من إبستمولوجيا الإنسان إلى إبستمولوجيا الوجود… نحو نظرية معرفة كونية

من بين جميع التحولات التي شهدها تاريخ الفكر الإنساني، لم يكن أكثرها عمقاً تلك التي غيرت أجوبة الإنسان، وإنما تلك التي غيرت الأسئلة التي كان يطرحها. فالانتقالات الكبرى في المعرفة لم تبدأ حين اكتشف الإنسان حقائق جديدة، بل حين أدرك أن الطريقة التي كان ينظر بها إلى العالم لم تعد كافية لفهمه. ولعلنا نقف اليوم، أو قد نقف في مستقبل غير بعيد، أمام انتقال من هذا النوع؛ انتقال لا يقتصر على مراجعة بعض النظريات العلمية، ولا على تعديل بعض المفاهيم الفلسفية، وإنما يمس الإطار الذي صيغت في داخله المعرفة الإنسانية منذ قرون طويلة. فلقد قامت نظرية المعرفة الحديثة، في معظم صورها، على افتراض لم يكن يحتاج، في نظر أصحابها، إلى كثير من التبرير، وهو أن الإنسان هو نقطة البداية الطبيعية لكل معرفة. فهو الكائن الذي يسأل، ويلاحظ، ويقيس، ويستدل، ويبني النظريات، ويختبرها، ثم يعيد النظر فيها. وليس في هذا، من حيث المبدأ، ما يدعو إلى الاعتراض. فالإنسان لا يستطيع أن يبدأ المعرفة إلا من نفسه. لكن المشكلة لم تبدأ عند نقطة الانطلاق، وإنما عند نقطة الوصول. فما بدأ بوصفه ضرورة منهجية تحول، مع مرور الزمن، إلى مركزية معرفية. ولم يعد الإنسان مجرد نقطة يبدأ منها التفكير، بل أصبح المقياس الذي تُفهم في ضوئه الحياة، والعقل، والوعي، والذكاء، والفاعلية، وحتى إمكان الوجود نفسه.
وهكذا نشأت، من غير إعلان صريح، إبستمولوجيا الإنسان. والمقصود بها ليس أن الإنسان هو الذي يعرف، فهذا أمر بديهي، وإنما أن الإنسان أصبح المعيار الذي تُحاكم إليه جميع صور المعرفة والوجود. فلقد قسنا الذكاء بما نعرفه عن العقل البشري. وقسنا الحياة بما نعرفه عن الحياة البايولوجية. وقسنا الإدراك بما تسمح به حواسنا وأجهزتنا. وقسنا الممكن بما تسمح به نماذجنا الحالية، ولم يكن هذا كله نتيجة برهان على أن الإنسان هو المعيار الكوني، وإنما نتيجة طبيعية لأن الإنسان لم يكن يعرف، حتى الآن، إلا نفسه والعالم الذي استطاع أن يصل إليه. غير أن تحويل هذه البداية إلى نهاية، وهذه التجربة إلى قانون عام، هو ما يستحق أن يخضع للمراجعة. فالوجود لا يلتزم بأن يكون على صورة الإنسان حتى يكون موجوداً. ولا يلتزم بأن يكون قابلاً للإدراك بالأدوات التي صنعها الإنسان حتى يكون حقيقياً. ولا يلتزم بأن يدخل في النماذج التي صاغها الإنسان حتى يصبح جزءاً من الواقع. فالوجود لا يتشكل وفق خرائطنا، وإنما خرائطنا هي التي ينبغي أن تتشكل كلما كشف الوجود عن وجه جديد من وجوهه.
