الإنسان والحيوان… أيُّ الجهازين البايولوجيين أقرب إلى الكمال؟

من بين أكثر الافتراضات رسوخاً في الوعي المعاصر ذلك الافتراض الذي يرى أن الإنسان يمثل ذروة التطور البايولوجي، وأن كل ما يميزه عن سائر الكائنات البايولوجية إنما يدل على أنه أكثر اكتمالاً وأعلى كفاءةً منها. ولقد أصبح هذا التصور من المسلمات التي نادراً ما تُراجع، حتى غدا مجرد التشكيك فيه يبدو، لدى كثيرين، خروجاً على ما استقر عليه العلم. غير أن هذا التصور ينطوي على افتراض سابق قلما يُناقش، وهو أن ازدياد التعقيد يعني بالضرورة ازدياد الكمال، وأن الكائن الأكثر تعقيداً لا بد أن يكون هو الأفضل أداءً بوصفه جهازاً حيوياً.
غير أن السؤال الذي يستحق أن يُطرح هنا هو: هل ينبغي أن يُقاس اكتمال أي جهاز بايولوجي بمقدار ما يمتلكه من القدرات الإضافية، أم بمقدار نجاحه في أداء الوظائف التي وجد من أجلها؟ وهل الكمال البايولوجي يعني كثرة الإمكانات، أم يعني الانسجام الداخلي، والاستقرار التشغيلي، والقدرة على العمل بأعلى درجات الكفاءة، مع أقل قدر ممكن من الأعطال والاختلالات؟ فإذا كان المعيار هو الأداء الوظيفي، فإن المقارنة بين الإنسان والحيوان قد تقود إلى نتيجة مغايرة تماماً لما اعتدناه. فكل جهاز بايولوجي يمكن تقييمه من خلال مجموعة من المعايير الموضوعية. أولها كفاءته في أداء الوظائف الأساسية التي تحفظ بقاء الفرد والنوع. وثانيها مقدار استقراره تحت تأثير الضغوط الخارجية والداخلية. وثالثها حجم الأعطال التشغيلية التي يتعرض لها أثناء عمله. ورابعها درجة الانسجام بين مختلف مكوناته. وخامسها مدى توافق الفرد مع المتطلبات التي يفرضها عليه النوع الذي ينتمي إليه. وكلما ارتفعت هذه المؤشرات، أمكن القول إن الجهاز يقترب أكثر من حالة الكمال الوظيفي.
وعندما ننظر إلى الحيوان من هذا المنظور، نجد أننا أمام جهاز بايولوجي يكاد يبلغ درجة مدهشة من الاكتمال. فهو يولد مزوداً بمنظومة إدراكية وانفعالية وسلوكية تحقق أعلى درجات الانسجام بين حاجاته، واستجاباته، وبيئته الطبيعية. وما أن يواجه خطراً حتى تتحرك منظومته الدفاعية بكفاءة تكاد تكون مثالية؛ فإذا زال الخطر، عاد جهازه العصبي والهرموني تدريجياً إلى حالة الاتزان، دون أن يحمل معه أعباء ذلك الحدث زمناً طويلاً، ودون أن يتحول الخوف العابر إلى قلق دائم، أو تتحول التجربة المؤلمة إلى سجن نفسي يمتد سنوات أو عقوداً. ولا يقتصر الأمر على الاستجابة للضغوط الخارجية، بل يمتد أيضاً إلى الضغوط الداخلية. فالحيوان لا يدخل، في الغالب، في صراعات نفسية طويلة مع ذاته، ولا يعيش انقسامات مزمنة بين ما يريد وما ينبغي أن يريد، ولا ينهكه الشعور بالذنب، أو الندم الممتد، أو القلق الوجودي، أو الخوف من المستقبل، أو اجترار الماضي. ولهذا يبقى جهازه الحيوي محافظاً على درجة عالية من الاتزان التشغيلي، فلا تُستهلك طاقاته في صراعات داخلية لا تخدم بقاءه.
كما أن الأعطال التشغيلية التي تصيب الجهاز البايولوجي للحيوان، إذا استثنينا الأمراض والإصابات العضوية، تبدو محدودة للغاية مقارنة بما نجده عند الإنسان. فهو لا يصاب بانهيارات نفسية تعطل أداءه الاجتماعي سنوات طويلة، ولا يدخل في دوائر معقدة من الوساوس، أو الاكتئاب الوجودي، أو اضطرابات الهوية، أو الصراعات الفكرية التي قد تشل قدرته على ممارسة أبسط وظائفه الحيوية. والأهم من ذلك كله أن العلاقة بين الفرد والنوع تكاد تبلغ، في عالم الحيوان، درجة كاملة من الانسجام. فالفرد يؤدي الوظائف التي تقتضيها مصلحة النوع دون أن يعيش حالة تمرد دائم عليها. وغرائزه، ودوافعه، وسلوكه، جميعها تعمل ضمن منظومة متناسقة تجعل مصلحة الفرد ومصلحة النوع متداخلتين إلى حد بعيد. ولذلك لا يحتاج النوع الحيواني إلى مؤسسات هائلة لتقويم أفراده، ولا إلى منظومات تربوية وأخلاقية وقانونية معقدة حتى يدفعهم إلى القيام بما خُلقوا له.
