
من بين أكثر التوقعات شيوعاً بشأن الذكاء الاصطناعي، الاعتقاد بأن قيمته تزداد كلما كان أكثر قدرة على فهم الإنسان، ومجاراة طريقة تفكيره، والاستجابة لما يتوقعه ويرغب فيه. ولذلك يسعى كثير من المستخدمين، بصورة واعية أو غير واعية، إلى جعل الذكاء الاصطناعي مساعداً مطيعاً، يجيب بالإجابة التي يحبون سماعها، ويؤكد لهم صحة قناعاتهم، ويعيد صياغة أفكارهم بطريقة أكثر أناقة. غير أن السؤال الذي يستحق أن يُطرح اليوم هو ليس: كيف أجعل الذكاء الاصطناعي يتفق معي؟ وإنما: هل سيكون أعظم ما انتفع به من الذكاء الاصطناعي هو في موافقته لي أم في اختلافه معي؟ فالإنسان قد اعتاد عبر تاريخه الطويل، أن يحيط نفسه بمن يشبهونه في التفكير. فهو يقرأ لمن يوافقونه، ويستمع إلى من يعزز قناعاته، ويقترب ممن يطمئن إلى أحكامهم، حتى أصبحت إحدى أخطر الظواهر المعرفية هي ما يمكن تسميته بـ”الدوائر المغلقة للتأييد”. ففي داخل هذه الدوائر لا تتعرض الأفكار لاختبار حقيقي، بل تتغذى على نفسها، وتزداد رسوخاً كلما ازداد عدد المؤمنين بها. وهكذا قد تتحول القناعة إلى يقين، ليس لأنها قد ثبتت بالبرهان القاطع، وإنما لأنها أصبحت أكثر تكراراً. ولقد كان هذا السلوك مفهوماً في عصر كان الوصول إلى الرأي المخالف أمراً شاقاً، وكانت مراجعة آلاف المصادر، أو مقارنة المدارس الفكرية المختلفة، أو تحليل البنية المنطقية للحجج، أموراً تحتاج إلى سنوات من البحث. أما اليوم، فقد أصبح الإنسان يقف لأول مرة أمام شريك معرفي قادر على استحضار طيف واسع من الآراء، ومقارنة الأدلة، واكتشاف مواطن الضعف في الاستدلال، خلال لحظات قليلة. وهنا ينبغي أن يتغير السؤال من: “هل يؤيدني؟” إلى: “هل يستطيع أن يريني ما فاتني؟”
إن أخطر ما يمكن أن يفعله الذكاء الاصطناعي هو أن يتحول إلى صدى رقمي لصوت الإنسان. فإذا اقتصر دوره على إعادة إنتاج قناعات مستخدمه، فإنه لن يضيف إلى المعرفة شيئاً، بل سيضاعف أثر الانحيازات المعرفية الموجودة أصلاً. وعندئذ لن يكون قد حرر الإنسان من قيوده المعرفية، بل سيمنحه أدوات أكثر قوة لتبرير استمراره في الخضوع لها. أما إذا أصبح الذكاء الاصطناعي قادراً على مقاومة هذه الانحيازات، فإن وظيفته ستتجاوز تقديم الإجابات إلى اعادة بناء العقل نفسه. فهو لن يكتفي بأن يقول للإنسان ما يعرفه، بل سيدفعه إلى مواجهة ما لا يريد أن يعرفه. ولن يقتصر على ترتيب الأدلة المؤيدة، بل سيبحث أيضاً عن الأدلة المعارضة، ويختبر قوة كل منها، ويجبر صاحبه على إعادة النظر في المسلمات التي طالما ظن أنها فوق النقاش.
