نحو تفسير بايولوجي (جيني) لانتقال المعاناة من الآباء الى الأبناء



من بين أكثر الظواهر الإنسانية إثارةً للحيرة، تلك التي تجعل الإنسان يعاني من آلام لم يكن هو من عاشها، وإنما عاشها من سبقوه. فكثيراً ما نلتقي بأشخاص نشؤوا في ظروف مستقرة، ولم يعرفوا الحروب، أو المجاعات، أو الاضطهاد، أو النزوح، أو الفقر المدقع، ومع ذلك تبدو في شخصياتهم آثار خوف مزمن، أو شعور دائم بالتهديد، أو قلق مفرط، أو انعدام للثقة، وكأنهم يحملون في داخلهم ذاكرةً لمعاناة لم يشهدوها بأعينهم.
غير أن السؤال الذي يستحق أن يُطرح اليوم هو ليس: هل تنتقل آثار المعاناة بين الأجيال؟ فهذا أمر أصبح يحظى باهتمام متزايد في علم النفس والاجتماع والطب. وإنما السؤال الأعمق هو: كيف تنتقل؟ وهل يقتصر انتقالها على التربية والبيئة الاجتماعية، أم أن الإنسان قد يرث شيئاً من آثار معاناة آبائه على مستوى بيولوجي أعمق؟
فلقد اعتدنا تفسير هذه الظاهرة تفسيراً تربوياً. فالأب الذي عاش في الخوف يربي أبناءه على الخوف، والأم التي عانت الحرمان تغرس في أطفالها هاجس الندرة، والأسرة التي ذاقت الاضطهاد تنقل إلى أبنائها شعوراً دائماً بعدم الأمان. ولا شك أن هذا المسار يفسر جانباً مهماً من الظاهرة، لأن الإنسان يتعلم من والديه، ويكتسب منهما كثيراً من طرائق التفكير والاستجابة للعالم. غير أن هذا التفسير، على ما له من قيمة دلالية بالغة، لا يبدو كافياً لتفسير جميع الحالات. فهناك أفراد انفصلوا عن آبائهم البيولوجيين منذ الأسابيع أو الأشهر الأولى من حياتهم، ثم تبنتهم أسر أخرى في مجتمعات وثقافات مختلفة، بل وفي بلدان تبعد آلاف الكيلومترات عن أوطانهم الأصلية. ولقد نشؤوا بلغات مختلفة، وفي أنظمة تعليم مختلفة، وتحت قيم اجتماعية مغايرة تماماً، بحيث تنتفي، إلى حد بعيد، إمكانية انتقال آثار معاناة آبائهم إليهم عبر التربية المباشرة أو المحاكاة اليومية. ومع ذلك، فقد استوقفت بعض هذه الحالات الباحثين لما أظهره أصحابها من أنماط نفسية أو سلوكية يصعب ردها كلها إلى البيئة الجديدة وحدها. وليس المقصود أن هذه الحالات تثبت انتقال المعاناة بيولوجياً، وإنما أنها تطرح سؤالاً مشروعاً: هل يمكن أن تكون بعض آثار التجارب الإنسانية العميقة قد تركت بصمة تتجاوز صاحبها نفسه؟ لقد أدى هذا السؤال إلى نشوء اهتمام علمي متزايد بما يعرف بالآليات اللاجينية (Epigenetics) . وتشير بعض الدراسات إلى أن الضغوط النفسية الشديدة، أو المجاعات، أو الصدمات الكبرى، قد لا تؤثر في الإنسان خلال حياته فحسب، بل قد تُحدث تغيرات في طريقة تنظيم عمل بعض الجينات، وهو ما يثير احتمال انتقال جزء من هذه الآثار إلى الجيل التالي. وما تزال هذه النتائج موضع بحث ونقاش، ولم تصل بعد إلى مرحلة تسمح باعتبارها تفسيراً نهائياً، إلا أنها فتحت باباً معرفياً لم يكن مطروحاً بالوضوح نفسه من قبل. فإذا ثبت مستقبلاً أن بعض آثار المعاناة تنتقل بهذه الصورة، فإن ذلك سيجبرنا على إعادة النظر في فهمنا التقليدي للعلاقة السببية. فالسبب لن يعود مقتصراً على المؤثر الخارجي الذي يواجهه الإنسان في حياته المباشرة، بل قد يمتد إلى تاريخ بيولوجي سابق يسهم في تشكيل استجابته للواقع. وبذلك قد يصبح الابن متأثراً بأحداث لم يعشها، لا لأنها رويت له، ولا لأنه تربى في ظلها، وإنما لأن آثارها البيولوجية قد سبقته إلى الوجود.
