الإنسان الذي لم يكن ينبغي للطبيعة أن تنتجه

من بين جميع النتائج التي يمكن أن يخرج بها القارئ بعد تدبر سلسلة المقالات التي عرضت فرضية الميتابايولوجيا ومحاورها المختلفة، ربما لا توجد نتيجة أكثر اتساقًا مع مقدماتها من النتيجة الآتية: إن الإنسان، بالمواصفات التي نعرفها اليوم، ليس كائناً كان يمكن لقوانين الطبيعة، إذا بقيت تعمل ضمن منطقها الداخلي المعروف، أن تنتجه مهما امتد بها الزمن. فهذه النتيجة ليست دعوى مستقلة تحتاج إلى برهان جديد، وإنما هي الخلاصة المنطقية التي تفرضها تلك المقدمات إذا نُظر إليها بوصفها منظومة واحدة مترابطة. فلقد اعتدنا، منذ نشأة الفكر التطوري الحديث، أن نفترض أن الزمن قادر على صنع كل شيء. فإذا استحال تفسير ظاهرة ما، قيل إن ملايين السنين كفيلة بإنتاجها. وكأن الزمن أصبح تفسيرًا قائمًا بذاته، لا مجرد إطار تقع فيه الأحداث، غير أن الزمن، مهما طال، لا يغيّر طبيعة القوانين التي يعمل في ظلها. فالزمن لا يبدل منطق الجاذبية، ولا يعيد تعريف قوانين الكيمياء، ولا يجعل النظام الذي يعمل وفق قواعد معينة ينتج نتائج تُناقض تلك القواعد. وإذا كانت قوانين الطبيعة تعمل وفق مبدأ ثابت من الانضباط والاقتصاد والكفاءة، فإن امتداد الزمن لا يمنحها حرية إنتاج ما يناقض هذا المنطق.
لقد حاولت الميتابايولوجيا، عبر تتبع التاريخ التطوري منذ بدايات الحياة الأولى، أن تقرأ هذا التاريخ بوصفه تاريخًا لا للتعقيد وحده، بل أيضًا للكفاءة البايولوجية. فكل خطوة تطورية ناجحة كانت، في جوهرها، تعبيرًا عن قدرة النظام الحيوي على تحقيق أداء أفضل بأقل كلفة ممكنة، وبأعلى درجات الاستقرار والاقتصاد. وهذا ما أطلقت عليه الميتابايولوجيا اسم قانون اقتصاد الطبيعة، الذي لا يُنظر إليه بوصفه قانونًا فيزيائيًا مستقلًا، بل بوصفه مبدأً تفسيريًا يحاول تلخيص السمة العامة التي تبدو حاضرة في مسار التطور الطبيعي. وعندما يُقرأ الإنسان في ضوء هذا المبدأ، تظهر مفارقة يصعب تجاهلها داخل هذا الإطار النظري. فالإنسان ليس مجرد كائن أكثر تعقيدًا، وإنما كائن يحمل في بنيته خصائص تبدو، بحسب هذا التصور، مناقضة لما كان التاريخ الطبيعي يسير نحوه. فبدلًا من تقليل احتمالات الخلل، ازداد تعرضه لها. وبدلًا من تعظيم الاستقرار الداخلي، أصبح أكثر الكائنات عرضة للاضطراب النفسي والوجودي. وبدلًا من أن يؤدي تطوره إلى ترشيد الطاقة السلوكية، صار ينفق قدرًا هائلًا من طاقته في صراعات رمزية وعقائدية وثقافية لا يعرف لها العالم الحيواني نظيرًا. ولم يكن هذا كله مجرد استثناءات متفرقة، بل تجلّى، وفق فرضية الميتابايولوجيا، في ثلاثة أنماط كبرى أُطلق عليها اسم الفوائض الثلاث: فائض التمثل، وفائض العدوان، وفائض الجنس. وهذه الفوائض لا تصف سلوكيات عابرة، وإنما تشير إلى أن الإنسان أصبح ينتج من المعاني والرغبات والصراعات أكثر بكثير مما يحتاج إليه بقاؤه البايولوجي. ومن هنا فإن المشكلة لا تكمن في وجود هذه الظواهر، بل في طبيعتها الفائضة عن مقتضيات الاقتصاد الطبيعي ذاته.
