
تتجلى في التراث الإنساني، فلسفياً وأدبياً ودينياً، لحظات كاشفة تنكشف فيها هشاشة المحاولات البشرية للفرار من مآلاتها. وفي حين تبدو الإرادة الإنسانية في ظاهرها محركاً حراً للهروب أو الرفض، تعود الأفعال ذاتها لتنسج الخيوط الدقيقة للقدر الذي يحاول المرء الفتوق منه. تتماس هذه الفكرة المحورية عند نقطة فارقة بين الرؤية التراجيدية الإغريقية، كما تجسدت في «مفارقة أوديب»، وبين المعنى البلاغي والعميق المكنون في الحديث النبوي الشريف: “عجِبْتُ لِقَوْمٍ يُقَادُونَ إِلَى الجَنَّةِ بِالسَّلاَسِلِ”.
ففي الدراما الإغريقية، وتحديداً في مسرحية «أوديب ملكاً» لسوفوكليس، ينطلق الإنسان في رحلة محمومة للهرب من نبوءة مُثقلة بالمصير. غير أن الشاهد الفلسفي في هذه المأساة ليس مجرد «جبرية تسلطية»، بل هو طبيعة الفعل الإنساني ذاته؛ فكل خطوة يخطوها الملك لايوس أو ابنه أوديب فراراً من القدر، لا تكون إلا الحجر الأساسي الذي يُشيَّد به ذلك القدر نفسه. إنها الفكرة الرواقية الملساء التي عبر عنها «كليانثس» و«سينيكا» لاحقاً: “القدر يقود مَن يطاوعه، ويجرّ جراً مَن يقاومه”. وهنا يصبح السعي للهروب هو آلة التحقق، وتتحول إرادة التملص إلى العلة الفاعلة لوقوع المحذور.
وعلى الجانب الآخر، وفي سياق مختلف غاية الاختلاف من حيث الغاية والرحمة، يطالعنا البيان النبوي الشريف بتصوير بليغ ومدهش لحال النفس البشرية في إعراضها عن خيرها المحض. يُروى عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أنه قال: “عجبتُ لقومٍ يُقادونَ إلى الجنةِ بالسلاسلِ”.
إن التشبيه هنا يبلغ ذروة الإعجاز البلاغي؛ فهو يصور أولئك الذين يُساقون إلى ما فيه نجاتهم وفلاحهم وصلاحهم، وهو صراط الله المستقيم المؤدي إلى الجنة، وهم يُبدون أقصى درجات النفور والامتناع. إنهم يتصرفون كمن يُجرّون إلى نيل ما يُحبون وهم مكبلون بالأغلال، كنايةً عن شدة إصرارهم على النأي بأنفسهم عن الخير، وعما فيه النجاة الحقيقية لأرواحهم لو أنهم أخلصوا العمل والنظرة.
وعند التمعن في كلا المشهدين، التراجيدي والبياني، نجد إشارة ضمنية وعميقة إلى كيفية تشكّل القدر الإنساني:
1. القدر لا يُصنع بمعزل عن مكنون صاحبه:
إن القدر ليس قوة خارجية مجردة تُفرض على الإنسان كلياً دون صلة بمراده الداخلي؛ بل إن تصرفات الإنسان وإصراره على مسار معين هما اللذان يشكلان «النواة الداخلية» لقدره. فمن يصرّ على الإعراض ويصنع قدره بالابتعاد، غافلاً عن النور، يغدو عصياً على الهداية.
2. عقم محاولات التغيير أمام الإصرار الذاتي:
تتضح في الحديث النبوي محاولة سوق هؤلاء إلى الجنة، لكن الاستجابة تظل متشنجة وكأنها مجبورة بالسلاسل، لأن دواخلهم لم تتوافق مع غاية هذا المسار. وتماماً كما أن محاولات أوديب للهرب لم تزد قدره إلا إحكاماً، فإن إصرار الإنسان على مكابدة الصراط المستقيم والإعراض عنه يجعل كل محاولة لإرشاده تبدو وكأنها قسْرٌ خارجي يناقض اتجاه إرادته الداخلية التي صاغها بنفسه.
إن القدر، في عمقه الفلسفي والروحي، يقود الإنسان إلى حيث يُوافق عملُه ومكنونُ سريرته ما أُعدّ له. فلن يُقَدَّر لإنسانٍ قدرٌ ما لم يكن متوافقاً مع ماهية قدره الخاص الذي بناه باختياراته وتوجهات نفسه. فبينما تقف التراجيديا الإغريقية عند حدود الحيرة والفجيعة أمام حركة القدر الدائرية، يأتي المعنى النبوي ليفتح بصيرة الإنسان على تناقضات النفس البشرية: كيف يحارب المرء نجاته؟ وكيف يسعي الإنسان، بإرادته المفتونة بالهروب، ليصبح الأسير الآبق الذي يحتاج إلى أن يُجرّ جراً إلى نعيمٍ كان يمكن أن يلجه خفيفاً طائعاً مطمئناً.
