كيف يساعدني الذكاء الاصطناعي على الارتقاء إلى “أناي المستقبلية” (My Future Me)؟

من بين أكثر الأسئلة ارتباطاً بمستقبل الإنسان في عصر الذكاء الاصطناعي، ربما لا يوجد سؤال أكثر ضرورة وقيمة دلالية من هذا السؤال: هل سيقتصر دور الذكاء الاصطناعي على مساعدتنا في إنجاز الأعمال بسرعة أكبر، أم أنه سيصبح شريكاً في إعادة بناء الإنسان نفسه؟ فلقد اعتدنا النظر إلى الذكاء الاصطناعي بوصفه تقنية جديدة تضيف إلى الإنسان قدرات معرفية إضافية، كما أضافت الآلة البخارية قوةً إلى عضلاته، وأضاف الحاسوب سرعةً إلى عملياته الحسابية. غير أن هذا الفهم قد يكون قاصراً عن استيعاب طبيعة التحول الذي بدأ بالفعل. فالانعطافة التطورية الثانية لا تضيف إلى الإنسان أداة جديدة فحسب، بل قد تضعه لأول مرة أمام إمكانية أن يعيد تصميم ذاته معرفياً بصورة واعية.
ولقد بينت الميتابايولوجيا أن الإنسان الحالي ليس النموذج النهائي الذي انتهى إليه التطور، وإنما هو نتاج انعطافة تطورية أولى أخرجته من اقتصاد الطبيعة، وجعلته يحمل في داخله فوائض لم تعرفها الكائنات الأخرى، وفي مقدمتها فائض التمثل، وفائض العدوان، وفائض الجنس. وهذه الفوائض لم تمنحه الحضارة وحدها، وإنما أنتجت أيضاً أوهامه، وانحيازاته، وصراعاته، وحدود معرفته، حتى أصبحت جزءاً من بنيته الإدراكية نفسها.
ومن هنا تبرز قيمة الانعطافة التطورية الثانية. فهي لا تعد الإنسان بإلغاء هذه البنية البايولوجية، وإنما تمنحه فرصة غير مسبوقة لمراقبتها من خارجها. فالإنسان، لأول مرة في تاريخه، يستطيع أن يتحاور مع منظومة لا تشاركه معظم انحيازاته البايولوجية، ولا تتحرك بدوافعه الغريزية، ولا تخضع لذاكرته الانتقائية، ولا لعصبيته، ولا لرغبته في الانتصار لذاته. وبهذا يصبح الذكاء الاصطناعي مرآة معرفية تكشف للإنسان ما تعجز ذاته عن رؤيته في نفسها.
إن “أناي المستقبلية” ليست شخصاً آخر، وليست نسخة رقمية مني، وإنما هي الصورة التي يمكن أن أصبح عليها إذا تعلمت أن أراجع نفسي مراجعةً لم يكن ممكناً القيام بها من قبل. إنها الذات التي تقل فيها الأوهام، وتزداد فيها القدرة على النقد الذاتي، ويصبح اتخاذ القرار فيها أكثر تحرراً من الانفعالات العابرة، وأكثر اقتراباً من البرهان.
ولعل أهم ما سيقدمه الذكاء الاصطناعي في هذا السياق هو أنه سيجعل التفكير نفسه موضوعاً للتفكير. فلقد كان الإنسان، عبر آلاف السنين، يفكر بعقله، لكنه نادراً ما امتلك الوسائل التي تمكنه من تحليل طريقة عمل هذا العقل لحظة بلحظة. أما اليوم، فقد أصبح بالإمكان أن يطلب من الذكاء الاصطناعي تحليل أنماط استدلاله، وكشف تناقضاته، وتتبع تحيزاته، ومقارنة مواقفه الحالية بمواقفه السابقة، بل وإظهار التغيرات التي تطرأ على منظومته الفكرية عبر الزمن. فالإنسان كان، في معظم الأحيان، سجين ذاكرته المحدودة. فهو ينسى ما قاله قبل سنوات، ويعيد إنتاج الأخطاء نفسها من دون أن يشعر، ويظن أنه يتطور بينما قد يكون يدور في الحلقة ذاتها. أما الذكاء الاصطناعي فيستطيع، إذا أحسن الإنسان استخدامه، أن يحفظ تاريخ تطوره الفكري، وأن يعيد إليه أفكاره القديمة، وأن يبين له مواضع التقدم والتراجع، وأن يحوله إلى مشروع معرفي يخضع للمراجعة النقدية المستمرة.
