الرب يعمل بطرق غامضة… هل كل غموضٍ قابل لأن يزول؟

من بين أكثر الافتراضات رسوخاً في العقل العلمي المعاصر، ذلك الافتراض الذي يكاد يُعامل بوصفه حقيقةً لا تقبل النقاش، والذي مفاده أن كل ظاهرة تبدو غامضة اليوم ستغدو، عاجلاً أم آجلاً، مفهومةً ومفسَّرةً حين يتقدم العلم بما يكفي. ولكن، هل يملك أحد دليلاً على أن كل غموض هو مجرد جهل مؤقت؟ أم أن من الممكن أن توجد ظواهر يكون الغموض جزءاً من طبيعتها نفسها، لا نتيجةً لقصور معرفتنا بها؟
إن إبستمولوجيا الخوارق لا تدعو إلى الإيمان الأعمى بكل ما يروى عن الخوارق والمعجزات، ولا تطالب بتعليق المنهج العلمي أو إقصائه. وإنما تدعو إلى شيء أكثر تواضعاً، وأكثر انسجاماً مع روح البحث العلمي نفسه، وهو الامتناع عن إصدار حكمٍ قطعي باستحالة وجود ظاهرةٍ ما، لمجرد أنها لا تنسجم مع النموذج التفسيري الذي بين أيدينا. فالتاريخ يعلمنا أن حدود المعرفة ليست هي حدود الوجود، وأن ما نعجز عن تفسيره ليس بالضرورة وهماً، كما أن ما نجحنا في تفسيره لا يمنحنا حق الادعاء بأن كل شيء قابل للتفسير بالكيفية نفسها.
ولعل العبارة الشهيرة: “الرب يعمل بطرق غامضة” (God works in mysterious ways)، تكتسب، في هذا السياق، دلالةً إبستمولوجية عميقة تتجاوز بعدها الديني المباشر. فهي لا تعني أن الإنسان لم يكتشف بعد الآلية التي يعمل بها الله، ولا أنها مجرد دعوة إلى انتظار تقدم العلم حتى يكشف تلك الآلية. وإنما تعني، إذا أخذناها على محملها الحقيقي، أن التدخل الإلهي المباشر لا يخضع أصلاً للنظام السببي الذي يحكم الطبيعة، لأنه صادر عن فاعلٍ ليس جزءاً من الطبيعة، وغير مقيد بقوانينها.
وهنا يصبح من الضروري التمييز بين نوعين مختلفين من الغموض.: غموض إبستمولوجي، وهو الغموض الذي ينشأ عن نقص المعلومات أو قصور الأدوات العلمية، وهو قد يزول مع الزمن كما زال الغموض عن آلاف الظواهر التي كانت تبدو للأقدمين ضرباً من السحر أو المعجزة. وهناك الغموض الأنطولوجي، وهو لا ينشأ من جهل الإنسان، بل من طبيعة الظاهرة نفسها. ففي هذا النوع، لا تكون المشكلة أن الإنسان لا يعرف السبب، وإنما أن الظاهرة لا تنتمي أصلاً إلى المنظومة السببية التي يدرسها العلم. فإذا كان التدخل الإلهي المباشر حقيقةً ممكنة، فإن محاولة إخضاعه لقوانين الفيزياء لا تختلف، من الناحية المنطقية، عن محاولة تفسير وجود قوانين الفيزياء بقوانين فيزيائية أخرى. فكما أن القانون الطبيعي لا يستطيع أن يفسر مصدر وجوده، كذلك لا يستطيع أن يفسر فعلاً صدر عمن وضع هذا القانون ابتداءً. إن قوانين الطبيعة تصف كيفية انتظام العالم حين يُترَك ليسير وفق سننه المعتادة، لكنها لا تستطيع، بحكم تعريفها، أن تفسر ما يقع عندما يتدخل واضع تلك السنن تدخلاً مباشراً. ولهذا السبب، فإن القول إن العلم سيتمكن يوماً من تفسير كل معجزة، ليس نتيجةً علمية، وإنما هو افتراض ميتافيزيقي يلبس ثوب العلم. فالعلم لا يملك وسيلةً تثبت أن كل ما يوجد في الواقع خاضع بالضرورة للقوانين الطبيعية. فالعلم يدرس ما يقع ضمن هذا النظام، لكنه لا يستطيع أن يحكم على ما يقع خارجه، لأن هذا الحكم يتجاوز اختصاصه المنهجي.
