
من بين أكثر المسلَّمات رسوخاً في الدراسات التطورية، تلك التي تفترض أن الإنسان هو موضوع البحث الطبيعي لفهم تاريخه. ولذلك انصبت الجهود، منذ نشأة البيولوجيا التطورية، على تتبع المسار الذي قاد إلى ظهور الإنسان، وعلى مقارنة أعضائه الحيوية بأعضاء الكائنات الأخرى، بحثاً عن أوجه التشابه والاختلاف بينها. وقد أثمرت هذه المقاربة معرفة واسعة بالبنية التشريحية، وبالتاريخ الوراثي، وبالعلاقات التطورية التي تربط الإنسان بسائر الكائنات الحية. غير أن السؤال الذي يستحق أن يُطرح اليوم ليس: إلى أي مدى نجحت هذه الدراسات في وصف الإنسان؟ وإنما: هل اختارت، منذ البداية، موضوع البحث الصحيح؟
فقد يكون الخطأ المنهجي الأكبر كامناً في افتراض أن الإنسان، بوصفه كائناً بايولوجياً، هو الظاهرة التي ينبغي تفسيرها. بينما تشير معطيات كثيرة إلى أن ما يحتاج إلى تفسير ليس الإنسان ذاته، بل الظاهرة الإنسانية؛ أي ذلك النمط الفريد من الأداء الذي حوّل جهازاً بايولوجياً شديد الشبه بما سبقه إلى مصدر لظهور اللغة، والفلسفة، والحضارة، والعلوم، والأساطير، والأخلاق، والسياسة، وسائر التجليات التي لم تعرفها الطبيعة من قبل بهذا الشكل.
ومن هنا، فإن هذه المقالة تقترح انتقالاً منهجياً قد يكون أكثر قيمة دلالية ومعرفية من كثير من الخلافات التي دارت حول تفاصيل التاريخ التطوري، وذلك بالانتقال من التركيز على العضو إلى التركيز على الآلية، ومن البحث في البنية إلى البحث في الأداء، ومن دراسة الإنسان بوصفه كائناً إلى دراسة الظاهرة الإنسانية بوصفها حدثاً تطورياً استثنائياً. فإذا كان العضو يجيب عن سؤال: ممَّ يتكوّن الإنسان؟ فإن الآلية هي التي تجيب عن السؤال الأعمق: كيف أصبح يعمل على النحو الذي أنتج العالَم الإنساني كله؟ وربما يكون هذا السؤال الأخير هو المدخل الحقيقي لفهم الإنسان، لا بوصفه حلقة في سلسلة الكائنات الحية فحسب، بل بوصفه ظاهرة تستحق أن يكون لها تاريخها العلمي الخاص.
وقبل الشروع في مناقشة تفاصيل الإنسان، ربما أصبح من الضروري أن نعيد النظر في موضوع البحث نفسه. فالسؤال الذي ورثناه منذ بدايات الفكر التطوري لم يعد بالضرورة هو السؤال الأكثر قدرة على تفسير الوقائع. إذ لعل الخطأ لم يكن في الأجوبة وحدها، بل في اختيار موضوع الدراسة ذاته. فما دامت البيولوجيا التطورية قد انطلقت من الإنسان بوصفه كائناً حياً ضمن سلسلة الكائنات الحية، فقد بدا من الطبيعي أن تركز على تشابه البنية التشريحية، وتسلسل الجينات، والأعضاء، والأنسجة، والأجهزة الحيوية. غير أن هذا التركيز، على قيمته الدلالية البالغة، قد يكون صرف الانتباه عن القضية الأكثر حسماً، وهي الكيفية التي تعمل بها تلك الأعضاء، لا مجرد وجودها. فالإنسان، من الناحية العضوية، لا يمتلك عضواً لا يوجد له نظير في المملكة الحيوانية. فجهازه العصبي هو امتداد لما سبقه، ودماغه أكثر تعقيداً لا أكثر، وعيناه، وأذناه، وقلبه، ورئتاه، وغدده، وسائر أجهزته، كلها تجد نظائرها بدرجات مختلفة عند الحيوانات. ومن هنا تشكل الاعتقاد بأن الإنسان ليس إلا حلقة متقدمة في سلسلة تطورية واحدة، وأن الاختلاف بينه وبين غيره هو اختلاف في الدرجة لا في النوع. غير أن هذا الاستنتاج يفترض، ضمناً، أن العضو هو الوحدة التفسيرية الأساسية. وكأن وجود العضو يكفي لتفسير الظاهرة التي ينتجها. بينما يكشف التدبر في الأداء الفعلي أن العضو الواحد قد يعمل بآليات مختلفة تماماً، بحيث ينتج عالَماً مختلفاً بالكامل، حتى وإن بقيت البنية التشريحية متقاربة إلى حد بعيد؛ فما يميز الطائرة الحديثة عن طائرة سبقتها لا يكون دائماً في شكل الأجنحة أو عدد المحركات، بل كثيراً ما يكون في نظام التحكم الذي يديرها. وقد تبدو الآلتان متشابهتين ظاهرياً، بينما يختلف سلوكهما اختلافاً جذرياً بسبب اختلاف الخوارزمية التي تنظم عملهما. والأمر نفسه ينطبق على الأجهزة الإلكترونية، بل وحتى على الحاسوب ذاته، إذ قد يبقى العتاد (Hardware) ثابتاً، بينما يؤدي اختلاف البرمجيات (Software) إلى نتائج متباينة تماماً.
