الإنسان الإكسسواري… الكائن الذي لا يكتمل إلا بما يضيفه إلى نفسه
من بين أكثر الظواهر التصاقاً بالوجود الإنساني، تلك الحاجة التي لا تكاد تفارقه إلى أن يضيف إلى نفسه شيئاً ليس منها. فما إن يولد الإنسان حتى يبدأ، مع مرور الزمن، رحلةً لا تنتهي من تزويد ذاته بإضافات خارجية يستعين بها على العيش، ثم لا يلبث أن يجعلها جزءاً من هويته وشخصيته، حتى يغدو التفريق بينه وبينها أمراً بالغ الصعوبة. وقد اعتدنا النظر إلى هذه الإضافات بوصفها أدوات نافعة أو زينة أو وسائل راحة، غير أن السؤال الذي يستحق أن يُطرح هو: لماذا يبدو الإنسان الكائن الوحيد الذي لا يستطيع أن يعيش مكتفياً بما منحه له القدر، بل يشعر دائماً أنه يحتاج إلى ما يكمله من خارج ذاته؟
قد يبدو هذا السؤال غريباً لأول وهلة، لكنه يكشف عن واحدة من أكثر الخصائص تميزاً في الإنسان. فالحيوان، مهما تنوعت بيئاته، يحمل معه معظم ما يحتاج إليه. فريشه لباسه، ووبره غطاؤه، وجلده حمايته، ومخالبه وأنيابه أدوات دفاعه، ولا يحتاج إلى أن يصنع لنفسه هوية إضافية خارج جسده. أما الإنسان، فقد وجد نفسه منذ اللحظة الأولى مضطراً إلى استعارة ما يقيه من الطبيعة. ولعل أول هذه الإضافات كانت الملابس، التي لم تكن مجرد وسيلة للاحتماء من الحر والبرد، بل شهادة مبكرة على افتقار الإنسان إلى غطاء بايولوجي يحميه كما تحمي الفراءُ أصحابها، وكما يحمي الريش الطيور، وكما تحمي الحراشفُ الزواحف. غير أن القصة لم تتوقف عند هذا الحد. فما بدأ ضرورةً سرعان ما تحول إلى عالم كامل من الإضافات التي لم يعد هدفها الحماية وحدها، بل أخذت تؤدي وظائف جديدة تتجاوز المنفعة المباشرة. فالملابس نفسها لم تعد مجرد ستر للجسم، وإنما أصبحت لغةً اجتماعيةً كاملة؛ يُقرأ منها الغنى والفقر، والسلطة والخضوع، والمكانة الاجتماعية، والانتماء الديني، والهوية القومية، بل وحتى الميول الفكرية والانتماءات السياسية. وهكذا لم يعد الإنسان يلبس ثوبه فحسب، وإنما صار يلبس تعريفاً لنفسه. ثم أخذت هذه الإضافات تتكاثر على نحو لم تعرفه أي حياة بايولوجية أخرى. فالحلي، والخواتم، والساعات، والنظارات، والعمائم، والقبعات، والأوسمة، والقلائد، والأحزمة، والأحذية، والحقائب، والعصي، والأسلحة، والأجهزة الإلكترونية، والهواتف، والساعات الذكية، وسماعات الأذن، والحواسيب المحمولة، كلها لم تعد مجرد أشياء يحملها الإنسان، بل أصبحت امتداداً لكيانه، حتى غدا فقدان بعضها يورث صاحبه شعوراً بأنه فقد جزءاً من نفسه. ولم تقف هذه الإضافات عند حدود الحياة اليومية، بل غزت كل تفاصيل الحضارة الإنسانية. ففي الحرب لا يظهر الجندي إلا بعد أن تحيط به طبقات من المعدات والخوذ والدروع والأسلحة والأجهزة. وفي المختبر لا يستطيع العالم أن يمارس عمله إلا بعد أن يلبس معطفه ونظارته وقفازاته، ويحيط نفسه بعشرات الأدوات الدقيقة. والمسافر لا يكاد يغادر بيته إلا وهو يحمل حقائب ووثائق وأجهزة ووسائل اتصال. والطبيب لا يُعرف بطبه