إن كثيراً من الظواهر التي اعتبرها القدماء معجزات، تبين لاحقاً أنها ظواهر طبيعية لم يكونوا يملكون تفسيرها. غير أن هذه الحقيقة لا تستلزم منطقياً أن جميع المعجزات تنتمي إلى الفئة نفسها. فالانتقال من عبارة: “بعض الظواهر الغامضة قد اتضح أنها طبيعية”، إلى عبارة: “كل ظاهرة غامضة لا بد أن تكون طبيعية”، هو انتقال لا يسنده أي برهان منطقي، بل يمثل تعميماً لا يقل افتقاراً إلى الدليل عن التسليم بكل روايةٍ عن الخوارق.
ومن هنا، فإن المعجزات التي أيّد الله تعالى بها رسله، إذا كانت تمثل بالفعل تدخلاً إلهياً مباشراً، فإنها ليست مجرد ظواهر طبيعية مجهولة تنتظر تفسيراً علمياً في المستقبل، وإنما هي أحداث يستحيل، من حيث المبدأ، ردها إلى الأسباب الطبيعية، لأنها لم تنتج عنها أصلاً. فما حدث لموسى عليه السلام، أو لإبراهيم عليه السلام، أو لعيسى عليه السلام، أو لسائر الأنبياء، لا يصبح قابلاً للتفسير الفيزيائي بمجرد مرور الزمن، لأن مرور الزمن لا يحول الفعل الإلهي إلى ظاهرة طبيعية.
إن الله تعالى، بحسب التصور الإيماني، ليس جزءاً من الكون حتى تقيده القوانين التي تحكم الكون. فهو الذي أوجد الزمان، وليس أسيراً له، وهو الذي أوجد المكان، وليس محصوراً فيه، وهو الذي أوجد قوانين الطبيعة، فلا تكون هذه القوانين قيوداً تحدد افعاله. ولذلك فإن الماضي والمستقبل، في علم الله، ليسا إلا حضوراً واحداً لا يشبه إدراك الإنسان المحدود باللحظة الراهنة. وإذا كان الأمر كذلك، فلا معنى للاعتقاد بأن الإنسان سيبلغ في المستقبل درجةً من المعرفة تمكنه من إخضاع الفعل الإلهي المباشر لمنظومة تفسيرية لم يرد لها الله أن تكون مجالاً لهذا الفعل أصلاً.
وهكذا، فإن إبستمولوجيا الخوارق لا تطالب العلم بأن يصدق كل ما يوصف بأنه معجزة، كما أنها لا تمنع الباحث من البحث عن تفسير طبيعي لكل ظاهرة يُحتمل أن يكون لها تفسير طبيعي. لكنها ترفض أن يتحول نجاح العلم في تفسير العالَم الطبيعي إلى ذريعة لإغلاق باب الإمكان أمام كل ما يتجاوزه. فهي تدعو إلى التواضع المعرفي، وإلى الاعتراف بأن حدود النموذج التفسيري ليست حدود الوجود نفسه.
ولعل أعظم خطأ يمكن أن يقع فيه العقل، هو أن يحول نجاحاته الماضية إلى يقينٍ زائف بأن المستقبل لن يحمل معه إلا ما تسمح به نماذجه الحالية. فالعالِم، إذا كان منفتحاً على تدخل الخالق نفسه، فإنه سوف يُقِر بأن بعض الغموض سيظل غموضاً إلى الأبد، لا لأن العلم أخفق في اللحاق به، بل لأن الله تعالى شاء له أن يكون غموضاً أنطولوجياً، وليس غموضاً إبستمولوجياً.

أضف تعليق