
من بين أكثر الأسئلة التي شغلت الفكر الإنساني عبر تاريخه سؤالٌ يبدو بسيطًا في ظاهره، لكنه يقف وراء معظم صور الصراع والتمييز بين البشر، وهو: ما الذي يحدد الإنسان في حقيقته؟ هل هوعرقه؟ أم جنسه؟ أم طبقته الاجتماعية؟ أم ثقافته؟ أم علمه؟ أم معتقده؟ ولقد اعتادت الحضارات أن تجيب عن هذا السؤال بطرائق مختلفة، لكنها اشتركت جميعًا تقريبًا في افتراض واحد، هو أن الإنسان يتحدد بما ينتمي إليه. ولذلك ظهرت نظريات التفوق العرقي، والتمييز الطبقي، والتعصب الديني، والاستعلاء الثقافي، وكأن هذه الانتماءات تصنع حقيقة الإنسان نفسها.
غير أن المقاربة الميتابايولوجية تقترح تصورًا مختلفًا تمامًا. فهي تنطلق من أن الإنسان لا تحدده الصفات التي تميزه عن غيره من البشر، وإنما تحدده أولًا الحقيقة التي تجعله واحدًا معهم. فقبل أن يكون الإنسان عربيًا أو أعجميًا، ذكرًا أو أنثى، غنيًا أو فقيرًا، عالمًا أو جاهلًا، مؤمنًا أو كافرًا، فإنه يشترك مع جميع البشر في حقيقة واحدة، هي أنه يحمل النفس الإنسانية نفسها. ولا تُعد هذه النفس، في التصور الميتابايولوجي، مجرد مفهوم أخلاقي أو روحي، وإنما هي الأثر المباشر للانعطافة التطورية الأولى؛ تلك الانعطافة التي أخرجت الإنسان من عالم البايولوجيا الخالص إلى عالم جديد أصبح فيه كائنًا ميتابايولوجيًا. فمنذ تلك اللحظة لم يعد البشر أفرادًا ينتمون إلى أنواع مختلفة من النفوس، وإنما أصبحوا جميعًا ينتمون إلى نوع واحد من الوجود الإنساني. ولهذا فإن النفس الإنسانية ليست متعددة بتعدد الأعراق والثقافات، بل واحدة بوحدة الحدث الذي أوجدها.
ومن هنا فإن كل إنسان يولد وهو يحمل البنية النفسية الإنسانية نفسها التي يحملها سائر البشر. فهو يحمل القابلية نفسها للرحمة والقسوة، وللصدق والكذب، وللعدل والظلم، وللإيمان والكفر، وللارتقاء والانحدار. وقد تختلف البيئات والظروف والخبرات، لكن النفس التي تتفاعل مع هذه الظروف تبقى هي النفس الإنسانية ذاتها. وهنا تبرز نتيجة ميتابايولوجية ذات دلالة بالغة، وهي أن البشر جميعًا متساوون من جهة النفس، فلا يوجد إنسان وُلد وهو يحمل نفسًا أرقى من نفس غيره، كما لا يوجد من وُلد وهو يحمل نفسًا أدنى بطبيعتها. ولذلك فإن العرق، والجنس، والثقافة، واللغة، والمكانة الاجتماعية، والذكاء، وسائر الصفات التي اعتاد الناس أن يبنوا عليها أحكامهم، ليست إلا أوصافًا عارضة لا تمس الحقيقة الميتابايولوجية المشتركة بين البشر. ولكن إذا كانت النفس واحدة عند الجميع، فمن أين جاء هذا التفاوت الهائل بين الناس؟ وكيف أصبح بعضهم أنبياء وصالحين، بينما بلغ بعضهم من الظلم والفساد مبلغًا عظيمًا؟
