الإنسان… ما الذي يحدده حقًا؟

من بين أكثر الأخطاء التي يقع فيها الإنسان عندما ينظر إلى أخيه الإنسان، اعتقاده أن حقيقة الإنسان تتحدد بما ينتمي إليه، وليس بما هو عليه في جوهره. فهو ينظر إلى الأصل، أو العرق، أو القومية، أو الجنس، أو الطبقة الاجتماعية، أو الثقافة، أو الشهادة العلمية، أو الانتماء الديني، وكأن هذه هي التي تصنع الإنسان وتحدد قيمته. ولذلك ينشغل الناس بتصنيف البشر إلى فئات متمايزة، حتى يكاد كل فريق يظن أن ما يملكه من خصائص موروثة أو مكتسبة يجعله مختلفًا في حقيقته عن سائر الناس. غير أن السؤال الذي يستحق أن يُطرح اليوم هو ليس: إلى أي جماعة ينتمي الإنسان؟ وإنما: ما الذي يحدد الإنسان في حقيقته قبل كل هذه الانتماءات؟
إن القرآن الكريم يقدم تصورًا مختلفًا جذريًا. فهو لا يبدأ تعريف الإنسان بعرقه، ولا بجنسه، ولا بلغته، ولا بوطنه، ولا بثروته، ولا حتى بدرجة تدينه الظاهرة، وإنما يبدأ من حقيقة أعمق من ذلك كله؛ هي أن البشر جميعًا يشتركون في نفسٍ إنسانيةٍ واحدة، وفي القدر الإنساني ذاته. فكل إنسان يحمل البنية الإنسانية نفسها، ويواجه الصراع الداخلي نفسه، ويملك القابلية ذاتها لأن يسمو أو ينحدر. ومن هنا فإن الاختلافات التي يتباهى بها الناس ليست إلا أوصافًا خارجية لا تمس حقيقة الإنسان في جوهره. ولهذا كان من الخطأ أن ننظر إلى بعض الناس بوصفهم صالحين بطبيعتهم، وإلى آخرين بوصفهم أشرارًا بطبيعتهم. فالإنسان لا يولد حاملًا فضيلته النهائية، كما لا يولد حاملًا رذيلته النهائية، وإنما يولد وهو يحمل ذات الإمكانات التي يحملها كل إنسان آخر. ولذلك فإن أحدًا لا يستطيع أن يحتكر الخير لنفسه، كما لا يجوز أن يُحكم على أحد بأنه محروم من إمكانية الارتقاء. ومن هنا تتهاوى كثير من التصنيفات التي صنعها البشر؛ فالتفاضل العرقي لا يغيّر من حقيقة النفس الإنسانية شيئًا، والتفاضل الطبقي لا يخلق نفسًا مختلفة، والتفاوت في الذكاء أو التعليم أو النفوذ لا يجعل صاحبه إنسانًا من نوع آخر. فهذه كلها ظروف تحيط بالإنسان، لكنها لا تصنع حقيقته؛ فهي قد تؤثر في خبراته، وفي الفرص المتاحة له، لكنها لا تبدل البنية الإنسانية التي يشترك فيها الجميع.
ولكن إذا كان البشر جميعًا سواء في أصلهم الإنساني، فمن أين يأتي التفاوت الحقيقي بينهم؟ وهنا يظهر العنصر الوحيد الذي يمنح الإنسان خصوصيته الأخلاقية، وهو الإرادة. فالإنسان لا يختلف عن غيره بما ورثه، وإنما بما اختاره. والإرادة هي المجال الذي تتجلى فيه حرية الإنسان ومسؤوليته. فهي التي تحدد اتجاه حياته، وهي التي تمنح أفعاله معناها الأخلاقي.
إن الإرادة ليست مجرد قدرة على الاختيار بين بديلين، وإنما هي القدرة على الانتصار على ما يدعو الإنسان إلى الانحراف عن الطريق المستقيم. ولهذا فإن الإنسان لا يرتقي لأنه يمتلك نفسًا مختلفة، بل لأنه يستخدم الإرادة التي يملكها جميع البشر استخدامًا مختلفًا.
فإذا فعَّل الإنسان إرادته، واختار أن يسير في سبيل الهدى الإلهي، وأن يجاهد نفسه، ويزكيها، ويقاوم أهواءها، ارتفع تدريجيًا فوق المستوى الذي بدأ منه. ولا يعني ذلك أنه أصبح يملك نفسًا غير النفس الإنسانية، بل يعني أنه أحسن توجيهها، وأدارها وفق المنهج الذي خُلقت له. وكلما ازدادت استجابته للهداية، ازداد تحرره من سلطان الشهوات والأهواء، واقترب أكثر من كماله الإنساني الممكن.
أما إذا استخدم الإرادة في الاتجاه المعاكس، وجعلها وسيلة لتبرير الهوى، والإعراض عن الحق، والاستسلام لنزعات النفس، فإنه لا يبقى على المستوى نفسه، بل يبدأ رحلة انحدار قد توصله إلى أسوأ ما يمكن أن يبلغه الإنسان. وليس ذلك لأن طبيعته كانت مختلفة عن غيره، وإنما لأن الإرادة التي كان يمكن أن تكون سببًا في ارتقائه أصبحت سببًا في سقوطه. وهذا هو الفارق الحقيقي بين البشر؛ فهو ليس فارقًا في النفس، وإنما في موقف الإرادة من الهداية. فالنفس واحدة، والاستعداد واحد، والقدرة على الاختيار مشتركة، لكن اتجاه هذا الاختيار هو الذي يصنع الفرق.
ومن هنا يتبين أن الإنسان لا ينبغي أن يُقاس بما يملكه، ولا بما ورثه، ولا بما ينتمي إليه، بل بما يصنعه بإرادته. فالإنسان الذي ولد في بيئة صالحة لا يستحق الفضل لمجرد مولده فيها، كما أن من ولد في ظروف قاسية لا يُحكم عليه بالهلاك لمجرد ظروفه هذه. فالقيمة الأخلاقية لا تبدأ إلا عندما تبدأ الإرادة في الاختيار.
ولعل هذه الحقيقة هي التي تمنح الإنسان قيمته الحقيقية. فلو كانت قيمة الإنسان متوقفة على نسبه، أو لونه، أو طبقته، أو ثقافته، أو حتى على ما ورثه من صفات، لما بقي مجال للعدل الإلهي ولا للمسؤولية الأخلاقية. أما حين تكون الإرادة هي مناط التفاضل، فإن كل إنسان يصبح مسؤولًا عن الاتجاه الذي اختاره، وليس عن الظروف التي وُلد فيها.
إن الإنسان، في نهاية المطاف، ليس ابن عرقه، ولا ابن طبقته، ولا ابن ثقافته، ولا حتى ابن ماضيه، وإنما هو ابن إرادته. فجميع البشر يشتركون في النفس الإنسانية ذاتها، لكنهم يفترقون في الكيفية التي يوجهون بها هذه النفس. فمن جعل إرادته خادمة للهدى ارتفع، ومن جعلها خادمة للهوى انحدر. وهكذا لا يكون أعظم ما يميز الإنسان ما وُلِد به، وإنما ما اختار أن يصبح عليه.

أضف تعليق