
من بين أكثر المعايير التي يعتمدها المهندسون عند تقييم كفاءة أي جهاز، معيار قد يبدو بسيطاً، لكنه يكشف عن حقيقة النظام أكثر من كثير من المؤشرات الأخرى، وهو مقدار الطاقة التي يهدرها أثناء عمله. فالجهاز المثالي ليس هو الذي ينتج أكبر قدر من الطاقة، ولا الذي يستطيع ان يؤدي أكبر عدد من الوظائف، وإنما هو الذي ينجز ما صُمم من أجله بأقل قدر ممكن من الاستهلاك غير الضروري. ولذلك فإن ارتفاع كفاءة أي نظام يقترن، في الغالب، بانخفاض الفاقد من الطاقة، وبقدرته على توجيه معظم موارده نحو أداء وظيفته الأساسية. غير أن السؤال الذي يستحق أن يُطرح هو: هل ينطبق هذا المبدأ على الأجهزة البايولوجية أيضاً؟ وإذا كان كذلك، فأي الجهازين أقرب إلى هذا النموذج: الجهاز الحيواني أم الجهاز البشري؟
إن الحياة البايولوجية كلها تقوم على اقتصاد دقيق للطاقة. فكل سعرة حرارية يحصل عليها الكائن الحي تمثل مورداً ثميناً ينبغي توجيهه بعناية إلى النمو والحركة والدفاع والتناسل والمحافظة على التوازن الداخلي. ولذلك عملت قوانين الطبيعة، عبر تاريخ الحياة الطويل، على ترجيح الأنظمة التي تحسن إدارة مواردها، وتجنب استنزافها في عمليات لا تحقق منفعة مباشرة لبقاء الفرد أو النوع. فعندما ننظر إلى الحيوان من هذه الزاوية، نجد أن جهازه الحيوي يقترب بدرجة لافتة من هذا النموذج. فهو لا يتحرك إلا لحاجة، ولا يقاتل إلا لسبب، ولا يهرب إلا من خطر، ولا يستهلك موارده النفسية والعصبية إلا عندما تفرض البيئة ذلك. فإذا انتهى السبب، عاد الجهاز تدريجياً إلى حالة الاتزان، واستأنف توجيه طاقته نحو الوظائف الطبيعية التي يقوم عليها بقاؤه. فالحيوان لا يقضي أياماً وهو يعيد في ذهنه معركة انتهت، ولا يظل مُستَنزَفاً بسبب كلمة سمعها، ولا يعيش سنوات تحت وطأة موقف تعرض له في الماضي، ولا يبني في خياله آلاف السيناريوهات التي قد لا تقع أبداً. إنه يستجيب للواقع عندما يكون الواقع حاضراً، ثم يغادره عندما يغادره الواقع. أما الإنسان، فإن الصورة تختلف اختلافاً جذرياً. فالجهاز البشري لا يستهلك طاقته في التعامل مع العالم الخارجي وحده، بل يستهلك قسماً كبيراً منها في عالم داخلي لا يقل ازدحاماً عن الواقع، وربما تجاوزه تعقيداً. فهو يعيد استحضار الماضي، ويتوقع المستقبل، ويجادل نفسه، ويخوض حوارات لا تنتهي، ويعيد تفسير ما حدث، ويتخيل ما يمكن أن يحدث، ويقارن نفسه بالآخرين، ويعيش صراعات مستمرة بين الرغبة والواجب، وبين الطموح والخوف، وبين الواقع والصورة التي يريد أن يكون عليها. وليس المقصود أن هذه العمليات كلها عديمة الفائدة، فبعضها يمثل جزءاً من القدرات التي منحت الإنسان إمكانات غير مسبوقة. ولكن المشكلة تكمن في أن جزءاً كبيراً منها يتحول إلى استنزاف دائم للطاقة الحيوية، دون أن يقابله مردود وظيفي يعادل هذا الاستنزاف. فالقلق المزمن، على سبيل المثال، يستهلك الجهاز العصبي والهرموني ساعات طويلة، مع أن الخطر الذي يخشاه الإنسان قد لا يقع أبداً. والاجترار الذهني يعيد تشغيل الاستجابة الانفعالية نفسها مرات لا تحصى، مع أن الحدث قد انتهى منذ زمن. والحسد، والغيرة، وتأنيب الضمير، والخوف من نظرة الآخرين، والانشغال بالمكانة الاجتماعية، والخصومات الممتدة، كلها حالات تستهلك قدراً كبيراً من الموارد الحيوية، من غير أن تضيف شيئاً إلى قدرة الجهاز على أداء وظائفه الأساسية.
