الحياد المعرفي الإيجابي… لماذا تكون عبارة “لا أعرف” أحياناً أصدق نتائج العقل؟

من بين أكثر الأخطاء رسوخاً في تاريخ الفكر الإنساني، ذلك الاعتقاد الضمني بأن كل سؤال ينبغي أن تكون له إجابة، وأن العقل لا يكتمل إلا إذا حسم موقفه من كل قضية تعرض عليه. ولذلك نادراً ما اكتفى الإنسان بالقول: “لا أعلم”. بل كثيراً ما فضّل أن يبني نظرية ناقصة على أن يعترف بحدود معرفته، أو أن يبتكر تفسيراً مؤقتاً على أن يترك السؤال معلقاً. وهكذا تحولت الرغبة في امتلاك الجواب إلى واحدة من أهم القوى التي دفعت الفلسفات والمذاهب والمدارس الفكرية إلى إنتاج يقينيات لم تكن الأدلة كافية لتبريرها.
غير أن السؤال الذي يستحق أن يُطرح اليوم هو ليس: هل ينبغي أن نسعى إلى معرفة كل شيء؟ وإنما: هل يملك العقل دائماً الحق الإبستمولوجي في إصدار حكم نهائي؟
إن المنهج العلمي، في صورته المثالية، لا يمنح العقل هذا الحق إلا إذا توفرت الشروط التي تجعل الحكم قابلاً للتبرير. أما إذا غابت تلك الشروط، فإن الامتناع عن إصدار الحكم لا يكون نقصاً في المعرفة، وإنما يصبح هو الموقف المعرفي الصحيح. فليس كل سؤال يسمح بطبيعته بالحسم. فهناك مسائل قد تمنع طبيعتها الأنطولوجية الوصول إلى جواب قاطع، كما قد توجد مسائل أخرى يكون العجز فيها ناتجاً عن حدود أدواتنا الإدراكية والمنهجية، لا عن طبيعة الموضوع نفسه. وفي كلتا الحالتين يغدو القطع بالإثبات أو النفي تجاوزاً لما تسمح به الأدلة.
ومن هنا يمكن التمييز بين نوعين من العجز المعرفي.
الأول هو العجز الأنطولوجي، حين يكون موضوع البحث نفسه متجاوزاً لنطاق الوسائل التي يمكن للإنسان أن يتحقق بها من وجوده أو عدم وجوده، بحيث يصبح الوصول إلى اليقين أمراً قد لا يكون ممكناً من حيث المبدأ.
أما الثاني فهو العجز الإبستمولوجي، حين يكون موضوع البحث قابلاً، من حيث المبدأ، للمعرفة، ولكن الإنسان لا يمتلك بعد الوسائل أو المناهج أو المعطيات التي تمكنه من حسمه.
وفي كلتا الحالتين لا يكون العقل مخيراً بين الإثبات والنفي، وإنما يكون ملزماً بخيار ثالث هو الحياد.
ولعل هذا ما يمكن التعبير عنه بمفهوم “معامل الحياد الإبستمولوجي”. فكلما ارتفع هذا المعامل، ضعفت مشروعية إصدار الأحكام القطعية. وليس المقصود بذلك أن جميع الآراء تصبح متساوية في القيمة، وإنما أن الدليل المتاح لا يمنح أياً منها حق الادعاء بأنه يمثل الحقيقة النهائية.
ومن هنا فإن عبارة “لا نعرف” ليست إعلاناً للهزيمة، وإنما هي إعلان عن احترام الحدود التي يرسمها الدليل. إنها ليست نهاية للبحث، بل حماية للبحث من أن يتحول إلى يقين زائف.
ولو أن الفكر الإنساني التزم بهذا المبدأ منذ بداياته، لربما انتهى كثير من الجدل الفلسفي قبل أن يبدأ. فكم من قضية استهلكت آلاف الكتب، وأنتجت عشرات المدارس، وأشعلت صراعات فكرية ودينية طويلة، مع أنها كانت منذ البداية تفتقر إلى الشروط التي تسمح بحسمها. ولو أن أصحابها اكتفوا بالقول: “لا نعرف”، لانتقلت الجهود الفكرية إلى قضايا أكثر قابلية للفهم والاختبار. وليس المقصود من ذلك الدعوة إلى إغلاق هذه الملفات نهائياً، وإنما نقلها إلى ما يشبه “الرف الإبستمولوجي”، حيث تبقى موضوعات مشروعة للتأمل والبحث، ولكن من دون أن تتحول إلى يقينيات تُبنى عليها فلسفات كاملة، أو مذاهب عقدية، أو أحكام نهائية على العالم والإنسان.
ولعل أكثر ما يحتاج إليه العقل المعاصر هو هذا النوع من التواضع المعرفي. فالتاريخ يعلمنا أن كثيراً من المسائل التي كانت تبدو محسومة أصبحت لاحقاً موضع مراجعة، كما أن كثيراً من القضايا التي ظُن أنها مستحيلة أصبحت مع تطور المعرفة ممكنة الفهم. ولذلك فإن الاعتراف بعدم المعرفة لا يغلق الباب أمام المستقبل، بل يتركه مفتوحاً أمام ما قد تكشفه أدوات أكثر تقدماً، أو مناهج أكثر نضجاً.
ومن هنا فإن المسؤولية الإبستمولوجية لا تتمثل في كثرة الأجوبة، وإنما في معرفة متى يجوز إصدار الحكم، ومتى يصبح الامتناع عن الحكم هو الحكم الأكثر علمية.
ولعل من المفارقات اللافتة أن هذا الموقف الذي بدأت الإبستمولوجيا المعاصرة تقترب منه في كثير من مباحثها، قد عبّرت عنه، قبل ذلك، إحدى الطرق الصوفية الإسلامية، وهي الطريقة الكسنزانية، التي اشتُق اسمها من عبارة باللغة الكردية تعني: “لا أحد يعلم”. ولم يكن المقصود من هذه العبارة الدعوة إلى إنكار المعرفة، ولا إلى الشك الدائم، وإنما التذكير بحقيقة معرفية عميقة مؤداها أن الإنسان، بحكم محدودية حواسه، وحدود قدراته العقلية، والطبيعة الأنطولوجية للعالم الذي يعيش فيه، سيبقى أمام عدد كبير من القضايا عاجزاً عن إصدار حكم نهائي بشأنها. فعبارة “لا أحد يعلم” لا تعني أن الحقيقة غير موجودة، وإنما تعني أن الطريق إليها قد يكون خارج حدود الإمكان البشري في تلك المسألة بعينها. ولذلك فإن أكثر المواقف اتساقاً مع المنهج العلمي ليس أن نزعم ما لا نستطيع إثباته، ولا أن ننكر ما لا نستطيع نفيه، وإنما أن نعترف بأننا لا نملك، في تلك اللحظة، ما يبرر أحد الحُكمين.
وهكذا يصبح “لا نعرف” ليس شعاراً للعجز، بل عنواناً للنضج المعرفي. فالعقل المسؤول ليس هو الذي يمتلك جواباً عن كل سؤال، وإنما الذي يعرف الحدود التي ينبغي ألا يتجاوزها. وربما كانت أعظم علامة على نضج الحضارة الإنسانية هي اليوم الذي يصبح فيه الاعتراف بالجهل فضيلةً علمية، لا نقيصةً فكرية، ويصبح الحياد المعرفي الإيجابي موقفاً إبستمولوجياً معترفاً به، لا فراغاً ينبغي ملؤه بأي يقين متعجل.

أضف تعليق