هنا تنتقل الميتابايولوجيا من الحديث عن النفس إلى الحديث عن الإرادة. فإذا كانت النفس هي المعطى المشترك الذي خرج به جميع البشر من الانعطافة التطورية الأولى، فإن الإرادة هي المجال الذي يبدأ عنده الاختلاف الحقيقي بينهم. فالإرادة ليست جزءًا من التنوع البشري، وإنما هي القوة التي تحدد اتجاه النفس الواحدة. فالنفس، بحكم طبيعتها، ليست كيانًا ساكنًا، بل ميدان تتجاذبه اتجاهات متعددة. والإرادة هي التي تمنح أحد هذه الاتجاهات الغلبة على غيره. فهي التي تجعل الإنسان قادرًا على مقاومة ما يدفعه إلى الانحدار، كما تجعل الإنسان قادرًا، إذا أساء استخدامها، على تكريس هذا الانحدار والدفاع عنه. ومن هنا يمكن القول إن النفس لا تصنع الفارق بين البشر، وإنما الإرادة هي التي تصنعه. فالنفس واحدة، أما الإرادات فمختلفة. ولهذا لا يكون الاختلاف الحقيقي بين إنسان وآخر اختلافًا في طبيعة النفس، وإنما اختلافًا في الكيفية التي وُجهت بها تلك النفس. فإذا اختار الإنسان أن يجعل إرادته خادمة للهداية الإلهية، بدأت النفس ترتقي تدريجيًا، لا لأنها تغيرت في أصلها، بل لأن الإرادة أخذت تقودها نحو ما خُلقت له. وهكذا تصبح التزكية عملية إعادة توجيه للنفس، لا استبدالًا لها. فالإنسان لا يكتسب نفسًا جديدة، وإنما يتعلم كيف يقود النفس التي يمتلكها أصلًا. أما إذا اختار أن يجعل إرادته خادمة للهوى، فإن النفس نفسها تبدأ رحلة معاكسة، ليس لأنها أصبحت نفسًا أخرى، وإنما لأن الإرادة دفعتها في الاتجاه المضاد. وهكذا يصبح الانحدار الأخلاقي نتيجة لسوء توجيه النفس، لا لاختلافها في أصلها.
ومن هنا يتبين أن الإرادة ليست مجرد قدرة على الاختيار بين بديلين، وإنما هي العامل الميتابايولوجي الذي يحدد المصير النهائي للنفس الإنسانية. فهي التي تحول الإمكان إلى واقع، والقابلية إلى سلوك، والاستعداد إلى مصير. وعلى هذا الأساس، لا يعود التفاضل بين البشر قائمًا على ما لم يختاروه؛ فلا فضل لإنسان في نسبه، ولا في عرقه، ولا في قوميته، ولا في لونه، ولا في ذكائه، ولا في ثروته، ولا حتى في البيئة التي نشأ فيها. فكل ذلك يدخل في دائرة المعطيات التي لم يكن للإنسان يد في إيجادها. أما الإرادة، فهي المجال الذي يبدأ عنده التكليف، وتبدأ معه المسؤولية، ويبدأ معه الاستحقاق.
ولعل هذا هو ما يفسر، من منظور ميتابايولوجي، لماذا ربط القرآن الكريم قيمة الإنسان بما يختاره، لا بما وُلد عليه. فالإنسان لا يُحاسب على النفس التي يشترك فيها مع جميع البشر، وإنما يُحاسب على الاتجاه الذي اختارت إرادته أن تسوق هذه النفس إليه.
وهكذا يمكن القول إن النظرية الميتابايولوجية تقيم تصورها للإنسان على مبدأين متكاملين: وحدة النفس، ووحدة الحدث الذي أوجدها، من جهة؛ وحرية الإرادة بوصفها المصدر الوحيد للتمايز بين البشر، من جهة أخرى.
فالنفس توحد البشر جميعًا، أما الإرادة فهي التي تفرق بينهم. وبقدر ما تجعل الإرادة الإنسان يسير في طريق الهدى، يرتقي فوق ما كان عليه، وبقدر ما تجعل الهوى قائدها، ينحدر إلى ما لم يكن ليبلغه لولا اختياره. ولذلك فإن الإنسان، في حقيقته، لا يُعرف بما ينتمي إليه، وإنما بما يصنعه بإرادته من النفس التي يشترك فيها مع جميع البشر. فهناك يبدأ الإنسان، وهناك يبدأ اختلافه الحقيقي عن سائر الناس.