ولو أمكن قياس مقدار الطاقة التي ينفقها الإنسان يومياً في مثل هذه العمليات، لوجدنا أنها تمثل نسبة هائلة من موارده النفسية والعصبية. وهي طاقة لا تُستثمر في الحركة، أو البناء، أو التعلم، أو حماية الجسم، وإنما تُستهلك في دوائر داخلية قد تستمر سنوات كاملة دون أن تنتج حلاً أو تغير واقعاً.
ومن هنا، يبدو الحيوان أكثر وفاءً لمبدأ اقتصاد الطاقة الذي تقوم عليه الأنظمة البايولوجية. فهو لا يدخل في صراعات داخلية طويلة، ولا يحمل أعباءً نفسية تتجاوز الحاجة التي أوجدتها، ولا يسمح لانفعال عابر بأن يتحول إلى حالة تشغيل دائمة تستنزف جهازه الحيوي. ولا يقتصر الأمر على الفرد وحده، بل يمتد إلى النوع أيضاً. فالنوع الحيواني لا يحتاج إلى أن يستهلك أفراده جزءاً كبيراً من طاقتهم في تنظيم علاقاتهم من خلال مؤسسات معقدة، أو في معالجة آثار صراعات نفسية واجتماعية متراكمة. أما الإنسان، فقد اضطر إلى بناء منظومات تربوية، وقانونية، وأخلاقية، وعلاجية، لأن جهازه الحيوي لم يعد قادراً، في كثير من الأحيان، على المحافظة على اتزانه تلقائياً.
ومن هنا، فإن مقدار الطاقة التي يهدرها الجهاز البايولوجي ينبغي أن يكون أحد أهم معايير الحكم على درجة كماله. فالنظام الذي ينجز وظائفه مع أقل قدر من الفاقد، أقرب إلى المثالية من نظام يحتاج إلى استنزاف دائم لموارده حتى يحافظ على الحد الأدنى من استقراره.
ولعل هذا يدفعنا إلى إعادة النظر في واحدة من أكثر المسلمات رسوخاً في فهم الإنسان. فقد اعتدنا أن نعد كثرة النشاط العقلي دليلاً على التفوق، مع أن جزءاً كبيراً من هذا النشاط لا يمثل إنتاجاً معرفياً، وإنما يمثل استنزافاً تشغيلياً مستمراً. والفرق بين الأمرين كبير؛ فالإبداع استثمار للطاقة، أما الاجترار فهو هدر لها، والتأمل البنّاء بناءٌ للجهاز، أما الصراع الداخلي الذي لا ينتهي فهو استهلاك مستمر لموارده.
ومن هنا، فإن المقارنة بين الإنسان والحيوان لا ينبغي أن تقتصر على ما يستطيع كل منهما أن يفعله، وإنما ينبغي أن تمتد إلى مقدار الطاقة التي يحتاجها كل جهاز لكي يؤدي وظائفه. وعندئذ قد نجد أنفسنا أمام نتيجة مغايرة للمألوف؛ فالحيوان، بوصفه جهازاً بايولوجياً، يبدو أقرب إلى المثالية لأنه يوجه معظم طاقته نحو ما خُلق من أجله، بينما أصبح الإنسان يستهلك جانباً كبيراً من موارده في صراعات داخلية، وتمثلات ذهنية، وأعباء نفسية، لا تزيد من كفاءته التشغيلية بقدر ما تكشف عن هشاشته. وربما كان هذا أحد أهم الفروق بين الجهازين؛ فالحيوان لا يملك من القدرات إلا ما يحتاج إليه تقريباً، ولذلك لا يكاد يهدر شيئاً من طاقته خارج وظائفه الأساسية. أما الإنسان، فلقد امتلك قدرات هائلة، لكنه أصبح يدفع ثمنها في صورة “فاقد تشغيلي” متزايد، حتى غدا هدر الطاقة الحيوية واحداً من أبرز سمات الظاهرة الإنسانية نفسها.
