هل نحتاج حقاً إلى اللاوعي الجمعي لتفسير تشابه الأساطير؟

من بين أكثر الظواهر التي استوقفت علماء الأنثروبولوجيا المقارنة وعلم النفس الثقافي، ظاهرة التشابه اللافت بين أساطير شعوب لم تكن، بحسب الظاهر، تجمعها وحدة عرقية، ولا حضارية، ولا زمنية. فقصص الطوفان، والبطل المنقذ، والرحلة إلى العالم الآخر، والمعرفة المحرمة، والعهد مع القوى الغيبية، والبحث عن الخلود، تتكرر في حضارات متباعدة إلى درجة دفعت كثيراً من الباحثين إلى الاعتقاد بأن هذا التشابه لا يمكن تفسيره بمجرد المصادفة أو الاتصال الثقافي المحدود.
ولعل أشهر من قدّم تفسيراً لهذه الظاهرة هو عالم النفس السويسري كارل غوستاف يونغ، الذي رأى أن العقل البشري لا يقتصر على لاوعي فردي يخص كل إنسان، بل يشتمل أيضاً على “لاوعي جمعي” (Collective Unconscious)، تتجذر فيه أنماط أولية (Archetypes) مشتركة بين البشر جميعاً. ووفقاً لهذا التصور، فإن الأساطير لا تنتقل بالضرورة من شعب إلى آخر، وإنما تنبع بصورة مستقلة من البنية النفسية العميقة المشتركة للإنسان. وقد كان لهذا التصور أثر بالغ في علم النفس، والأنثروبولوجيا، ودراسات الأديان المقارنة، حتى أصبح عند كثير من الباحثين التفسير الأكثر شيوعاً لتكرار الموضوعات الأسطورية عبر الثقافات.
غير أن السؤال الذي يستحق أن يُطرح في هذا السياق هو: هل نحن مضطرون فعلاً إلى افتراض وجود بنية نفسية جمعية غامضة لتفسير هذا التشابه؟ أم أن تفسيراً تاريخياً أبسط وأكثر قابلية للفحص قد يكون كافياً؟
إن الفرضية البديلة التي يمكن اقتراحها تنطلق من مبدأ مختلف تماماً، وهو أن معظم الأساطير لا تمثل بدايات مستقلة ومتزامنة، وإنما تعود في أصلها إلى عدد محدود من الروايات والأحداث والأفكار التي انتقلت عبر آلاف السنين بين الشعوب، ثم أعادت كل حضارة تشكيلها بما ينسجم مع لغتها وعقائدها وخيالها. فالتاريخ الإنساني لم يكن تاريخ جزر معزولة، بل كان تاريخ هجرات، وتجارة، وحروب، وفتوحات، وسبي، وترجمات، وتلاقح حضاري مستمر. وما أن تستقر قصة في ثقافة جديدة حتى تبدأ عملية إعادة إنتاجها، فتتغير أسماؤها، وتتبدل شخصياتها، وتضاف إليها عناصر جديدة، حتى يبدو للناظر بعد قرون أنها قصة مختلفة تماماً، مع أنها ليست سوى صورة متحورة لرواية أقدم.
ولعل علم اللغة يقدم مثالاً بالغ الدلالة على إمكان حدوث مثل هذا الأمر. فاللغات التي تبدو اليوم متباعدة إلى حد كبير يمكن، في كثير من الحالات، إرجاعها إلى عدد محدود من الأسر اللغوية الكبرى، بل أن كل أسرة منها تعود إلى جذور أقل عدداً. إن اختلاف اللغات لا يعني أنها نشأت جميعاً مستقلة، بل أن كثيراً منها هو نتيجة تاريخ طويل من الانقسام والتطور والتحول. وإذا كان هذا ممكناً في اللغات، فلماذا لا يكون ممكناً في الأساطير أيضاً؟ بل أن الأمر قد يكون أوضح في الروايات الثقافية، لأن انتقال القصة بين الشعوب أسهل بكثير من انتقال اللغة نفسها. فالرواية تستطيع أن تعبر الحدود مع تاجر، أو أسير، أو مهاجر، أو داعية، أو كتاب، ثم تبدأ بعد ذلك رحلة جديدة من إعادة الصياغة. ومن هنا فإن التشابه بين الأساطير قد يكون دليلاً على وحدة الذاكرة الحضارية أكثر مما هو دليل على وحدة البنية النفسية العميقة.