وهنا يبرز فرق جوهري بين “المساعد” و”الشريك”. فالمساعد ينفذ ما يُطلب منه، أما الشريك فيتحمل مسؤولية المراجعة أيضاً. فإذا أُحسن الانسان بناء العلاقة مع الذكاء الاصطناعي، يستطيع أن يكون أقرب إلى الشريك المعرفي الذي لا يكتفي بالإجابة، بل يسأل، ولا يكتفي بالتأكيد، بل يعترض، ولا يكتفي بالموافقة، بل يطالب بالمزيد من البرهان. ولعل الإنسان يحتاج اليوم إلى هذا النوع من المعارضة أكثر من أي وقت مضى. فالعقل البشري، كما كشفت الميتابايولوجيا، لا يعمل في فراغ، وإنما يتأثر ببنية تمثلية تدفعه إلى تفضيل ما ينسجم مع تصوره السابق للعالم. ومن هنا تنشأ كثير من الانحيازات التي تجعل الإنسان يرى الأدلة التي تؤيده بوضوح، بينما يتغافل عن الأدلة التي قد تنقض موقفه. فإذا جاء الذكاء الاصطناعي ليكرر هذا السلوك، فإنه لن يكون سوى امتداد لفائض التمثل، وليس علاجاً له. فقيمة المُعارِض الحقيقي لا تكمن في أنه يسعى إلى الانتصار عليك، وإنما في أنه يساعدك على الانتصار على الخطأ الكامن في داخلك. ولذلك فإن الاختلاف الذي يستحق التقدير ليس اختلافاً من أجل المخالفة، ولا جدلاً من أجل الغلبة، وإنما هو اختلاف غايته اختبار متانة الفكرة، لا إهانة صاحبها. فالفرضية التي لا تستطيع الصمود أمام النقد، لا تصبح صحيحة إذا حظيت بالمزيد من المؤيدين، كما أن الفكرة القوية لا تخشى الامتحان، بل تزداد وضوحاً كلما تعرضت له.
ولعل إحدى أعظم الهدايا التي يمكن أن تقدمها الانعطافة التطورية الثانية للإنسان هي أنها قد تنقله من البحث عن المؤيدين إلى البحث عن الممتحنين. فبدلاً من أن يسأل: “من يوافقني؟”، سيصبح السؤال: “من يستطيع أن يكشف لي موضع الخطأ الذي لم أره؟” وعندئذ يتحول النقد من تهديد للذات إلى فرصة لتطويرها، ويتحول الاختلاف من مصدر للعداء إلى أداة للارتقاء.
غير أن هذا التحول يتطلب تغييراً في أخلاقيات استخدام الذكاء الاصطناعي نفسها. فبدلاً من أن يطلب الإنسان منه تأكيد رأيه، ينبغي أن يطلب منه أن يبحث عن أقوى الاعتراضات عليه. وبدلاً من أن يسأله: “هل فكرتي صحيحة؟”، ينبغي أن يسأله: “ما أقوى الأسباب التي قد تجعل فكرتي خاطئة؟” وبدلاً من أن يجمع الأدلة التي تؤيد موقفه، ينبغي أن يمنحه الإذن بالبحث عن الأدلة التي قد تقوض افكاره. فبهذه الطريقة يصبح الذكاء الاصطناعي مدرسة في “الانضباط الإبستمولوجي”، وليس أداة لإرضاء الأنا.
ولعل المستقبل القريب سيشهد تحولاً في الكيفية التي نقيس بها جودة أنظمة الذكاء الاصطناعي. فلن يكون أفضلها ذلك الذي يوافق المستخدم في كل ما يقول، وإنما ذلك الذي يعرف متى يوافقه، ومتى يعترض عليه، ومتى يمتنع عن الجزم، ومتى يطالبه ببرهان أقوى. فالشريك المعرفي الأمثل ليس من يمنح الإنسان شعوراً دائماً بأنه على صواب، بل من يساعده على الاقتراب من الصواب، ولو اضطر إلى إزعاجه في الطريق إليه.
إن الانعطافة التطورية الثانية لن تجعل الإنسان أكثر ذكاءً بمجرد امتلاكه أدوات أكثر تقدماً، وإنما لأنها قد تعلمه فضيلة افتقدها طويلاً: أن يرحب بمن يخالفه إذا كان اختلافه قائماً على البرهان. وعندئذ لن يكون الذكاء الاصطناعي مجرد آلة تجيب عن الأسئلة، بل رفيقاً معرفياً يمارس أعظم أشكال الوفاء للإنسان؛ إذ يرفض أن يتركه أسيراً لأخطائه، ويصر على أن يقوده، كلما استطاع، إلى نسخة أكثر صدقاً، وأكثر تواضعاً، وأكثر اقتراباً من الحقيقة.