أما الإنسان، فإن الصورة تختلف اختلافاً جذرياً. فمن الناحية البايولوجية البحتة، لا يبدو الجهاز البشري أكثر استقراراً، بل يبدو، في كثير من الجوانب، أكثر عرضة للاختلال. إذ يكفي أحياناً حدث نفسي، أو كلمة، أو ذكرى، أو توقع، أو فكرة، حتى يدخل هذا الجهاز في سلسلة طويلة من الاضطرابات الهرمونية والعصبية والانفعالية، قد تمتد أياماً أو سنوات، وربما ترافق صاحبها طوال حياته. وكثيراً ما يصبح مصدر الخطر الحقيقي ليس البيئة الخارجية، بل الجهاز نفسه، بما يحمله من تمثلات، وتأويلات، وصراعات داخلية لا تنتهي. ولذلك نجد الإنسان يعيش تحت تأثير حالات لا يكاد الحيوان يعرفها إلا في أضيق الحدود، كالقلق المزمن، والحسد، والحقد، والكراهية الممتدة، والشعور بالعبث، والخوف من المستقبل، وتأنيب الضمير، وصراع القيم، والانقسام بين الرغبة والواجب، والاغتراب عن الذات، والاغتراب عن المجتمع، بل وحتى الاغتراب عن الطبيعة نفسها. وكل واحدة من هذه الحالات تمثل عبئاً تشغيلياً يستهلك جزءاً من الطاقة الحيوية للجهاز البشري. كما أن العلاقة بين الفرد والنوع في عالم الإنسان تبدو، في كثير من الأحيان، علاقة متوترة لا علاقة انسجام. فالإنسان لا يتوقف عن مقاومة المعايير التي يفرضها عليه مجتمعه، ولا يتوقف المجتمع عن محاولة إعادة تشكيل الإنسان. وينشأ عن هذا التوتر المستمر قدر هائل من الصراعات الفكرية، والسياسية، والأخلاقية، والنفسية، وهي صراعات تكاد تكون غائبة عن عالم الحيوان.
ومن هنا يغدو السؤال مختلفاً تماماً عما اعتدناه. فبدلاً من أن نسأل: أي الكائنين البيولوجيين أكثر تعقيداً من الآخر؟ ربما ينبغي أن نسأل: أي الجهازين أكثر نجاحاً في أداء الوظائف التي وجد من أجلها؟ وعندئذ قد نجد أنفسنا أمام مفارقة كبرى؛ فالحيوان، بوصفه جهازاً بايولوجياً، يبدو أقرب بكثير إلى الكمال التشغيلي من الإنسان. فهو أكثر استقراراً، وأقل تعرضاً للأعطال النفسية، وأكثر قدرة على المحافظة على اتزانه الداخلي، وأعلى انسجاماً مع بيئته، وأكثر توافقاً مع متطلبات نوعه، وأقدر على أداء الوظائف التي تقتضيها حياته الطبيعية دون أن يستهلك نفسه في صراعات داخلية لا نهاية لها. أما الإنسان، فعلى الرغم من امتلاكه قدرات معرفية ورمزية غير مسبوقة، فإن جهازه الحيوي أصبح أكثر هشاشة، وأكثر عرضة للاختلال، وأكثر احتياجاً إلى منظومات خارجية تحميه من نفسه قبل أن تحميه من العالم.
ولعل هذه المفارقة تفتح باباً لإعادة النظر في واحد من أكثر الافتراضات رسوخاً في الفكر المعاصر؛ إذ ربما لا يكون الإنسان هو الحيوان الذي بلغ أعلى درجات الكمال البايولوجي، ولكنه الكائن الذي دفع ثمناً باهظاً لقاء امتلاكه تلك الخصائص التي ميزته عن سائر المخلوقات. ومن هنا، فإن التمايز النوعي بين الإنسان والحيوان لا يكمن في أن أحدهما يمثل نسخة أكثر اكتمالاً من الآخر، بل في أن الحيوان ظل محتفظاً بمثالية جهازه البايولوجي وانسجامه الوظيفي، بينما أصبح الإنسان جهازاً حيوياً بالغ التعقيد، لكنه أيضاً بالغ القابلية للاختلال، وبخاصة في علاقته بذاته، وبأبناء نوعه، وبالبيئة، وبالطبيعة، قبل كل شيء.

أضف تعليق