المثالية ليست الذكاء… بل سلامة الأداء

من بين أكثر المسلمات رسوخاً في الفكر الإنساني، ذلك الاعتقاد الذي يجعل الذكاء المعيار الأعلى للحكم على قيمة الكائنات الحية. فكلما ازداد الكائن قدرةً على التفكير، والتخطيط، والتجريد، وحل المشكلات، عُدَّ أكثر اكتمالاً وأرفع منزلة. وقد بلغ هذا التصور من رسوخه أن الإنسان لم يعد ينظر إلى نفسه بوصفه الكائن الأكثر ذكاءً فحسب، بل بوصفه أيضاً الكائن الأكثر كمالاً، وكأن الذكاء والكمال مترادفان لا يفترقان.
غير أن هذا التصور يثير سؤالاً نادراً ما يُطرح: هل الذكاء، في ذاته، دليل على كمال الجهاز البايولوجي؟ أم أنه مجرد قدرة إضافية يمكن أن تمنح صاحبها مزايا معينة، من دون أن تجعل جهازه الحيوي أكثر استقراراً أو أكثر كفاءة في أداء وظائفه الأساسية؟
إن هذا السؤال يقتضي أولاً التمييز بين مفهومين مختلفين تماماً: القدرة والكفاءة. فالقدرة تعني أن يصبح الجهاز قادراً على إنجاز مهام جديدة لم يكن يستطيع إنجازها من قبل، أما الكفاءة فتعني أن يؤدي الجهاز الوظائف المنوطة به بأعلى درجات الدقة والاتزان والاعتمادية، مع أقل قدر ممكن من استهلاك الطاقة أو التعرض للأعطال. وقد يجتمع الأمران في نظام واحد، لكن أحدهما لا يستلزم الآخر.
ولو تأملنا الأنظمة الصناعية لوجدنا أن الآلة التي تؤدي عشرين وظيفة ليست بالضرورة أفضل من آلة تؤدي وظيفة واحدة. فإذا كانت الأولى كثيرة الأعطال، مرتفعة الاستهلاك للطاقة، معقدة الصيانة، سريعة التأثر بالظروف المحيطة، في حين تؤدي الثانية وظيفتها بثبات ودقة لعشرات السنين، فإن الحكم الهندسي لن يتردد في وصف الثانية بأنها أكثر اعتمادية، رغم محدودية وظائفها. وهذا يبين أن كثرة القدرات لا تكفي وحدها للحكم على جودة النظام، بل لابد من النظر إلى الثمن الذي يدفعه النظام لقاء تلك القدرات.
وعندما ننتقل إلى الإنسان، نجد أن الذكاء منحه إمكانات هائلة لم يعرفها أي كائن آخر. فقد أصبح قادراً على بناء الحضارات، وصياغة اللغات، وإنتاج العلوم، واختراع التقنيات، والتخطيط للمستقبل، واستحضار الماضي، وتأمل ذاته، والتفكير في الموت، بل وحتى التساؤل عن معنى الوجود نفسه.
غير أن هذه القدرات لم تأتِ بلا ثمن. فالإنسان لا يكتفي بإدراك الخطر حين يقع، بل يستطيع أن يخشاه قبل وقوعه بسنوات. ولا يكتفي بتذكر الألم، بل يستطيع أن يعيد إنتاجه في ذاكرته آلاف المرات. ولا يكتفي بإدراك ذاته، بل يدخل في صراع دائم معها، فيحاسبها، ويؤنبها، ويقارنها بالآخرين، ويعيد تقييمها باستمرار. كما إنه لا يكتفي بالتعامل مع الواقع، بل يعيش في عالم من الاحتمالات، والتوقعات، والمخاوف، والآمال، والرموز، والتمثلات التي قد تستنزف من طاقته بأكثر مما يستنزفه الواقع نفسه.