وهنا تبرز الحاجة إلى الانتقال من دراسة “العضو” إلى دراسة “الآلية”. فالعضو ليس سوى وسيط مادي، أما الآلية فهي طريقة تشغيل ذلك العضو، وكيفية تنظيم وظائفه، والعلاقات التي تربط أجزاءه بعضها ببعض. والظواهر الكبرى لا تتحدد دائماً بما نملكه من أعضاء، وإنما بالكيفية التي تعمل بها تلك الأعضاء.
ومن هذه الزاوية، يصبح السؤال الحقيقي مختلفاً تماماً. فهو لم يعد: كيف تطور دماغ الإنسان؟ وإنما: كيف أصبح هذا الدماغ يعمل بهذه الصورة المختلفة؟ ولم يعد السؤال: كيف ازدادت سعة القشرة المخية؟ بل: ما الذي غيّر منطق تشغيلها حتى أصبحت تنتج اللغة، والأسطورة، والفلسفة، والعلوم، والهوية، والضمير، والقلق الوجودي، والتضحية، والحسد، والشعور بالذنب، وسائر الظواهر التي لا نجد لها نظيراً بالحجم نفسه في بقية الكائنات؟
وهذا التحول في زاوية النظر يقود إلى نتيجة منهجية ذات دلالة معرفية بالغة، وهي أن موضوع البحث لم يعد الإنسان بوصفه كائناً بايولوجياً، وإنما “الظاهرة الإنسانية” بوصفها نمطاً خاصاً من الأداء البايولوجي. فالظاهرة الإنسانية ليست اسماً آخر للإنسان، بل هي المستوى الذي تظهر فيه الخصائص التي جعلت الإنسان يبدو وكأنه خرج عن السياق الطبيعي الذي سبق ظهوره.
ولهذا السبب، فإن المقارنة بين الإنسان والحيوان ينبغي ألا تبدأ من التشريح، وإنما من الأداء. فالحيوان يمتلك ذاكرة، لكن آلية اشتغالها تختلف. ويمتلك إدراكاً، لكن طريقة تنظيمه مختلفة. ويملك وسائل تواصل، لكن بنيتها الوظيفية مختلفة. ويمارس التعلم، واتخاذ القرار، والاستجابة للمؤثرات، غير أن آليات تشغيل هذه القدرات لا تنتج الحضارة، ولا الأساطير، ولا الفلسفات، ولا الاقتصاد، ولا التاريخ، ولا الدولة، ولا الحروب العقائدية، ولا القلق بشأن الموت، ولا البحث عن معنى الوجود.
إن التركيز التقليدي على العضو جعل التشابه التشريحي يبدو الدليل الأقوى على وحدة المسار التطوري. أما التركيز على الآلية، فيكشف أن التشابه البنيوي قد يخفي وراءه اختلافاً وظيفياً بالغ العمق. فليس كل اختلاف جوهري يحتاج إلى عضو جديد، بل يكفي أن تتغير كيفية تشغيل العضو نفسه حتى يولد عالم جديد بأكمله.
ومن هنا، فإن الحديث عن “تطور الإنسان” قد لا يكون التعبير الأدق في المرحلة القادمة من البحث. فالأقرب إلى الدقة أن نتحدث عن “تاريخ الظاهرة الإنسانية”. لأن ما يستحق التفسير ليس مجرد ظهور كائن يحمل صفات تشريحية معينة، وإنما ظهور نمط جديد من الأداء البايولوجي، ترتبت عليه جميع المظاهر التي نسميها اليوم: ثقافة، وسياسة، وأخلاقاً، وعلماً، وفناً، وحضارة. وهذا هو التحول المنهجي الذي تقترحه الميتابايولوجيا. فهي لا تبدأ من السؤال: كيف تطور الإنسان؟ بل من سؤال أكثر تأسيساً: كيف ظهرت الظاهرة الإنسانية؟ لأن الإنسان، من حيث أعضاؤه، لا يمثل قطيعة كبيرة مع ما سبقه، أما من حيث آلية اشتغال منظومته البايولوجية، فإنه يمثل تحولاً نوعياً يستحق أن يكون هو موضوع البحث الحقيقي.
ولعل هذا هو السبب الذي يجعل كثيراً من المناقشات التطورية تدور، منذ أكثر من قرن، في دائرة مغلقة. فهي تبحث عن الفارق في “البنية”، بينما يكمن الفارق الحقيقي في “الأداء”؛ وتفتش عن القطيعة في “العضو”، بينما قد تكون القطيعة كلها كامنة في “الآلية”. وإذا صح ذلك، فإن تاريخ الإنسان لن يكون سوى فصل واحد من تاريخ أوسع بكثير، هو تاريخ الظاهرة الإنسانية نفسها؛ تلك الظاهرة التي لا تُعرَّف بما تمتلكه من أعضاء، بل بما أنتجته من طريقة جديدة في تشغيلها، وهي الطريقة التي غيّرت، للمرة الأولى، مسار الحياة على الأرض.