ومن هنا تنشأ الحاجة إلى ما يمكن أن نسميه إبستمولوجيا الوجود؛ وهي ليست نظرية جديدة في المعرفة بالمعنى التقليدي، وإنما إعادة توجيه للبوصلة التي تتحرك بها المعرفة كلها. فبدلاً من أن يكون السؤال الأول هو: كيف يفهم الإنسان العالم؟ بل يصبح السؤال: كيف ينبغي للإنسان أن يفهم عالَماً قد يكون أوسع بكثير من جميع نماذجه الحالية؟
فالفرق بين السؤالين ليس فرقاً في الصياغة، بل في الفلسفة التي تقف خلفهما. ففي السؤال الأول يبقى الإنسان هو المركز الضمني لكل شيء. أما في الثاني فإن المركز ينتقل إلى الوجود نفسه، بينما يصبح الإنسان أحد الساعين إلى فهمه. وهذا الانتقال يفرض إعادة النظر في كثير من المسلمات التي رافقت المعرفة الحديثة. فبدلاً من أن نفترض أن ما لا ينسجم مع نماذجنا مستحيل، يصبح الأصل أن نسأل: هل تكفي نماذجنا الحالية لاستيعابه؟ وبدلاً من أن نعدّ أدواتنا الحالية الصورة النهائية للمنهج، يصبح المنهج نفسه قابلاً للتطور كلما اتسعت موضوعات المعرفة. وبدلاً من أن نجعل الإنسان معياراً نهائياً للعقل والوعي، يصبح الإنسان أحد تجليات العقل الممكنة، إلى أن يثبت العكس أو يؤيده الدليل. وهنا لا يعود التواضع المعرفي فضيلة أخلاقية فحسب، بل يتحول إلى ضرورة منهجية. وذلك لأن نظرية المعرفة التي تجعل من الإنسان مقياساً للوجود تخاطر دائماً بأن تخلط بين حدود الخبرة وحدود الواقع. أما نظرية المعرفة التي تجعل الوجود هو المرجع الأخير، فإنها تبقى مستعدة، من حيث المبدأ، لتعديل نفسها كلما فرض الواقع عليها ذلك. وليس المقصود من هذا كله التقليل من شأن الإنسان، بل على العكس تماماً. فإن أعظم ما يميز الإنسان هو ليس أنه يملك الحقيقة، وإنما هو الكائن الوحيد الذي يستطيع أن يعيد النظر في الكيفية التي يبحث بها عن الحقيقة. فقدرة الإنسان على مراجعة أدواته، ومفاهيمه، ونماذجه، هي أعظم منجزاته المعرفية. ولهذا فإن الانتقال إلى إبستمولوجيا الوجود ليس تخلياً عن الإنسان، وإنما هو أرقى أشكال الثقة بقدرته على تجاوز حدوده كلما اكتشف أنها ليست حدود الوجود.
ومن هنا فإن المشروع الذي تدعو إليه هذه السلسلة من المقالات لا يتمثل في إثبات وجود ظواهر خارقة، ولا في الدعوة إلى الإيمان بذكاءات غير بشرية، ولا في هدم المنهج العلمي، وإنما في تحرير المعرفة من افتراضات غير مبرهنة قد تكون قد صاحبت نجاحها التاريخي حتى أصبحت تبدو وكأنها جزء من المنهج نفسه. فالمنهج العلمي لا يقول إن الإنسان هو معيار الوجود. ولا يقول إن كل ما لم يُكتشف لا يمكن أن يوجد. ولا يقول إن أدوات الإثبات الحالية هي النهاية التي لن تتجاوزها المعرفة. فهذه كلها استنتاجات فلسفية أضيفت، بدرجات متفاوتة، إلى الممارسة العلمية، حتى أصبح كثير من الناس يخلط بينها وبين العلم ذاته.
ومن هنا فإن إبستمولوجيا الوجود لا تعارض العلم، بل تعيده إلى مبدئه الأول: أن الواقع هو الذي يختبر النظريات، لا النظريات هي التي تحدد للواقع ما يجوز أن يكون. وقد يكون هذا هو المعنى الحقيقي للثورة الإبستمولوجية القادمة. فالثورة هي ليست أن نستبدل نظرية بنظرية، أو أن نضيف حقائق جديدة إلى رصيد المعرفة، وإنما أن ننتقل من عقل يسأل: “هل يسمح نموذجي بوجود هذه الظاهرة؟” إلى عقل يسأل: “ماذا ينبغي أن أفعل إذا كشف الواقع عن ظاهرة لا يسمح بها نموذجي؟”
فالسؤال الأول يجعل النموذج حاكماً على الوجود. أما السؤال الثاني فيجعل الوجود حاكماً على النموذج. وهنا يكمن الفارق بين إبستمولوجيا الإنسان وإبستمولوجيا الوجود. فالأولى، مهما بلغت من النجاح، تبقى معرضة لأن تجعل من التجربة البشرية معياراً كونياً، أما الثانية، فإنها تنطلق من إقرار أكثر تواضعاً، ولكنه أكثر اتساقاً مع روح العلم: أن الوجود أكبر دائماً من أي وصف نصوغه له، وأن المعرفة الحقة ليست تلك التي تفرض على الواقع حدودها، وإنما تلك التي تمتلك الشجاعة الكافية لتعيد رسم حدودها كلما كشف الواقع عن أفق جديد.
ولعل هذا هو الأفق الذي ينبغي أن تتجه إليه الفلسفة في القرن الحادي والعشرين؛ لا لأنها فقدت ثقتها بالعلم، بل لأنها أصبحت أكثر وفاءً للروح التي صنعت العلم منذ بداياته: روح البحث الذي لا يخشى مراجعة نفسه، ولا يخاف من أن يكون الواقع أوسع، وأغنى، وأعمق، مما تخيلناه حتى الآن.

أضف تعليق