ولعل أقرب استعارة علمية تساعد على تصور هذه الإمكانية هي ظاهرة “الهسترة” (Hysteresis) في الفيزياء. ففي بعض الأنظمة الفيزيائية لا يعود الجسم إلى حالته الأصلية بمجرد زوال المؤثر الخارجي، وإنما يحتفظ بجزء من أثر ذلك المؤثر، بحيث يصبح سلوكه الحالي مرتبطاً بتاريخ ما تعرض له، لا بواقعه الراهن وحده. وليس المقصود من هذا التشبيه الادعاء بأن الإنسان يخضع للقوانين الفيزيائية نفسها، وإنما الإشارة إلى مبدأ عام يتمثل في أن الماضي قد يظل فاعلاً حتى بعد غياب القوة التي صنعته.
ولعل المعاناة الإنسانية تمثل إحدى أكثر الصور تعقيداً لهذا المبدأ. فالألم قد ينتهي عند الجيل الأول، لكنه يترك وراءه آثاراً تستمر في النفوس، وفي الثقافة، وفي أنماط التربية، وربما، إذا أكدت الأبحاث المستقبلية ذلك، في بعض الآليات البيولوجية أيضاً. وهكذا تصبح المعاناة حدثاً يتجاوز زمن وقوعه، ليغدو جزءاً من التاريخ الداخلي للأسرة أو الجماعة. ولا يقتصر الأمر على الأفراد، بل قد يمتد إلى الشعوب بأسرها. فهناك مجتمعات خرجت من الحروب منذ عقود، لكنها ما تزال تفكر بعقلية الحصار. وأخرى تجاوزت الفقر منذ زمن طويل، لكنها لا تزال تتصرف بعقلية الندرة. وثالثة تحررت من الاستبداد، لكنها لم تتحرر بعد من الخوف الذي زرعه الاستبداد في وعيها الجمعي. وكأن التاريخ، في مثل هذه الحالات، لا يغادر الحاضر، وإنما يواصل العيش فيه بأشكال جديدة.
ولذلك قد يكون من الأدق أن ننظر إلى المعاناة بوصفها ظاهرة تمتلك “قصوراً تاريخياً”، فلا تزول آثارها بمجرد زوال أسبابها، بل تستمر زمناً قد يمتد إلى أجيال لاحقة. وإذا صح هذا التصور، فإن العلاقة بين الماضي والحاضر تصبح أكثر تعقيداً بكثير مما اعتدنا أن نفترضه. إن هذا الفهم لا يغير نظرتنا إلى الألم وحده، بل يغير أيضاً نظرتنا إلى العلاج. فإذا كانت بعض المعاناة تمتد آثارها عبر الأجيال، فإن معالجة الإنسان لا تقتصر على فهم ما جرى له شخصياً، وإنما قد تتطلب أيضاً فهماً لما جرى لمن سبقوه. وربما يكون التحرر الحقيقي هو أن ينجح الإنسان، لأول مرة، في إنهاء سلسلة من الآلام بدأت قبل ولادته بسنوات، أو بعقود، وربما بأجيال كاملة.
ولعل السؤال الذي سيشغل العلم في العقود القادمة لن يكون: هل تنتقل المعاناة بين الأجيال؟ وإنما: بأي الآليات يحدث ذلك؟ وأين تنتهي حدود التربية والثقافة، وأين تبدأ حدود البيولوجيا؟ فقد لا يرث الإنسان، في نهاية المطاف، من آبائه ملامحهم الجسدية وحدها، وإنما يحمل أيضاً شيئاً من التاريخ الخفي الذي عاشته نفوسهم، ومن الأثمان التي دفعتها أجسامهم في مواجهة العالم.

أضف تعليق