وهكذا، فإن الذكاء لم يزد عدد القدرات فحسب، بل زاد أيضاً عدد مواطن الهشاشة. فالخوف أصبح قلقاً، والحذر أصبح وسواساً، والحزن أصبح اكتئاباً، والرغبة أصبحت إدماناً، والتنافس أصبح حسداً، والدفاع عن الذات أصبح عدواناً منظماً، والاختلاف في الرأي أصبح حروباً عقائدية وسياسية. وكل ذلك يدل على أن اتساع القدرات لم يكن مصحوباً دائماً بزيادة مماثلة في استقرار الجهاز البايولوجي. أما الحيوان، فعلى الرغم من محدودية قدراته مقارنة بالإنسان، فإنه يحتفظ بدرجة عالية من الاتزان الوظيفي. فهو لا يحمل في داخله هذا الكم الهائل من العمليات الرمزية التي تستهلك الجهاز الإنساني، ولا يعيش معظم الصراعات النفسية التي أصبحت جزءاً من الحياة اليومية للإنسان. ولهذا يبدو جهازه الحيوي أكثر انسجاماً مع ذاته، وأكثر مباشرة في الاستجابة، وأقل عرضة للانقسام الداخلي.
ومن هنا، فإن الذكاء لا ينبغي أن يُفهم بوصفه مقياساً للكمال، بل بوصفه إضافة وظيفية ذات كلفة بايولوجية. فهو يوسع نطاق الإمكانات، لكنه يوسع، في الوقت نفسه، نطاق الأخطار. صحيحٌ أنه يمنح الجهاز قدرات لم تكن موجودة، لكنه يضيف إليه أيضاً أعباء لم يكن يعرفها من قبل. وهذا يفرض علينا إعادة النظر في الكيفية التي نقارن بها بين الإنسان والحيوان. فليس السؤال: أيهما أذكى؟ لأن الجواب عن ذلك واضح. وإنما السؤال الأعمق هو: هل جعل هذا الذكاء الجهاز الإنساني أكثر نجاحاً بوصفه جهازاً بايولوجياً؟
إن مجرد امتلاك قدرات إضافية لا يكفي للإجابة بالإيجاب. فالنجاح البايولوجي لا يُقاس بعدد الإمكانات، وإنما بدرجة سلامة الأداء، واستقرار التشغيل، والقدرة على المحافظة على الاتزان الداخلي تحت مختلف الظروف. وإذا أصبح الجهاز، بسبب قدراته الإضافية، أكثر تعرضاً للاضطراب، وأكثر استنزافاً للطاقة، وأكثر اعتماداً على وسائل خارجية لاستعادة توازنه، فإن هذه القدرات لا يمكن عدّها دليلاً مباشراً على ازدياد كماله.
ولعل الخطأ الأكبر في النظر إلى الإنسان أنه جرى تقييمه من خلال أكثر خصائصه إبهاراً، لا من خلال أداء جهازه الحيوي أداءً كلياً. فلقد انشغلنا بما يستطيع العقل الإنساني أن ينجزه، ولم نتوقف بما يكفي عند الثمن الذي يدفعه هذا الجهاز مقابل تلك الإنجازات. ولو أن معيار المقارنة كان هو الاستقرار، والاعتمادية، وسلامة الأداء، والقدرة على العمل تحت الضغوط، لا مجرد اتساع القدرات، لربما بدت الصورة مختلفة عما ألفناه.
ومن هنا، فإن المثالية البايولوجية لا ينبغي أن تُعرَّف بأنها امتلاك أكبر قدر ممكن من الذكاء، وإنما بأنها امتلاك جهاز حيوي يعمل بأعلى درجات الكفاءة والاتزان والاعتمادية، ويؤدي الوظائف التي وُجد من أجلها بأقل قدر من الاختلال. فالذكاء قد يكون أعظم ما يميز الإنسان، لكنه ليس بالضرورة أعظم ما يجعل جهازه الحيوي أقرب إلى الكمال. وقد يكون الكمال، في نهاية المطاف، أقرب إلى سلامة الأداء منه إلى وفرة القدرات، وأقرب إلى الاتزان منه إلى العبقرية.

أضف تعليق