الندم والتوبة النصوح… لماذا لا يكفي الندم؟

من بين أكثر المفاهيم التي اختلطت في الوعي الإسلامي، حتى كادت تصبح شيئًا واحدًا، مفهوم الندم ومفهوم التوبة النصوح. فما أن يقع الإنسان في معصية، ثم يشعر بالحزن والأسى على ما فعل، حتى يسارع كثيرون إلى القول إنه قد تاب، أو أن هذا الندم وحده كفيل بأن يمنعه من العودة إلى الذنب مرة أخرى. حتى غدا من المسلمات الشائعة أن الإنسان إذا ندم بصدق، فلن يكرر خطأه. غير أن هذا التصور، على شيوعه، لا يجد ما يسنده لا في الواقع الإنساني، ولا في البيان القرآني. فالإنسان، في كثير من الأحيان، يندم على أفعاله، ثم لا يلبث أن يعود إليها مرة أخرى، ثم يندم ثانية، ثم يعاود القيام بها من جديد. ولو كان الندم وحده كافيًا لإحداث التحول الحقيقي، لما بقيت “المعاصي المزمنة”، ولا الإدمانات، ولا دوائر العنف الأسري، ولا الجرائم المتكررة، ولا كل تلك الأفعال التي يمارسها أصحابها وهم يعلمون، سلفًا، أنهم سيندمون عليها بعد ساعات أو أيام!
ولعل القرآن الكريم يقدم مثالًا بالغ الدلالة على ذلك في قصة ابنَي آدم. فبعد أن قتل أحدهما أخاه ظلمًا وعدوانًا، يقول الله تعالى: ﴿فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ﴾. ولم يقل القرآن إنه أصبح من التائبين، ولا إنه صار من المصلحين، ولا إنه غدا ممن استأصلوا من نفوسهم الدافع الذي قادهم إلى الجريمة، ولكن وصف حالته كما هي: ندم. وهنا تبرز دقة التعبير القرآني. فالندم لا يخبرنا إلا عن شعور الإنسان بعد وقوع الفعل، ولا يخبرنا شيئًا عن طبيعة الإنسان بعد ذلك. فقد يحزن الإنسان لأنه ارتكب ذنباً ما، لكنه يبقى محتفظًا بالغضب نفسه، والحسد نفسه، والأنانية نفسها، وحب الانتقام نفسه، فإذا اجتمعت الظروف ذاتها مرة أخرى، لم يكن ثمة ما يمنع من تكرار الذنب نفسه، أو حتى ما هو أشد منه.
وهذا ما نشاهده في الحياة اليومية على نحو متكرر. فكثير من الناس يغضب، ثم يسب، ثم يهدأ، فيندم على ما قال. لكنه إذا ثار غضبه مرة أخرى، عاد إلى السباب ذاته، ثم عاد إلى الندم ذاته. وآخر يعتدي على من يحب، ثم يبكي معتذرًا، ويقسم أنه لن يكرر فعلته، فإذا ما استبد به الغضب مرة أخرى، عاد إلى الاعتداء نفسه، ثم عاد إلى الندم نفسه. وثالث يقع في معصية يعلم سوء عاقبتها، ويخرج منها مكسور النفس، ثم لا تلبث شهوته أن تستيقظ من جديد، فيقع فيها مرة أخرى، ليبدأ مسلسل الندم من جديد! إن المشكلة، في هذه الحالات جميعًا، ليست غياب الندم، وإنما هي غياب التغيير الحقيقي في الإنسان. ولهذا لم يدعُ القرآن المؤمنين إلى مجرد الندم، وإنما قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا﴾. فإضافة وصف “نصوحًا” ليست زيادة لفظية، وإنما تشير إلى أن المطلوب ليس مجرد الشعور بالألم بعد الذنب، بل توبة تبلغ من الصدق والعمق ما يجعلها تعيد بناء الإنسان من الداخل.
فالتوبة النصوح لا تقتصر على كراهية الذنب بعد وقوعه، وإنما تبدأ بإعادة النظر في المنظومة النفسية التي أنتجته؛ إذ أنها مواجهة مع الكبر، أو الحسد، أو الغضب، أو الطمع، أو الشهوة المنفلتة، أو حب السيطرة، أو غير ذلك من الدوافع التي كانت من وراء اقتراف الذنب. فإذا بقيت هذه الدوافع على حالها، فإن الذنب سيظل قادرًا على العودة كلما تهيأت له الظروف.
ومن هنا يمكن القول إن الندم يتعلق بالفعل، أما التوبة فتتعلق بالفاعل. فالندم يقول: لقد أخطأت. أما التوبة فتقول: لا أريد أن أبقى الإنسان الذي أنتج هذا الخطأ. والندم يتألم من النتائج، أما التوبة فتبدأ بتغيير الأسباب. والندم قد يكون لحظة عاطفية عابرة، أما التوبة فهي مشروع دائم لإعادة بناء النفس.
ولذلك فإن الإنسان قد يندم عشرات المرات على الذنب نفسه، من غير أن يتقدم خطوة واحدة نحو التحرر منه، لأنه يعالج الثمرة ويترك الجذر، ويقاوم النتيجة ويغفل عن السبب. أما التوبة النصوح، فهي إعلان ثورة على ذلك الجذر نفسه، وسعي متواصل إلى اقتلاعه، حتى وإن احتاج ذلك إلى مجاهدة طويلة، ومراقبة دائمة، واستعانة مستمرة بالله تعالى.
ولعل هذا هو ما يفسر لنا لماذا يركز القرآن العظيم، في مواضع منه كثيرة، على إصلاح القلب قبل إصلاح السلوك. فالسلوك ليس إلا الثمرة الظاهرة لما يستقر في الداخل، وما لم تتغير البنية الداخلية للإنسان، فإن الأفعال ستظل تعود بأشكال مختلفة، مهما تكرر الندم بعدها.
وهكذا يتبين لنا أن الندم، على ما ينطوي عليه من عظيم قيمة، ليس نهاية الطريق، بل هو بدايته الحقيقية. فهو قد يكون الشرارة الأولى التي توقظ الضمير، لكنه لا يغني عن السير في طريق التوبة. أما التوبة النصوح، فهي انتقال الإنسان من مجرد الأسف على الماضي إلى بناء مستقبل مختلف، ومن البكاء على الذنب إلى إزالة أسبابه، ومن مقاومة الفعل إلى إصلاح النفس التي كانت تنتجه.
ولهذا لم يكن كل نادم تائبًا، بينما لا تكون التوبة النصوح إلا إذا تجاوز الإنسان الندم إلى تغيير نفسه، حتى يصبح، بإذن الله، أقل قابلية للعودة إلى الذنب كلما تكررت الظروف التي كانت تدفعه إليه. فالفارق بينهما ليس فارقًا في مقدار الألم الذي يشعر به الإنسان، ولكن في مقدار التحول الذي يحدث في كيانه؛ فالندم قد يبلل العين بالدموع، أما التوبة النصوح فهي التي تغيّر القلب، وبصلاح القلب يصلح ما وراءه من القول والعمل.

أضف تعليق