إن التاريخ المدون للإنسان يقدم، في هذا السياق، مادة يصعب تجاهلها. فمنذ أقدم الحضارات المعروفة وحتى عصر الذكاء الاصطناعي، لا يكاد التاريخ يخلو من الحروب، والأساطير، والصراعات العقائدية، والهويات المتنازعة، والأنظمة الرمزية، والفلسفات، والإيديولوجيات، والقلق الوجودي، والبحث الدائم عن المعنى، وإنتاج أدوات للهيمنة لا حدود لها. وكلها، بحسب هذا التصور، ليست حوادث منفصلة، بل مظاهر متعددة لبنية واحدة.
أما ما قبل التاريخ المدون، فإن معرفتنا به لا تزال تعتمد على بقايا مادية متناثرة: عظام، وأدوات حجرية، ورسومات، وآثار استيطان. وهذه الشواهد، على قيمتها الدلالية البالغة، لا تستطيع أن تكشف لنا العالم التمثلي الداخلي الذي عاشه أولئك البشر، ولا مقدار ما كانوا يحملونه من فائض في المعنى أو العدوان أو الجنس. ولهذا فإن تحديد اللحظة التي ظهر فيها الإنسان بالمعنى الذي نقصده هنا لا يمكن أن يعتمد على شكل الجمجمة أو حجم الدماغ وحدهما، بل يحتاج إلى ظهور تلك التجليات التي تعكس البنية الإنسانية كما نعرفها اليوم.
ومن هنا يصبح السؤال الحقيقي مختلفًا تمامًا. فهو ليس: متى ظهر الإنسان؟ بل: متى ظهرت الظاهرة الإنسانية التي نعرفها؟ ومتى أصبح هذا الكائن ينتج ذلك الفائض الهائل الذي لا يبدو ضرورياً لبقائه البايولوجي؟ إن هذا هو السؤال الذي قد يكون أكثر قدرة على إعادة تنظيم البحث في بدايات الإنسان من كثير من الأسئلة التقليدية.
وعند هذه النقطة تبلغ الميتابايولوجيا نتيجتها المركزية. فإذا كان التاريخ الطبيعي كله يشير إلى مسار يتسم بالكفاءة والاقتصاد والاستقرار، وإذا كان الإنسان يمثل، في المقابل، خروجًا واسع النطاق على هذه السمات من خلال فوائضه الثلاث، فإن افتراض كونه امتدادًا طبيعيًا مباشرًا لذلك المسار يصبح، ضمن هذا الإطار النظري، افتراضًا يحتاج إلى تفسير إضافي، وليس مسلمة يمكن التسليم بها ابتداءً. ولذلك فإن القضية لم تعد تتعلق بطول الزمن، ولا بعدد الحلقات الانتقالية، ولا حتى بوجود أشباه الإنسان الذين تصنفهم العلوم الحديثة تحت البادئةHomo . فالسؤال الذي تطرحه الميتابايولوجيا لا يدور حول التشابه التشريحي، وإنما حول القطيعة الوظيفية والمعرفية التي أنتجت الكائن الوحيد المعروف الذي يعيش داخل عالم من المعاني أكثر مما يعيش داخل عالم الطبيعة.
ومن هنا تنتهي هذه السلسلة من الاستدلالات إلى نتيجة واحدة مفادها أن الإنسان الذي نعرفه ليس مجرد حيوان أكثر ذكاءً، ولا مجرد حلقة متقدمة في سلسلة تطورية متصلة، ولكنه يمثل، بحسب فرضية الميتابايولوجيا، ظاهرة استثنائية لا يمكن فهمها بمجرد تمديد الخط التطوري السابق. وإذا كانت هذه النتيجة صحيحة، فإن السؤال الذي سيواجه علوم الإنسان الآن وفي المستقبل لن يكون: كيف أنتجت الطبيعة الإنسان؟ بل: ما الذي حدث حتى ظهر كائن يبدو، في أهم خصائصه، وكأنه تجاوز المنطق الذي حكم التاريخ الطبيعي قبله؟

أضف تعليق