
تاريخ الفكر الإنساني مليء بلحظات يتحول فيها الحالمون إلى جبابرة، لكن النموذج الذي يقدمه وادي السيليكون اليوم يُعد الأكثر تعقيداً في تاريخ البشرية، وذلك لأنه لا يمثل مجرد صراع تقليدي على السلطة والمال، بل هو اختبار قاسي ومباشر لبنية العقل البشري وانحيازاته المعرفية عندما يُمنح قوة تشكيل الواقع لمليارات البشر دون رقيب. والبت في هذه المسألة بعيداً عن التورط العاطفي أو الانحياز المصلحي يتطلب التردد إلى المحك الحقيقي: كيف تعمل آليات الدماغ والنفس البشرية تحت وطأة الثروة وتعظيم الإنسان حين يطغى لذاته؟
1. انحياز التبرير الأخلاقي (Moral Licensing) وفخ النية الأولى
حيث يبدأ الفرد رحلته بمشروع يحمل طابعاً إنسانياً نبيلاً، كرغبة جوجل القديمة في “تنظيم معلومات العالم وجعلها متاحة للجميع”، ولكن عندما يحقق هذا المشروع نجاحاً هائلاً، يقع العقل في فخ نفسي خطير يُعرف بـ “التبرير الأخلاقي الذاتي”. فصاحب القرار يعتقد أن “نيته التأسيسية كانت خيرة”، ومن ثمّ فإن أي سلوك يتخذه لاحقاً، مهما كان احتكارياً أو إقصائياً، هو مجرد وسيلة ضرورية لحماية هذه النية النبيلة. فينشأ هنا عمى فكري يجعل المؤسس غير قادر على رؤية أن أفعاله الحالية تتناقض كلياً مع قيم مراهقته الفكرية، حيث يُترجم التوسع الشرس في ذهنه على أنه “توسع للخير”.
2. وهم الكفاءة المطلقة (The Techno-Solutionism Trap)
يتعرض قادة التكنولوجيا لنوع خاص جداً من انحياز التأكيد (Confirmation Bias). فبما أنهم استطاعوا حل معضلات برمجية وهندسية معقدة في شبابهم، يُسقط العقل هذا النجاح الهندسي على العلوم الاجتماعية، والسياسة، والأخلاق. فيتوهم العقل التقني أن “العدالة” أو “الديمقراطية” أو “القيم” هي مجرد مشكلات كفاءة يمكن حلها بخوارزمية أفضل. وهذا السلوك يلغي الطبيعة الإنسانية المعقدة والمتحركة لصالح معادلة رقمية جافة، ويمنح القائمين عليها شعوراً زائداً بالاستحقاق الأخلاقي والفكري لسيادة العالم، لأنهم يعتبرون بقية البشر مجرد “مستخدمين” غير كفوئين في معالجة البيانات.
3. تأثير السلطة على البيولوجيا العصبية (Power Inhibit Dysregulation)
تُظهِر الدراسات الحديثة في علم النفس العصبي أن امتلاك النفوذ والمال بفرط يغير كيمياء الدماغ بصورة تتشابه مع إصابات الدماغ الرضية (Traumatic Brain Injury).
• تراجع التعاطف: حيث يقل نشاط “الخلايا العصبية المرآتية” المسؤولة عن فهم مشاعر الآخرين واستيعاب آلامهم.
• متلازمة الغطرسة (Hubris Syndrome) :الانفصال عن الواقع الميداني والعيش في “فقاعات نخبويّة” متجانسة فكرياً، حيث يستمع قادة التكنولوجيا فقط لمن يوافقهم الرأي، مما يحجب عنهم رؤية الآثار المدمرة التي تحدثها منصاتهم في المجتمعات النائية والدول النامية.
4. الحتمية الهيكلية: العقل في مواجهة المؤسسة
فحتى لو افترضنا وجود عقل بشرّي مقاوم لكل هذه الانحيازات النفسية، فإن البنية الوظيفية للرأسمالية الحديثة تحسم الصراع. فبمجرد تحول الفكرة الطوباوية إلى شركة مساهمة عامة تقع تحت مقصلة “وول ستريت”، يتغير المقياس الوحيد للنجاح ليكون: النمو اللانهائي وتعظيم قيمة السهم. وهنا يُصبح النظام هو الموجه، وما الفرد في رأس الهرم إلا أداة لتنفيذ متطلبات هذا النظام. فمحاولة الحفاظ على طوباوية أيام الدراسة داخل بيروقراطية الشركات العابرة للقارات تشبه محاولة تشغيل محرك بخاري بوقود من الأمنيات.
يتبين لنا، وبتدبر ما تقدم، أن أباطرة التكنولوجيا لم يُمنحوا الحق في صياغة قيم المستقبل لأنهم الأحقّ بها، بل لأن المجتمع الساكن فكرياً استبدل السيادة بالراحة، والتشريعات بالحداثة. فالمأساة لا تكمن في أن هؤلاء المؤسسين أصبحوا “أشراراً”، بالمعنى التقليدي، بل في أنهم بشر عاديون جداً، محملون بنفس الانحيازات المعرفية والضعف الإنساني، ولكنهم وُضعوا على رأس هرم السلطة، الأمر الذي منحهم قوة غير مسبوقة وقدرة على التحكم في خيارات مئات الملايين من البشر، وهذا ما لم يكن في حسبان أحدٍ منهم ولم يخطر بباله أبداً من قبل.
