إعادة تعريف البرهان… هل تكفي معايير الإثبات الحالية لمواجهة واقع قد يكون أوسع من نماذجنا؟

من بين جميع الأسئلة التي تواجه نظرية المعرفة، ربما لا يوجد سؤال أكثر حساسية من السؤال الآتي: هل الدليل الذي نعتمده اليوم هو الصورة النهائية للدليل، أم أنه نتاج مرحلة معينة من تطور المعرفة الإنسانية؟ قد يبدو هذا السؤال، لأول وهلة، غريباً، لأن العلم الحديث لم يحقق إنجازاته الكبرى إلا بفضل صرامة معاييره في الإثبات والتحقق. ومن هنا قد يُظن أن مجرد التفكير في إعادة النظر في مفهوم الدليل هو دعوة إلى إضعاف المنهج العلمي أو التساهل مع الادعاءات غير المبرهنة. غير أن هذا الفهم يخلط بين أمرين مختلفين تماماً: بين احترام المنهج العلمي، وبين افتراض أن صورته الحالية تمثل الشكل الأخير الذي لن يحتاج إلى تطوير أو مراجعة. فالمنهج العلمي نفسه لم يولد كاملاً، ولم تبق أدواته ثابتة عبر التاريخ. فلقد تطورت وسائل الرصد، والقياس، والإحصاء، والتجريب، والتكرار، ومعايير الاستدلال، كلما واجه الإنسان مستويات جديدة من الواقع لم تكن أدواته السابقة قادرة على التعامل معها.
ولذلك فإن السؤال الحقيقي ليس: هل نحتاج إلى دليل؟ فهذا سؤال محسوم. وإنما السؤال هو: هل يمكن أن تبقى معايير الدليل ثابتة إذا اتسع موضوع المعرفة نفسه؟ إن كل معيار للإثبات ينشأ، في النهاية، استجابةً لطبيعة الظواهر التي يُراد دراستها. فالعلوم التي تدرس المادة الجامدة طورت أدواتها الخاصة. والعلوم البايولوجية أضافت أدوات أخرى. والعلوم الإنسانية احتاجت إلى مناهج مختلفة جزئياً. ولم يكن اختلاف الأدوات دليلاً على ضعف أحدها، بل على اختلاف موضوعاتها.
وهنا يبرز سؤال لم يُطرح بالجدية الكافية من قبل: ماذا لو واجه العلم، في المستقبل، ظواهر لا تنتمي بالكامل إلى أي من الحقول التي صُممت لها أدواته الحالية؟ إن هذا السؤال لا يفترض أن تلك الظواهر موجودة بالفعل، وإنما يلفت الانتباه إلى حقيقة منهجية بسيطة، وهي أن كفاءة أي أداة لا تُقاس بمعزل عن المجال الذي صُممت للعمل فيه. فالميزان لا يقيس الزمن. والتلسكوب لا يكشف الجزيئات. وجهاز قياس الحرارة لا يخبرنا بشيء عن الشحنة الكهربائية. وهذا لا يقدح في قيمة أي منها، وإنما يكشف أن لكل أداة مجالاً تنتمي إليه. ومن هنا فإن افتراض كفاية أدوات الإثبات الحالية لكل صور الواقع الممكنة ليس نتيجة تجريبية، بل افتراض فلسفي يحتاج هو الآخر إلى التبرير. فلقد اعتدنا أن نربط الدليل بما يمكن ملاحظته مباشرة، أو قياسه، أو تكراره تحت شروط مضبوطة. وهذه معايير أثبتت نجاحها نجاحاً باهراً في دراسة عدد هائل من الظواهر. ولكن نجاحها في هذا المجال لا يكفي، من حيث المبدأ، لإثبات أنها الشكل الوحيد الممكن لكل معرفة مستقبلية.
