
من بين أكثر المفاهيم رسوخاً في الطب النفسي المعاصر مفهوم “الصحة النفسية”. فهذا المفهوم يبدو، للوهلة الأولى، بديهياً إلى حد يصعب معه تصور إمكانية مساءلته. فالطب النفسي، شأنه شأن بقية فروع الطب، يفترض أن هناك حالة طبيعية سليمة تمثل المرجع الذي تُقاس إليه حالات الاعتلال المختلفة. وكما يميز الطب العضوي بين الجسم السليم والجسم المريض، يميز الطب النفسي بين النفس السوية والنفس المضطربة، غير أن هذا القياس قد يكون مضللاً منذ بدايته. فما يصلح للجسم البشري لا يصلح بالضرورة للنفس الانسانية، لأن الجسم والنفس لا يخضعان للتاريخ التطوري نفسه، ولا للآليات ذاتها. فإذا كانت نظرية الانعطافة التطورية الأولى صحيحة، فإن النفس الإنسانية لم تتشكل بوصفها امتداداً بسيطاً للحياة الحيوانية، وإنما بوصفها نتاج تحول مفصلي أوجد بُنية جديدة لم تعرفها أي صورة أخرى من صور الحياة البايولوجية. وهذه البُنية هي التي جعلت الإنسان يعيش في عالم التمثلات بقدر ما يعيش في عالم الوقائع.
ومن هنا يصبح السؤال ضرورياً: هل توجد، أصلاً، نفس بشرية خالية من آثار هذا التحول؟
إن كل إنسان، مهما بدا متزناً، يحمل في داخله شيئاً من القلق، وشيئاً من الوجل، وشيئاً من الحزن، وشيئاً من الطموح الذي لا يهدأ، وشيئاً من الإحساس بالنقص، وشيئاً من الصراع بين ما هو كائن وما ينبغي أن يكون. وهو يتأثر بكلمات الآخرين، ويخاف أحكامهم، ويعيد تمثل الماضي، ويقلق بشأن المستقبل، ويعيش أحياناً في أوهام صنعها بنفسه، ثم يتصرف على أساسها كما لو أنها كانت حقائق.
فإذا كانت هذه الظواهر عامة إلى هذا الحد، فما الذي يجعلنا نعد بعضها مرضاً وبعضها الآخر صحة؟
قد يكون الجواب التقليدي هو أن الصحة تتمثل في غياب الأعراض، لكن هذه الإجابة تواجه معضلة واضحة مفادها “أين هو الإنسان الذي غابت عنه هذه الأعراض كلها؟ وهل يستطيع أحد أن يقدم مثالاً واقعياً لإنسان عاش عمره من غير قلق، ولا خوف، ولا وساوس، ولا صراعات داخلية، ولا أحكام متسرعة، ولا انفعالات خارجة عن السيطرة؟”.
إن غياب مثل هذا المثال يفرض احتمالاً مختلفاً: إن ما نسميه “الصحة النفسية” ليس حالة طبيعية موجودة فعلاً، وإنما هي نموذج نظري جرى بناؤه بالمقارنة مع الحالات الأشد اضطراباً. وكما أن الإنسان الذي يبلغ متوسط الطول لا يمثل طولاً مثالياً، وإنما يمثل متوسطاً إحصائياً، فقد يكون الإنسان “السوي نفسياً” مجرد متوسط إحصائي لدرجات الاعتلال النفسي الموجودة عند الجميع.
ولو صح هذا الاحتمال، فإن كثيراً من مفاهيم الطب النفسي ستحتاج إلى إعادة نظر. فلن يعود التشخيص عملية تمييز بين السليم والمريض، وإنما عملية تحديد لموضع الإنسان على متصل واسع يبدأ بدرجات خفيفة جداً من المعاناة النفسية، ويمتد إلى أشد صور الاضطراب تعقيداً. وسيكون الانتقال من طرف هذا المتصل إلى طرفه الآخر انتقالاً في الدرجة، لا في النوع. ولا يعني ذلك أن جميع البشر يعانون القدر نفسه من الاضطراب، ولا أن كل معاناة تستوجب علاجاً. فالفرق بين من يراجع الطبيب النفسي ومن لا يراجعه هو فرق حقيقي من حيث الشدة، والأثر في الحياة اليومية، والقدرة على التكيف. لكنه ليس فرقاً بين وجود الاعتلال وعدمه، وإنما فرق بين درجاته وتجلياته المختلفة.
إن هذا المنظور ينسجم مع ما نراه في حياتنا اليومية. فكم من إنسان يبدو ناجحاً، ومتزناً، ومحبوباً، لكنه يعيش صراعاً داخلياً لا يقل قسوة عن صراع من يتلقى العلاج النفسي. وكم من آخر لا يطلب المساعدة إلا لأن وصمة المرض النفسي لا تزال تمنعه من الاعتراف بما يعانيه. بل أن كثيراً من البشر لا يكتشفون حجم اضطراباتهم إلا حين تتغير ظروف حياتهم أو يتعرضون لأزمة تكشف ما كان مستتراً في أعماقهم.
ومن هنا، فإن الصحة النفسية، إذا أريد لها أن تكون مفهوماً علمياً، لا ينبغي أن تُعرَّف بوصفها غياباً كاملاً للاعتلال، لأن هذا الغياب قد لا يكون موجوداً أصلاً في الجنس البشري. وإنما ينبغي أن تُعرَّف بوصفها قدرة نسبية على التكيف مع البنية النفسية التي أوجدتها الانعطافة التطورية الأولى، والحد من آثارها السلبية، والمحافظة على قدر كافٍ من الاتزان يسمح للإنسان بأن يعيش حياة منتجة ومتوازنة.
وعلى هذا الأساس، فإن الطب النفسي لن يكون علماً يبحث عن طريق إعادة الإنسان إلى حالة لم يعرفها قط، بل علماً يساعد الإنسان على إدارة حالته الوجودية بأفضل صورة ممكنة. فهو لا يعيد النفس إلى براءة لم تعد موجودة، وإنما يخفف من ثقل الإرث التطوري الذي أصبح جزءاً من تكوينها.
ولعل هذا هو التحول الأكبر الذي قد يشهده علم النفس والطب النفسي في المستقبل. فبدلاً من البحث عن الإنسان السوي بوصفه معياراً سابقاً على المرض، سيبدأ البحث عن الإنسان كما هو بالفعل: كائناً يحمل في داخله قابلية دائمة للقلق، والخوف، والوهم، والصراع، وسائر الظواهر التي رافقت ميلاد الوعي الإنساني نفسه. وعندئذ لن تكون الصحة النفسية اسماً لحالة مثالية نادرة أو متخيلة، بل اسماً لنجاح الإنسان في التعايش مع “إنسانيته”، لا في التخلص منها. أما الاعتلال النفسي فلن يغدو استثناءً يقتصر على قلة من الناس، بل وجهاً من وجوه الطبيعة البشرية التي تشكلت منذ اللحظة التي غادر فيها الإنسان عالم الحيوان، ودخل، بثمن باهظ، عالم التمثّل والوعي والذات.
