
من بين أكثر الافتراضات رسوخاً في فهم الإنسان للعدوان، ذلك الافتراض الذي يرى أن الإنسان لا يصبح عدوانياً إلا إذا وُجد من يعتدي عليه، أو يهدد مصالحه، أو يحول بينه وبين ما يريد. ووفق هذا التصور، فإن الخصم يسبق العدوان، والعدوان ليس سوى استجابة لاحقة لوجوده. وقد بدا هذا الفهم منسجماً مع كثير من الوقائع، حتى غدا أقرب إلى البديهة التي لا تحتاج إلى مراجعة. غير أن السؤال الذي قلما يُطرح هو: هل الخصم هو الذي يصنع العدوان، أم أن العدوان هو الذي يصنع الخصم؟
قد يبدو هذا السؤال غريباً لأول وهلة، لكنه يلامس أحد أكثر الجوانب غموضاً في الطبيعة الإنسانية. فلو كان العدوان مجرد استجابة لوجود عدو، لكان من المتوقع أن تنتهي الخصومة بزوال أسبابها، وأن يستقر الإنسان كلما استقرت الظروف من حوله. لكن التاريخ، كما الواقع اليومي، يقدمان صورة مختلفة تماماً. فما أكثر الأفراد الذين ينتقلون من خصومة إلى أخرى، وما أكثر الجماعات التي لا تكاد تنتهي من صراع حتى تبدأ صراعاً جديداً، وما أكثر الأمم التي، بعد أن تنتصر على أعدائها، تبدأ في البحث عن تهديدات جديدة، أو تصنعها إن لم تجدها. إن تكرار هذا النمط يوحي بأن المشكلة قد لا تكون في كثرة الخصوم، بل في وجود استعداد داخلي دائم لإنتاجهم.
ومن هنا أقترح أن ننظر إلى العدوان من زاوية مختلفة. فبدلاً من اعتباره مجرد رد فعل، قد يكون من الأدق أن نراه بوصفه طاقة داخلية فائضة تبحث باستمرار عن موضوع تتجه إليه. فإذا وجدت عدواً حقيقياً تعلقت به، وإن لم تجد، صنعت من المنافس عدواً، ومن المختلف خصماً، ومن المخالف تهديداً، ومن المحايد مشتبهاً به. وهكذا لا يكون الخصم هو بداية العدوان، بل يصبح، في كثير من الأحيان، نهايته الظاهرة.
ولهذا السبب نلاحظ أن الإنسان يستطيع أن يحول أكثر الأمور بساطة إلى ميدان للصراع. فقد تبدأ الخصومة بسبب كلمة، أو رأي، أو مباراة، أو اختلاف في الذوق، أو انتماء سياسي، أو مذهبي، أو حتى بسبب نجاح شخص آخر. وليس لأن هذه الأمور، في ذاتها، تستحق كل هذا القدر من العداء، بل لأنها وفرت لفائض العدوان فرصة مناسبة كي يعبر عن نفسه.
ولعل هذا يفسر ظاهرة طالما حيّرت الباحثين؛ وهي أن كثيراً من الناس يبدون أكثر ارتياحاً في أوقات الصراع منهم في أوقات السلم. ففي أجواء النزاع يشعرون بأن حياتهم أصبحت أوضح، وأن هويتهم قد أصبحت أكثر تماسكاً، وأن أهدافهم باتت أكثر تحديداً. أما حين يغيب الخصم، فإنهم يدخلون في حالة من القلق والفراغ، فيبدؤون، من حيث يشعرون أو لا يشعرون، بالبحث عن خصومة جديدة تعيد إليهم ذلك الإحساس القديم. فالخصم، في هذه الحالة، لا يكون سبباً للعدوان، بل يصبح وسيلة لتصريفه.
ومن هنا أيضاً يمكن تفسير كثير من الانقسامات التي عرفها التاريخ. فكم من حركة توحدت على مواجهة عدو خارجي، ثم ما لبثت، بعد انتصارها، أن انقسمت إلى فرق متناحرة. وكم من حزب سياسي أسقط خصومه، ثم تحول أعضاؤه إلى خصوم بعضهم لبعض. وكم من جماعة دينية أو فكرية لم تجد ما يجمعها بعد زوال عدوها، فبدأت تبحث داخل صفوفها عن خصوم جدد. ولو كان العدو الخارجي هو أصل المشكلة، لانتهت الخصومة بانتهائه، لكن الذي يحدث غالباً هو العكس.
