هل أخطأنا في سؤال الإنسان؟… من البحث عن الأجوبة إلى مراجعة الأسئلة

من بين أكثر الأوهام رسوخاً في تاريخ المعرفة، ذلك الوهم الذي يجعلنا نظن أن تقدم العلم يتحقق دائماً بإيجاد أجوبة جديدة على أسئلة قديمة. فكلما عجزنا عن تفسير ظاهرة، افترضنا أن المشكلة تكمن في نقص المعلومات، أو في قصور أدوات البحث، أو في ضعف النظريات المتاحة، ثم انصرفنا إلى تحسين الأجوبة، من غير أن نتوقف كثيراً لنسأل سؤالاً قد يكون أكثر قيمة دلالية من الأجوبة كلها: هل السؤال الذي نبحث عن جوابه هو السؤال الصحيح أصلاً؟ قد يبدو هذا السؤال غريباً، لكن تاريخ العلم يكشف أن لكل ثورة معرفية كبرى كانت هناك، في كثير من الأحيان، نقطة البداية الحقيقية. فعلم الفلك لم يتغير لأنه وجد جواباً جديداً عن سؤال: كيف تدور الكواكب حول الأرض؟ بل لأنه اكتشف أن السؤال نفسه يفترض، دون برهان، أن الأرض هي مركز الحركة. كما أن الفيزياء لم تدخل عصرها الحديث لأنها حسنت الإجابة عن سؤال: لماذا تتحرك الأجسام؟ بل لأنها أعادت تعريف معنى الحركة والقوة والزمان. والطب لم يتقدم لأنه وصف الأمراض بدقة أكبر فحسب، بل لأنه غيّر السؤال من: ما المرض؟ إلى: ما الآلية التي تنتجه؟
ولعل هذا هو الدرس الذي ينبغي أن نتأمله ونحن نعيد النظر في دراسة الإنسان. فمنذ قرون، والعلوم الإنسانية تطرح أسئلة تبدو، للوهلة الأولى، منطقية وبديهية، من مثل: كيف نشأت الحضارة؟ ولماذا يؤمن الإنسان؟ وكيف ظهرت الأخلاق؟ ولماذا توجد الحرب؟ وما أصل اللغة؟ ولماذا يشعر الإنسان بالقلق؟ وكيف ظهرت الفلسفة؟ وما سبب الاضطرابات النفسية؟
وقد حققت هذه الأسئلة، ولا تزال، إنجازات معرفية مهمة، لكنها تشترك جميعاً في افتراض خفي، قلما يخضع للمراجعة، وهو أن كل واحدة من هذه الظواهر تمثل مشكلة مستقلة تستحق سؤالاً مستقلاً.
لكن ماذا لو لم تكن كذلك؟ ماذا لو كان السؤال عن الحضارة، والسؤال عن الدين، والسؤال عن الحرب، والسؤال عن الأخلاق، والسؤال عن القلق، ليست أسئلة مختلفة في الأصل، بل صوراً متعددة لسؤال واحد لم ننتبه إليه؟
إن نظرية الانعطافة التطورية الأولى تدفعنا إلى التفكير في هذا الاحتمال. فهي لا تبدأ من الظواهر، بل من التحول الذي قد يكون أنتجها جميعاً. ومن هنا يصبح السؤال الأساسي مختلفاً تماماً. فبدلاً من أن نسأل: كيف ظهرت الحضارة؟ قد نسأل: ما الذي حدث للإنسان حتى أصبحت الحضارة ممكنة؟ وبدلاً من أن نسأل: لماذا يخوض الإنسان الحروب؟ فإننا قد نسأل: ما الذي حدث للعقل حتى أصبح قادراً على تحويل العدوان إلى مؤسسة دائمة؟ وبدلاً من أن نسأل: لماذا يؤمن الإنسان؟ فإننا نسأل: ما الذي حدث للإدراك حتى أصبح قادراً على إنتاج عالم رمزي بهذه السعة؟
وهكذا يتحول مركز البحث من الظاهرة إلى الشرط الذي جعل الظاهرة ممكنة. وهذا التحول في صياغة السؤال ليس مجرد تغيير لغوي. إنه يغير بنية المعرفة كلها. فالأسئلة القديمة كانت تنطلق من الظواهر كما لو أنها مستقلة. أما السؤال الجديد فيعاملها بوصفها نتائج قد تعود إلى أصل واحد. ومن هنا يمكن أن نفهم لماذا ظلت العلوم الإنسانية، على الرغم من نجاحاتها الكبيرة، عاجزة عن بناء نظرية موحدة للإنسان. فهي كثيراً ما كانت تبدأ من الفروع. وكان كل تخصص يعتقد أن فرعه هو الأصل. فعالِم الاقتصاد يبدأ من الاقتصاد. وعالِم النفس يبدأ من النفس. وعالِم الاجتماع يبدأ من المجتمع. وعالِم الدين يبدأ من التدين. لكن الإنسان نفسه لا يبدأ من أي واحد من هذه الفروع.؛ وذلك لإنها جميعاً نتائج. ومن هنا فقد يكون السؤال الذي ينبغي أن نسبق به كل هذه الأسئلة هو: ما الذي جعل الإنسان الكائن الذي يستطيع أن ينتج هذه الظواهر كلها؟ ولعل هذا هو السؤال الذي حاولت سلسلة مقالات “الإنسان الذي لم يوجد قط” أن تبنيه منذ بدايتها. فهذه السلسلة من المقالات لا تزعم أنها تقدم الإجابة النهائية، ولكنها تقترح أن المشكلة قد لا تكون في ضعف أجوبتنا، بل في الكيفية التي صغنا بها الأسئلة.
