العوامل المجهولة… بعضٌ مما فات الإنسان أن يدركه

من بين أكثر الأخطاء رسوخاً في تاريخ التفكير الإنساني، ذلك الميل إلى تفسير الظواهر بما يظهر منها للعيان، مع إغفال ما يجعل ظهورها ممكناً من الأصل. فالإنسان، بطبيعته، يلتفت إلى العناصر التي يراها، ويمنحها الدور الرئيس في تفسير الأحداث، بينما تمر أمامه عوامل أخرى، قد تكون أكثر حسماً، من غير أن يلحظها، لأنها لا تسترعي انتباهه، أو لأنها تؤدي وظيفتها بصمت كامل. ولعل هذا هو أحد الأسباب التي تجعل كثيراً من تفسيراتنا للواقع تفسيرات ناقصة، لا لأنها خاطئة بالضرورة، بل لأنها لم تُحسن اختيار جميع أطراف المعادلة. إننا كثيراً ما نتذكر الغابة كما رأيناها في وضح النهار، فنصف أشجارها وألوانها ومسالكها وظلالها، لكننا نادراً ما نتوقف عند حقيقة بسيطة، وهي أن ضوء النهار نفسه كان أحد أهم العوامل التي صنعت تلك الصورة كلها. فلو أزيل الضوء، لما بقيت الغابة التي نحفظها في ذاكرتنا. إنها ستبقى هي نفسها من حيث الأشجار والصخور والأرض، لكنها لن تبقى الغابة التي عرفناها. ومع ذلك، لا يكاد أحد يضع ضوء النهار ضمن العناصر التي كوّنت تلك التجربة. لقد كان شرطاً ضرورياً، لكنه ظل عاملاً مجهولاً، لا لأنه مجهول في ذاته، بل لأن حضوره الدائم جعله غير مرئي في وعينا. وهذه الظاهرة لا تقتصر على الطبيعة، بل تمتد إلى المجتمع والحضارة والإنسان نفسه. فنحن ننظر إلى المدن الحديثة، وإلى الجامعات، والمستشفيات، والمصانع، والأسواق، وشبكات الاتصال، فننسب استمرار الحضارة إلى التقدم العلمي والتقني وحده، بينما يغيب عن أذهاننا أن كل ذلك يقوم فوق شرط سابق لا يقل ضرورة عنه، هو وجود نظام عام يحمي المجتمع من الانهيار. فقوات إنفاذ القانون، وأجهزة الأمن، والقضاء، والمنظومة التي تضمن احترام الحقوق والواجبات، ليست مجرد مؤسسات إدارية مرافقة للحضارة، بل هي من الشروط التي تجعل الحضارة نفسها قابلة للاستمرار. ولو غابت هذه الشروط زمناً كافياً، لتحولت أكثر المدن تقدماً إلى فضاءات للفوضى، ولما استطاعت التقنية نفسها أن تحافظ على وجودها. ومع ذلك، فإن الإنسان كثيراً ما يحتفي بمنجزات الحضارة، وينسى العامل الصامت الذي يحرس إمكان قيامها.
والأمر نفسه يصدق على العلاقات الإنسانية. فكثيراً ما يُقال إن الحب وحده يكفي لبناء العلاقة، وإن المشاعر هي التي تحفظها. غير أن التجربة الإنسانية تكشف شيئاً مختلفاً. فالحب، مهما بلغ من العمق، لا يعيش في الفراغ، بل يحتاج إلى نظام من السلوك يحميه. فالصدق، والاحترام، والوفاء، وضبط الانفعال، وحفظ الكرامة، والعدل، وحسن الظن، والرحمة، ليست إضافات تجميلية للعلاقة، بل هي البنية التي تسمح للحب بأن يستمر. وما إن يُخلَّ بجزء جوهري من هذا النظام، حتى يبدأ الحب نفسه بالتآكل، وقد يختفي تماماً. ومن هنا، فإن ما يحفظ الحب ليس الحب وحده، وإنما ذلك “النظام السلوكي” الذي يعمل في الخلفية بصمت، حتى يكاد الإنسان ينسى وجوده.
وليس من الصعب العثور على أمثلة أخرى. فالصحة لا تقوم على الدواء وحده، بل على مئات العمليات الحيوية التي لا يشعر بها الإنسان إلا إذا تعطلت. والاقتصاد لا يقوم على الأموال وحدها، بل على الثقة التي تجعل الناس يقبلون التعامل بها. واللغة لا تقوم على الكلمات وحدها، بل على قواعد مشتركة يلتزم بها المتحدثون من غير أن يفكروا فيها أثناء الكلام. بل إن التفكير نفسه لا يقوم على المعلومات وحدها، وإنما على عدد هائل من المسلمات الإدراكية والمنطقية التي يعمل العقل من خلالها من غير أن يلتفت إليها.
ولعل المفارقة الكبرى هي أن أكثر العوامل تأثيراً في الواقع ليست دائماً أكثرها حضوراً في وعينا. فكثير من الشروط الأساسية يختفي خلف نجاحه المستمر. فهو لا يلفت الانتباه إلا عندما يغيب. إننا لا نفكر في الكهرباء إلا إذا انقطعت، ولا في الأمن إلا إذا فقدناه، ولا في الثقة إلا إذا انهارت، ولا في النظام إلا إذا سادت الفوضى. وكأن العقل البشري لا يعترف بكثير من العوامل إلا بعد أن تتوقف عن أداء وظيفتها.
ومن هنا، قد يكون من الضروري أن نعيد النظر في الكيفية التي نفهم بها الأحداث والظواهر. فليس كل ما يفسر الظاهرة جزءاً مرئياً منها، وليس كل ما يصنع النتيجة يظهر داخل النتيجة نفسها. ولعل كثيراً من أخطاء الإنسان المعرفية نشأت من اعتقاده أن ما يراه هو كل ما ينبغي تفسيره، مع أن الواقع كثيراً ما يعتمد على شبكة واسعة من الشروط الصامتة التي لا تقل ضرورة عن العناصر الظاهرة، بل قد تكون هي الأساس الذي يقوم عليه كل شيء. إن إعادة الاعتبار للعوامل المجهولة لا تعني الدعوة إلى الغموض، ولا إلى تفسير الظواهر بما لا دليل عليه، وإنما تعني توسيع أفق البحث العلمي ليشمل كل ما يجعل الظاهرة ممكنة، سواء أكان ظاهراً أم خفياً، مباشراً أم غير مباشر. فالتفسير العلمي الرصين لا يكتفي بإحصاء ما يراه، وإنما يبحث أيضاً عما يسمح لذلك المرئي بأن يوجد ويعمل ويستمر.
ولعل إحدى علامات النضج المعرفي ليست كثرة ما نعرفه، بل إدراكنا أن ما لا ننتبه إليه قد يكون، في أحيان كثيرة، أكثر تأثيراً مما ننتبه إليه. فالواقع لا تصنعه العناصر الصاخبة وحدها، وإنما تصنعه أيضاً تلك العوامل الصامتة التي تعمل في الخلفية، والتي لا نكاد نشعر بها إلا بعد أن تختفي. وربما كان كثير مما فات الإنسان أن يدركه لا يتعلق بما كان يجهله، بل بما كان يراه كل يوم، حتى ألفه، فلم يعد يراه.

أضف تعليق