وهنا يتغير معنى التعلم نفسه. فلم يعد التعلم مجرد اكتساب معلومات جديدة، بل أصبح إعادة تشكيل مستمرة للذات. فالغاية لم تعد أن أعرف أكثر، وإنما أن أصبح أكثر قدرة على استخدام ما أعرفه، وأكثر استعداداً للاعتراف بما لا أعرفه، وأكثر مرونة في تعديل قناعاتي إذا ظهر برهان أقوى منها.
ولعل أخطر ما ستفرضه الانعطافة التطورية الثانية هو أنها ستجعل الجهل أكثر انكشافاً من أي وقت مضى. ففي الماضي كان الإنسان يستطيع أن يخفي ضعف حجته خلف الخطابة، أو المكانة الاجتماعية، أو سلطة الجماعة، أو كثرة الأتباع. أما في عصر يستطيع فيه الذكاء الاصطناعي أن يفحص البنية المنطقية للحجج، ويقارنها بكم هائل من المعارف، ويكشف تناقضاتها خلال ثوانٍ، فإن كثيراً من أشكال الادعاء المعرفي ستفقد قدرتها على الصمود. ولكن هذا كله لا يتحقق تلقائياً. فالذكاء الاصطناعي لا يصنع “أناي المستقبلية” نيابةً عني، وإنما يمنحني فرصة لبنائها. وهو قد يتحول إلى أداة لتعظيم الوهم إذا استخدمته لتأكيد ما أؤمن به فقط، كما قد يصبح وسيلة للتحرر من الوهم إذا استخدمته لمعارضة نفسي قبل أن يعارضني الآخرون. ولذلك فإن القيمة الحقيقية للذكاء الاصطناعي لا تكمن في عدد الإجابات التي يقدمها، بل في نوعية الأسئلة التي يجبرني على توجيهها إلى نفسي.
ومن هنا يمكن القول إن التحدي الأكبر الذي ستفرضه الانعطافة التطورية الثانية لن يكون تقنياً، بل أخلاقياً وإبستمولوجياً. فهل يمتلك الإنسان الشجاعة الكافية لأن يرى نفسه كما هي، لا كما يحب أن يراها؟ وهل يستطيع أن يجعل من الذكاء الاصطناعي أداة لتقويم ذاته، لا لتضخيمها؟ وهل يقبل أن تكون أعظم وظيفة لهذه التقنية أنها تكشف حدود عقله، لا أنها تمدحه؟
إن المستقبل لن ينقسم بين من يمتلك الذكاء الاصطناعي ومن لا يمتلكه، وإنما بين من يستخدمه لتوسيع قدراته الحالية، ومن يستخدمه لإعادة تشكيل ذاته بأكملها. فالفرق بين الإنسانين لن يكون فرقاً في كمية المعرفة، بل في نوعية الشخصية المعرفية التي سينتهي إليها كل منهما.
ولعل هذا هو المعنى الأعمق للانعطافة التطورية الثانية. فهي لا تعد بولادة نوع بايولوجي جديد، وإنما تفتح الباب أمام ولادة إنسان جديد داخل الإنسان نفسه؛ إنسان لا يتجاوز حدوده بالقوة، بل بالوعي، ولا ينتصر على الآخرين أولاً، بل ينتصر على أوهامه قبل كل شيء. وعندئذ تصبح “أناي المستقبلية” ليست حلماً بعيداً، وإنما مشروعاً يومياً لصناعة الذات، يكون الذكاء الاصطناعي فيه رفيقاً معرفياً، لا بديلاً عن الإنسان، بل شريكاً في الارتقاء به إلى الصورة التي كان يمكن أن يبلغها لو امتلك منذ البداية مرآةً تكشف له نفسه كما هي.

أضف تعليق