وهذا يفسر مفارقة لافتة؛ فكلما ازدادت الدراسات حول الإنسان، ازداد التخصص، ولكن الصورة الكلية أصبحت أكثر غموضاً؛ إذ ازدادت معرفتنا بالأجزاء، ولكن الإنسان نفسه أصبح أكثر تشتتاً. وكأننا نجحنا في تحليل الظاهرة، لكننا فقدنا القدرة على إعادة تركيبها. وهذا ليس بالأمر الجديد في تاريخ المعرفة. فكثير من العلوم تمر بمرحلتين: مرحلة التحليل، ثم مرحلة التركيب. ففي المرحلة الأولى يكون التخصص فضيلة، أما في المرحلة الثانية، فإن التخصص وحده لا يكفي، بل يصبح من الضروري اكتشاف العلاقات التي تربط النتائج ببعضها البعض.
ولعل العلوم الإنسانية تقف اليوم عند هذه العتبة. فالبيانات لم تعد هي المشكلة. فنحن نعرف عن دماغنا البشري أكثر مما عرفته العصور السابقة، كما ونعرف عن الجينات، وعن المجتمعات، وعن الحضارات، وعن النفس. ولكن السؤال الذي يزداد إلحاحاً هو: كيف نجمع هذه المعارف داخل صورة واحدة؟
ومن هنا تبرز القيمة الدلالية البالغة لمراجعة الأسئلة. فالعلم لا يتقدم عندما يكتشف حقائق جديدة فحسب، ولكن عندما يتعلم أن يسأل بكيفية جديدة. فقد يكون السؤال الجيد أهم من عشرات الأجوبة الصحيحة؛ وذلك لأن السؤال هو الذي يحدد اتجاه البحث كله. ولو كان السؤال خاطئاً، فقد تكون الإجابات كلها صحيحة داخل إطار خاطئ. ولهذا فإن الجرأة الحقيقية لا تكمن دائماً في رفض الأجوبة السائدة، بل في مساءلة الأسئلة التي أنتجتها.
وهنا تتجلى القيمة الدلالية لمفهوم “الإنسان الذي لم يوجد قط”، فهذا الإنسان الافتراضي لا يجيب عن الأسئلة القديمة، بل يكشف أنها قد لا تكون الأسئلة التي كان ينبغي ان تكون أول ما نسأل من أسئلة. فـ “الإنسان الذي لم يوجد قط” يعيدنا دائماً إلى نقطة البداية؛ وهي اللحظة التي ينبغي أن نسأل فيها: ما الذي حدث للإنسان حتى أصبح الإنسان الذي نعرفه؟ وإذا عرفنا جواب هذا السؤال، فقد نجد أن كثيراً من الأسئلة الأخرى ليست إلا فصولاً مختلفة من القصة نفسها، بل أن كثيراً من الخلافات بين المدارس الفكرية قد تكون، في حقيقتها، نتيجة لانطلاقها من أسئلة مختلفة. فحين يبدأ أحدهم من الاقتصاد، سيجد الاقتصاد في كل شيء. وحين يبدأ آخر من اللاوعي، سيرى اللاوعي في كل شيء. وحين يبدأ ثالث من السلطة، ستصبح السلطة مفتاح تفسير العالم. ولكن ماذا لو كان كل واحد منهم يرى جزءاً من الصورة فحسب؟ وماذا لو كانت هذه الأجزاء كلها نتائج لتحول أسبق منها جميعاً؟ عندئذ يصبح المطلوب ليس اختيار مدرسة ضد أخرى، بل اكتشاف المستوى الذي تلتقي فيه هذه المدارس كلُّها جميعاً.
وهذا هو ما تحاول نظرية الانعطافة التطورية الأولى أن تبينه. فهذه النظرية لا تقول إن الاقتصاد غير مهم، ولا إن علم النفس مخطئ، ولا إن السوسيولوجيا عاجزة، ولا إن الفلسفة فقدت قيمتها، بل تقول إن هذه العلوم قد تكون تدرس فروعاً مختلفة لشجرة واحدة. ومن ثم فإن تقدمها الحقيقي في المستقبل قد يعتمد، لا على زيادة استقلالها، بل على زيادة قدرتها على الحوار فيما بينها. وهذا يقودنا إلى نتيجة أبعد؛ فإذا كانت الأسئلة التي نطرحها تحدد طبيعة الأجوبة التي نحصل عليها، فإن إعادة بناء السؤال قد تكون، في ذاتها، بداية ثورة علمية.
ولعل هذا هو السبب في أن الثورات الكبرى في تاريخ المعرفة لم تبدأ بالمختبر، بل بدأت بالسؤال. ومن هنا فإن السؤال الذي قد يفتح أفقاً جديداً لدراسة الإنسان هو ليس: كيف نفسر هذه الظاهرة أو تلك؟ بل: ما السؤال الذي لو طرحناه منذ البداية، أعاد تنظيم جميع هذه الظواهر داخل إطار واحد؟ وربما يكون هذا هو السؤال الذي ظل ينتظر، طوال قرون، أن يُطرح. فإذا كان الأمر كذلك، فإن أعظم ما يمكن أن تقدمه نظرية الانعطافة التطورية الأولى هو ليس كونها تقدم جواباً جديداً عن الإنسان، بل أنها تدعونا إلى أن نبدأ من جديد بطرح السؤال الصحيح.

أضف تعليق