وهنا تتكشف الطبيعة الحقيقية لفائض العدوان؛ فهو لا ينتظر وجود خصم، بل يحتاج إلى وجود خصم. وهذه الحاجة هي التي تدفع الإنسان، في كثير من الأحيان، إلى تضخيم الخلافات، وإساءة تأويل النوايا، والمبالغة في الشعور بالتهديد، لأن وجود الخصم أصبح يؤدي وظيفة نفسية قبل أن يكون استجابة لواقع خارجي.
ولعل أخطر ما في هذه الآلية أنها تعمل غالباً من وراء ستار. فالإنسان لا يقول لنفسه: “أنا أبحث عن عدو”، بل يقنع نفسه بأنه يدافع عن الحق، أو عن الهوية، أو عن العدالة، أو عن العقيدة. وقد تكون هذه القيم، في ذاتها، نبيلة ومشروعة، لكن فائض العدوان يستطيع أن يتخفى خلفها جميعاً، فيحول الدفاع المشروع إلى خصومة دائمة، والاختلاف الطبيعي إلى صراع وجودي.
وفي ضوء الفرضية التي أدافع عنها هنا، فإن هذه الطاقة العدوانية ليست عرضاً طارئاً على الإنسان، وإنما هي إحدى النتائج الكبرى للانعطافة التطورية الأولى التي أنتجت الظاهرة الإنسانية بوصفها ظاهرة تخص كائناً يختلف نوعياً عن سائر الكائنات الحية. فكما نشأ فائض التمثل، الذي جعل الإنسان يعيش في عوالم من المعاني والرموز والتمثلات، نشأ كذلك فائض العدوان، الذي تجاوز حدود العدوان الغريزي الموجود عند الحيوان. فالحيوان يعتدي لأنه يجوع، أو يخاف، أو يدافع عن نسله، أو يحمي مجاله الحيوي. فإذا انتهى السبب، انتهى العدوان. أما الإنسان، فإنه يستطيع أن يواصل العداء سنوات، بل عقوداً، بل قروناً، وأن يورثه لأبنائه وأحفاده، وأن يبني عليه سرديات وهويات ومؤسسات وحروباً، حتى يصبح الصراع جزءاً من تعريفه لنفسه.
وهذا هو الفارق الجوهري بين العدوان الغريزي عند الحيوان وفائض العدوان عند الانسان. فالأول محدود بوظيفته البيولوجية، أما الثاني فقد انفصل عن تلك الوظيفة، وأصبح يمتلك قدرة مستقلة على إعادة إنتاج نفسه، حتى في غياب الأسباب التي وَلَّدته. ولهذا لا يكتفي الإنسان بالرد على العدوان، بل يعيد إنتاجه، ويغذيه، ويبحث له عن مبررات جديدة كلما أوشك على الخمود.
ومن هنا، فإن السؤال الصحيح هو ليس: لماذا يوجد في العالم هذا العدد الكبير من الأعداء؟ بل: لماذا يحتاج الإنسان، في كثير من الأحيان، إلى أن يكون له أعداء؟ إن الإجابة عن هذا السؤال قد تكون مفتاحاً لفهم جانب كبير من التاريخ، والسياسة، والثقافة، بل وحتى العلاقات الشخصية. فما لم ندرك أن الخصم قد يكون، في كثير من الأحيان، نتاجاً لفائض العدوان أكثر من كونه سبباً له، فسوف نظل نفسر الصراعات بظاهرها، ونغفل عن القوة الأعمق التي تقف وراءها.
إن الإنسان لا يبحث دائماً عن خصم لأن العالم مليء بالخصوم، بل لأن في داخله طاقةً لا تهدأ ما لم تجد من تتجه إليه. وهذا، في تقديري، هو أحد أكثر المفاتيح التفسيرية قدرةً على إعادة فهم الطبيعة البشرية، ليس بوصفها طبيعة تستجيب للصراع فحسب، بل بوصفها طبيعةً كثيراً ما تُنتج هذا الصراع.
