الواقعة، وإنما وقع خطؤه الحقيقي في الخطوة التالية مباشرة؛ إذ انتقل من حادثة فردية إلى حكم كلي، ومن امرأة واحدة خانته إلى النساء جميعاً، حتى انتهى إلى الاقتناع بأن الخيانة طبيعة ملازمة لكل امرأة، وأن الوسيلة الوحيدة لتجنبها هي قتل كل زوجة مع بزوغ الفجر بعد ليلة واحدة من الزواج.
وهكذا لم تكن الجريمة التي ارتكبها شهريار وليدة الخيانة نفسها، وإنما كانت وليدة التعميم الذي أعقبها. فالخيانة كانت حادثة جزئية، أما القتل الجماعي فكان نتيجة مباشرة لتحويل تلك الحادثة إلى قانون يحكم نصف البشرية بأسره.
ومن هنا يمكن تعريف متلازمة شهريار بأنها الحالة التي يقوم فيها الإنسان، امتثالاً لما يمليه عليه فائض التمثل، بتجميع ملاحظات عابرة، ومشاهدات متفرقة، وتجارب متباعدة لا يجمع بينها رابط موضوعي، ثم يصوغ منها نمطاً عاماً يتوهم أنه حقيقة ثابتة تصح في كل زمان ومكان، مع أن الأدلة التي استند إليها لا تكفي، من الناحية المنهجية، لإثبات ذلك الحكم الكلي.
فالعقل العلمي يسير في الاتجاه المعاكس تماماً. فهو لا يسمح بتحويل الوقائع الجزئية إلى قوانين عامة إلا بعد تحقق شروط صارمة من التكرار، والضبط، والاستقلال، واستبعاد التفسيرات البديلة. أما فائض التمثل فلا ينتظر شيئاً من ذلك؛ إذ يكفيه أن يشعر الإنسان بقوة التجربة وانفعالها حتى يخلع عليها صفة الكلية، وكأن العالم كله أصبح نسخة مكررة مما وقع له هو شخصياً.
ولعل أخطر ما في متلازمة شهريار أنها لا تبقى مجرد خطأ معرفي، بل تتحول بسهولة إلى مصدر للتمييز والكراهية والاضطهاد والعنف. فالإنسان الذي يتعرض للخداع من شخص واحد قد يخلص إلى أن الناس جميعاً مخادعون. والذي يسيء إليه فرد من جماعة معينة قد يقتنع بأن هذه الجماعة كلها شريرة. والذي يلتقي بطبيب غير كفء قد يعلن أن الأطباء جميعاً لا يستحقون الثقة. وهكذا تتضخم الأحكام حتى تفقد أي صلة بالواقع، بينما يظل صاحبها مقتنعاً بأنه يتحدث عن حقائق لا تقبل النقاش. وليس تاريخ الإنسان إلا سلسلة طويلة من الأمثلة التي تجسد هذه المتلازمة. فكم من شعوب تعرضت للاضطهاد لأن أفراداً منها ارتكبوا جرائم! وكم من أقليات دُفعت إلى هامش المجتمع لأن بعض المنتسبين إليها أخطأوا! وكم من حروب اندلعت لأن جماعة بأكملها حُمِّلت مسؤولية أفعال قلة منها! وفي كل هذه الحالات كان الإنسان يكرر، من حيث لا يشعر، المنطق نفسه الذي حكم تصرف شهريار.
ومن أوضح الأمثلة المعاصرة على متلازمة شهريار ما يظهر أحياناً في ردود أفعال بعض المجتمعات الغربية تجاه الإسلام والمسلمين. فحين يرتكب أفراد أو جماعات تزعم انتماءها إلى الإسلام أعمالاً إرهابية أو ممارسات متوحشة، يسارع بعض الناس إلى اعتبار تلك الأفعال دليلاً على أن الإسلام نفسه يأمر بها، وأن المسلمين جميعاً يحملون الميل ذاته، أو أنهم مشاريع إرهابيين مؤجلين. غير أن هذا الاستنتاج لا يختلف، من حيث بنيته المنطقية، عن استنتاج شهريار. فكما لم تكن خيانة امرأة واحدة دليلاً “حاسماً” على أن النساء جميعاً خائنات، فإن جرائم أفراد أو جماعات لا يمكن أن تكون دليلاً على أن ديناً كاملاً يأمر بها، ولا على أن أكثر من مليار مسلم يمثلون نسخة واحدة من أولئك المجرمين. بل أن الإنصاف العلمي يقتضي التمييز بين النص الإلهي ومن يسيء فهمه، وبين المبدأ ومن ينتهكه، وبين الدين كما هو في مصادره، والسلوك الذي قد يصدر عن أشخاص ينتسبون إليه اسماً ولا يلتزمون به فعلاً. وإذا انتفى هذا التمييز، فإن الإنسان يكون قد استبدل البحث العلمي بالتعميم الانفعالي، واستبدل البرهان بالانطباع.
ومن هنا فإن المسؤولية الأخلاقية والقانونية يجب أن تبقى مسؤولية فردية، وليست جماعية. فلا يجوز أن يُدان إنسان بسبب جريمة لم يرتكبها، ولا أن تُدان أمة أو حضارة أو عقيدة بأكملها بسبب أفعال قلة من المنتسبين إليها. فالأفعال لا تُنسب إلا إلى أصحابها، والجرائم لا تتعدى مرتكبيها، وإلا أصبح العالم كله أسيراً لمنطق شهريار.
إن متلازمة شهريار تكشف مرة أخرى أن فائض التمثل لا يكتفي بصناعة الأوهام، وإنما يصنع أيضاً أخطر أنواع الظلم؛ لأنه يحول الإنسان من باحث عن الحقيقة إلى صانع لأحكام كلية لا تستند إلا إلى شواهد مبتورة، ثم يدفعه إلى الدفاع عنها كما لو كانت حقائق يقينية.
ولعل الدرس الذي تقدمه لنا شهرزاد لا يقل دلالة عن الدرس الذي يقدمه شهريار نفسه. فهي لم تهزم سيفه بالقوة، وإنما هزمت منطقه بالحكاية، وأجبرته، ليلة بعد أخرى، على أن يعيد النظر في ذلك التعميم الذي كاد يحكم على نصف البشرية بالإعدام. وكأن ألف ليلة وليلة كانت، قبل قرون عديدة، تروي قصة الصراع الأزلي بين العقل الذي يعمم بلا برهان، والعقل الذي لا يقبل أن تتحول الحوادث الفردية إلى قوانين كونية.
وهكذا فإن متلازمة شهريار ليست حكاية من التراث، وإنما هي مرض معرفي لا يزال يعيش بيننا حتى اليوم، ويتجلى في السياسة، والإعلام، والعلاقات الاجتماعية، بل وحتى في أبسط أحكامنا اليومية. وما لم يتحرر الإنسان من سلطان فائض التمثل، فسوف يظل يرى العالم بعيني شهريار، لا بعين الباحث الذي يميز بين الواقعة والاستنتاج، وبين الاستثناء والقاعدة، وبين الانطباع والحقيقة.