وثمة ملاحظة أخرى لا تقل قيمة دلالية، وهي أننا لا ينبغي أن نفترض أن الأصل الذي تنحدر منه الأسطورة كان أسطورة هو الآخر. فكثير من الوقائع التاريخية، مع مرور الزمن، تتحول إلى روايات، ثم إلى حكايات، ثم إلى أساطير، بعد أن تتعرض لعمليات متعاقبة من الإضافة والحذف وإعادة التأويل. ومن ثم فإن الأصل المشترك لا يشترط أن يكون خيالاً، بل قد يكون حدثاً حقيقياً أعادت الذاكرة الإنسانية تشكيله عبر القرون.
ولعل من الأمثلة التي تستحق التأمل في هذا السياق قصة المَلَكين هاروت وماروت الواردة في القرآن الكريم. فالقرآن يعرضها بوصفها حادثة وقعت بالفعل، وإن كان بعض المفسرين قد فهم بعض عناصرها على نحو رمزي أو مجازي. وفي جميع الأحوال، فإن النص القرآني يربطها بتعليم السحر وغير ذلك من علوم غير بشرية، وبالابتلاء، وباختبار الإنسان، ويحذر من الثمن الأخروي الباهظ لمن يسلك هذا الطريق، إذ يقول تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾ (البقرة: من 102). ومن اللافت أن هذا المعنى يقترب، في بنيته العامة، من الفكرة التي أصبحت فيما بعد محور أسطورة الدكتور فاوست، ذلك الرجل الذي يقال إنه باع روحه للشيطان مقابل الحصول على المعرفة والقدرة وتحقيق رغباته.
ولا يلزم من هذا التشابه الجزم بوجود علاقة تاريخية مباشرة بين النص القرآني والأسطورة الأوروبية، كما لا يكفي وحده لإثبات مسار انتقال بعينه، لأن مثل هذا الادعاء يحتاج إلى دراسة تاريخية مستقلة تتبع النصوص وطرق انتقالها. غير أن التشابه يظل مثالاً صالحاً لإيضاح الكيفية التي يمكن بها أن تتحول فكرة واحدة، عبر قرون من التداول الثقافي وإعادة الصياغة، إلى روايات متعددة تختلف في تفاصيلها بينما تحتفظ ببنيتها الأساسية.
وعلى هذا الأساس، فإن تشابه الأساطير قد لا يكون شاهداً على أن العقل البشري يعيد إنتاج القصص نفسها بصورة مستقلة، بل على أن التاريخ الإنساني يعيد إنتاج الروايات نفسها في صور جديدة. والفارق بين التفسيرين هو فارق جوهري. ففرضية اللاوعي الجمعي تجعل التشابه نتيجة لبنية نفسية ثابتة مشتركة بين البشر، في حين تجعل فرضية الذاكرة الحضارية التشابه نتيجة لمسار طويل من الانتقال الثقافي، والتلاقح الحضاري، وإعادة التأويل. وربما لا تكون الحقيقة منحصرة بالكامل في أحد التفسيرين دون الآخر، غير أن التوسع الكبير الذي كشفت عنه الدراسات التاريخية واللغوية والأثرية في طرق انتقال الأفكار بين الحضارات يجعل فرضية الأصل التاريخي المشترك “أكثر اقتصاداً” من الناحية المنهجية، لأنها لا تضطر إلى افتراض كيان نفسي عالَمي ما دام بالإمكان تفسير الظاهرة بآليات تاريخية قابلة للدراسة والتتبع.
ولعل هذا يدعونا إلى إعادة النظر في كثير من الأساطير العالمية، لا بوصفها اختراعات مستقلة لعقول متباعدة، وإنما بوصفها فروعاً لشجرة سردية واحدة، تفرعت أغصانها عبر الأزمنة، حتى بدا كل غصن وكأنه شجرة مستقلة، مع أن جذورها قد تكون واحدة.

أضف تعليق