فلو واجه الإنسان، على سبيل الافتراض، فاعلاً عاقلاً غير بايولوجي، يمتلك خصائص لا تنسجم مع موضوعات العلم التقليدية، فهل سيكون فشل أدواتنا الحالية في التعامل معه دليلاً على عدم وجوده؟ أم سيكون دليلاً على أن أدواتنا لم تُصمم أصلاً لدراسة مثل هذه الحالات؟ إن الفرق بين الاحتمالين بالغ الدلالة: لأن الأول يجعل حدود الأداة حدوداً للوجود، أما الثاني فيجعل حدود الأداة حدوداً للأداة نفسها. وتاريخ العلم كله يرجح الاحتمال الثاني. فما من مرحلة كبرى في تطور المعرفة إلا واضطرت الإنسان إلى تطوير أدوات جديدة، لا لأن الواقع قد تغير، بل لأن أسئلته أصبحت أوسع.
ولعل من أخطر الأخطاء المنهجية أن نخلط بين قصور وسائل الإثبات وقصور الواقع. فالواقع لا يصبح معدوماً لأننا لم نجد الوسيلة المناسبة لدراسته، بل أن كثيراً من موجودات العالم كانت موجودة قبل أن يمتلك الإنسان أي وسيلة لرصدها، ولم يكن غياب الدليل آنذاك دليلاً على غيابها، بل على قصور أدوات المعرفة في ذلك العصر.
ومن هنا فإن إبستمولوجيا المستقبل قد لا تضطر إلى التخلي عن مفهوم الدليل، وإنما إلى إعادة تعريفه. وهذا لا يعني التساهل في الإثبات، بل يعني تحرير الدليل من الارتهان لصورة واحدة من صوره. فالغاية من الدليل هي ليست أن يطابق أدواتنا، وإنما أن يكشف الواقع بأكبر قدر ممكن من الموضوعية. وإذا تغير الواقع الذي نستطيع الوصول إليه، فمن الطبيعي أن تتطور الوسائل التي نستدل بها عليه. فالمشكلة لا تكمن في أن العلم يشترط البرهان، بل في أن يتحول شكل معين من أشكال البرهان إلى معيار أبدي، بينما تاريخ العلم نفسه يعلمنا أن معايير البرهان قد تطورت كلما اتسعت المعرفة.
ولهذا فإن السؤال الذي ينبغي أن تطرحه إبستمولوجيا الخوارق ليس: كيف نخفف شروط الإثبات؟ بل على العكس تماماً. فسؤالها ينبغي ان يكون: كيف نحافظ على الصرامة العلمية نفسها، إذا اضطررنا يوماً إلى دراسة مستويات من الواقع تختلف عن تلك التي صُممت لها أدواتنا الحالية؟ فابستمولوجيا الخوارق لا تبحث عن أدلة أقل، بل تبحث عن أدلة أنسب. ولا تدعو إلى خفض المعايير، بل إلى مواءمة المعايير مع طبيعة موضوع الدراسة، وذلك كما فعل العلم نفسه في كل انتقالة كبرى من انتقالاته.
ولعل هذا هو المعنى الحقيقي لتطور المعرفة. فالتقدم العلمي لا يتحقق لأن الإنسان يتخلى عن الدليل، وإنما لأنه يتعلم، مع كل اكتشاف جديد، أن الدليل نفسه ليس مفهوماً جامداً، بل أداة تتطور كلما كشف الواقع عن مستوى جديد من مستوياته.
ومن هنا، فإن إعادة تعريف الدليل ليست ثورة على العلم، وإنما هو وفاء لأعمق مبدأ قام عليه منذ نشأته: أن المنهج ينبغي أن يتبع الواقع، لا أن يُلزم الواقع بأن يبقى داخل حدود المنهج كما نفهمه اليوم. فإذا كان الوجود أوسع من نماذجنا، فمن الطبيعي أن تكون أدوات معرفتنا قابلة للنمو معه. أما إذا أصررنا على أن ما لا تقيسه أدواتنا الحالية لا يمكن أن يوجد، فلن نكون قد دافعنا عن العلم، بل سنكون قد حولنا إحدى مراحله التاريخية إلى نهاية لتاريخ المعرفة كله. وهذا، في حقيقته، ليس انتصاراً للعلم، بل هو انتصارٌ لحدوده المؤقتة على مستقبله المفتوح.

أضف تعليق