بين نبالة الطرح وواقعية البنية… قراءة نقدية في كتاب “الخير الأعظم: بوصلة جديدة للرأسمالية”

تنزع الأدبيات الإصلاحية المعاصرة للرأسمالية إلى تقديم نفسها بوصفها قطائع معرفية أو “بوصلات جديدة” قادرة على إنقاذ المنظومة الاقتصادية الغربية من تناقضاتها البنيوية وأزماتها الاجتماعية والبيئية المتلاحقة. وفي هذا السياق، يأتي كتاب “الخير الأعظم: بوصلة جديدة للرأسمالية” (The Greater Good: A New Compass for Capitalism)  ليدعو إلى إحداث نقلة نوعية تتجاوز مفهوم “رأسمالية المساهمين” المرتكزة على تعظيم الربح إلى “رأسمالية أصحاب المصلحة” التي تضع الرفاه العام في صلب أهدافها. غير أن القراءة التفصيلية والمنهجية لتفاصيل هذه المقاربة تثير أسئلة نقدية جوهرية حول أصالتها الفكرية، ومدى واقعية افتراضاتها السلوكية تجاه النخب الاقتصادية، بالإضافة إلى مدى اتساقها مع طبيعة “رأس المال” ذاته.
فعند تفكيك المقترحات المركزية التي يقدمها الكتاب، يتكشف لنا أنها لا تشكل نموذجاً معرفياً جديداً بقدر ما هي إعادة صياغة وتغليف (Re-packaging) لأفكار وآليات جرى تطبيقها أو طرحها في سياقات تاريخية واقتصادية متعددة:
1. الاستعارة من نماذج الديمقراطية الاجتماعية الغربية: إن الدعوة إلى تحميل المؤسسات الاقتصادية مسؤوليات اجتماعية وبيئية تشبه إلى حد بعيد التطبيقات التاريخية لـ “النموذج الإسكندنافي” والسياسات الاجتماعية الأوروبية، وهي نماذج استندت أساساً إلى كبح جماح السوق عبر التدخل الحكومي وضمانات الرفاه الاجتماعي.
2. شذرات من أنظمة اقتصادية غير غربية: تزخر الثقافات والأدبيات الاقتصادية الشرقية وغير الغربية، وفي مقدمتها الاقتصاد الإسلامي والنماذج الاقتصاديّة المجتمعية الآسيوية، بمفاهيم تقيد تعظيم الربح المطلق بشرط عدم الإضرار بالمصلحة العامة، وتؤكد على المشاركة في المخاطر وحماية المجتمع. وهي ذات المبادئ التي يُعيد الكتاب تقديمها بلغة إدارية معاصرة.
3. أدبيات الاقتصاد المؤسسي والتنموي: لم تخرج المقاربة عن الأطر التي وضعها اقتصاديو المدرسة المؤسسية منذ عقود، والذين أثبتوا أن “السوق الحر” المتروك لآلياته الذاتية يُنتج حتماً اختلالات هيكلية وإخفاقات مجتمعية لا تُعالَج إلا بتأطير أخلاقي وتنظيمي.
وبناءً عليه، يقتصر “التجديد” في الكتاب على محاولة تسويق هذه الأفكار القديمة من داخل المنظومة الرأسمالية وبأدواتها الأدبية، بغية إقناع القائمين عليها بأن الإصلاح الاستباقي هو الضامن الوحيد لاستدامة النظام.
يطرح الكتاب مقاربته بلهجة تفترض ضمناً أن أصحاب القرار ورجال الأعمال سيبادرون فوراً لتطبيق هذه التوصيات بمجرد الاطلاع عليها. ينطوي هذا الافتراض على ما يُعرف في التحليل السياسي بـ “المثالية التكنوقراطية”، والتي تعاني من ثغرات أساسية، وذلك كما بالإمكان تبينه بتدبر ما يلي:
• اختزال الأزمة في “غياب المعرفة”: يُفترض في هذا الطرح أن سبب الأزمات الحالية هو غياب “البوصلة الصحيحة” أو نقص وعي النخب، متجاهلاً أن الأزمة تعود في الأصل إلى التضارب البنيوي للمصالح؛ حيث يتطلب تحقيق “الخير الأعظم” تنازلاً مباشراً عن جزء من نفوذ رأس المال وحصته من الفائض المالي.
• تجنب مواجهة هياكل القوة: لتظل هذه الأدبيات مقبولة لدى الدوائر التنفيذية وصناديق الاستثمار، تجنبت دعوة صريحة لإعادة توزيع السلطة الاقتصادية أو فرض قوانين ملزمة، واستعاضت عن ذلك بمخاطبة الضمير الأخلاقي للنخب، وهو مسلك أثبت تاريخياً محدوديته في إحداث تغييرات هيكلية.
تصل الدراسة المتأنية لمقترحات الكتاب إلى استنتاج مفاده أن المنظومة الرأسمالية لا تعبأ بـ “الخير الأعظم” كقيمة غائية أو التزام أخلاقي ذاتي، بل تستخدمه كـ أداة لوظيفية ووقائية:
1. امتصاص الغضب وإدارة المخاطر: إن تبني الشركات لمفاهيم مثل “الاستدامة” و”المسؤولية المجتمعية” يُعد استراتيجية لحماية نفسها من التقلبات الاجتماعية، والتغيرات المناخية، والتشريعات الحكومية الصارمة التي قد تهدد بيئة أرباحها مستقبلاً.
2. تناقض بنية الربح مع الأخلاق الطوعية:  فالمنطق التأسيسي للرأسمالية يقوم على تعظيم الربح وتراكم الثروة في سوق تنافسي. وبالتالي، فإن أي مؤسسة تقرر انفرادياً التضحية بآفاق أرباحها لصالح المصلحة العامة دون وجود غطاء قانوني ملزم للجميع، ستجد نفسها في موقع تنافسي أضعف أمام منافسين آخرين لا يتورعون عن استغلال الموارد.
3. حتمية الضغط الخارجي: يؤكد التاريخ الاقتصادي أن المكاسب المجتمعية الكبرى (كتقليص ساعات العمل، وحظر تشغيل الأطفال، والحد الأدنى للأجور) لم تكن نتاج “صحوة ضمير” لدى النخب، بل تحققت عبر نضالات شعبية وتكافؤ قوى سياسي فرضَ قوانين صارمة من قِبل الدولة.
يُمثل كتاب “The Greater Good: A New Compass for Capitalism”  (الخير الأعظم: البوصلة الجديدة للرأسمالية) محاولة مخلصة لإصلاح الرأسمالية من الداخل لتفادي انهيارها تحت ثقل أزماتها المزدوجة (الاجتماعية والبيئية). غير أن المقاربة تظل محكومة بسقفها الإصلاحي؛ إذ أنها تعيد تدوير مقترحات وأفكار من خارج الرأسمالية الغربية وتُجردها من أدواتها التنفيذية الملزمة، مراهنةً على “أخلاقية رأس المال”؛ وهو رهان يتناقض مع الطبيعة الوظيفية لرأس المال الذي ينظر إلى “الخير الأعظم” كأداة لاستدامته وتأمين وجوده، وليس كهدف حقيقي بذاته.

أضف تعليق