إلا بسماعته وأدواته، ورجل الإطفاء بمعداته، ورائد الفضاء ببدلته، والغواص بتجهيزاته. وكأن الإنسان، أينما ذهب، يحمل معه أجزاءً خارجية لا يستطيع أن يؤدي وظيفته من دونها. بل أن الأمر تجاوز الأدوات إلى جسم الإنسان نفسه. فالوشوم، وثقوب الزينة، ومستحضرات التجميل، وصبغات الشعر، والعدسات الملونة، والأظافر الصناعية، والرموش، بل وحتى عمليات التجميل الجراحية، كلها تعبر عن نزعة واحدة: أن الإنسان لا يكتفي بما هو عليه، وإنما يشعر دائماً بأن عليه أن يضيف إلى نفسه ما يجعلها أقرب إلى الصورة التي يتخيلها عن ذاته. وكلما تقدم التاريخ، ازداد اعتماد الإنسان على هذه الإضافات. فما كان في الماضي زينةً أصبح اليوم ضرورة، وما كان ترفاً صار من مقتضيات الحياة اليومية. حتى إن كثيراً من الناس باتوا يشعرون بالضيق إذا خرجوا من بيوتهم من دون هواتفهم، أو ساعاتهم، أو نظاراتهم، أو حقائبهم، وكأن هذه الأشياء لم تعد خارج الإنسان، بل أصبحت جزءاً من تكوينه النفسي.
وقد يظن البعض أن هذا كله مجرد نتيجة للتقدم الحضاري، غير أن الحضارة نفسها قد تكون مظهراً من مظاهر هذه الحقيقة الأعمق. فالإنسان لا يبني الحضارة لأنه يحب الأدوات فحسب، وإنما لأنه الكائن الذي يعوض، بصورة دائمة، ما يشعر أنه ينقصه. فهو لا يضيف الأشياء إلى العالم فقط، بل يضيفها إلى نفسه أيضاً.
ولعل هذا ما يفسر ظاهرة تكاد تكون خاصة بالإنسان وحده، وهي أن هويته كثيراً ما تُقرأ من خارج جسمه أكثر مما تُقرأ من داخله. فالزي العسكري يعلن الجندية، والرداء الديني يعلن الانتماء، والوشاح يعلن الهوية، والخاتم قد يعلن الحالة الاجتماعية، والشارة قد تعلن الرتبة، والوسام قد يعلن المجد، حتى أصبح الإنسان يحيط ذاته بشبكة من الرموز الخارجية التي تقدم تعريفاً له قبل أن يتكلم.
ولعل من المشروع، في ضوء ذلك كله، أن نصف الإنسان بأنه الإنسان الإكسسواري. وليس المقصود بالإكسسوارات هنا معناها التجاري الضيق، وإنما كل ما يضيفه الإنسان إلى ذاته ليشعر أنها أكثر اكتمالاً، سواء أكان لباساً، أم زينةً، أم أداةً، أم جهازاً، أم رمزاً، أم علامةً، أم حتى تعديلاً في جسمه نفسه. فجميعها تنتمي إلى مبدأ واحد: أن الإنسان لا يرى نفسه مكتفية بذاتها.
وهنا تنكشف مفارقة عميقة في الطبيعة البشرية. فالكائن الذي استطاع أن يغير وجه الأرض، وأن يبني الحضارات، وأن يصنع أعقد التقنيات، هو في الوقت نفسه أكثر الكائنات شعوراً بالحاجة إلى أن يستكمل نفسه بشيء خارج عنها. وكأن تقدمه الحضاري لم يكن سوى الوجه الآخر لإحساس دائم بالنقص، ليس بمعناه الأخلاقي، بل بمعناه الوجودي.
ومن هنا ربما لا تكون الحضارة نفسها إلا أكبر إكسسوار صنعه الإنسان لنفسه. فهي، بكل ما فيها من أدوات ورموز وتقنيات ومؤسسات، ليست سوى الامتداد الأكبر لذلك الكائن الذي لم يكتفِ يوماً بما هو عليه، وظل، منذ فجر التاريخ وحتى اليوم، يضيف إلى ذاته ما يظن أنه يكملها، بحثاً عن اكتمال لا يبدو أنه قادر على بلوغه بصورة نهائية.
