ما الذي يقتضيه تدبُر القرآن في هذا الزمان؟

من بين أكثر الأفكار شيوعاً في الوعي الإسلامي المعاصر، الاعتقاد بأن القرآن الكريم كتابٌ يستطيع كل إنسان أن يفهمه مباشرةً بمجرد قراءته، من غير حاجة إلى إعدادٍ معرفي أو أدواتٍ تساعده على التدبر. ويستند كثيرون في ذلك إلى قوله تعالى: ﴿ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر﴾، وكأن قول الله تعالى هذا ينفي الحاجة إلى أي وسيلة معرفية لفهم النص القرآني. ولذلك فإن السؤال الذي يستحق أن يُطرح اليوم هو ليس: هل القرآن ميسَّر للذكر؟ فهذا الأمر قد بتَّ القرآن فيه ولا مجال بعدها لقول يخالفه. وإنما السؤال الأعمق هو: هل يعني تيسير القرآن أن شروط فهمه واحدة عند جميع الناس وفي جميع العصور، مهما تباعدت ألسنتهم وثقافاتهم عن عصر التنزيل؟
وهنا، لابد من التمييز بين أمرين مختلفين تماماً: تيسير القرآن في ذاته، وتيسير الوصول لمعانيه لكل قارئ. فالقرآن لم يتغير، ولم يمازجه أي غموض، لكن الذي تغيّر هو الإنسان الذي يقرؤه. فكلما ازداد البعد الزماني عن عصر التنزيل، اتسعت الفجوة بين لغة القرآن ولغة القارئ، وبين البيئة التي نزل فيها النص والبيئة التي يعيش فيها المتدبر. ومن هنا فإن السؤال الحقيقي لا يتعلق بالنص، وإنما يتعلق بالقارئ نفسه. فلقد كان العرب الذين نزل عليهم القرآن يتلقونه بلسانهم الذي يتكلمون به كل يوم. وكانوا يدركون دقائق التراكيب، وإيحاءات الألفاظ، وأساليب المجاز، ووجوه البلاغة، وما تحمله الكلمات من ظلال دلالية لا تحتاج إلى شرح. أما المسلم المعاصر، فإن لغته اليومية، بل وحتى لغته الفصيحة، لم تعد هي لسان القرآن العربي المبين بكل خصائصه. فاللغة العربية نفسها مرت خلال القرون بتحولات دلالية، واختفى كثير من مفرداتها وأساليبها، وتبدلت استعمالات ألفاظ كثيرة، حتى أصبح القارئ يقرأ الكلمة القرآنية وهو يمنحها أحياناً معنىً حديثاً لم تكن تحمله عند نزول القرآن.
ومن هنا، فإن الاستشهاد بقوله تعالى: ﴿ولقد يسرنا القرآن للذكر﴾ للخلوص إلى أن أي إنسان يستطيع أن يفهم القرآن فهماً صحيحاً من غير أدوات معرفية، هو استدلال يحتاج إلى مراجعة. فالآية الكريمة كانت تخاطب مجتمعاً يتقن اللسان الذي نزل به القرآن، ولم يكن يحتاج إلى تعلم العربية قبل أن يبدأ بفهم كلام الله. أما المسلم في هذا العصر، فإنه كثيراً ما يحتاج أولاً إلى أن يتعلم لسان القرآن نفسه قبل أن يباشر تدبره، تماماً كما يحتاج غير العربي إلى تعلم العربية من أصلها.
ولا يقتصر الأمر على اللغة وحدها. فالقارئ المعاصر يقف أيضاً على مسافة تاريخية وثقافية كبيرة من عصر التنزيل. فهو لا يعيش البيئة الاجتماعية نفسها، ولا يعرف كثيراً من العادات التي أحاطت بالنص، ولا يدرك بطبيعته كثيراً من الإشارات التي كانت واضحة لأول المخاطبين. ولذلك نشأت عبر القرون علوم متعددة لخدمة فهم القرآن، كعلم اللغة، والنحو، والصرف، والبلاغة، وأسباب النزول، وغريب القرآن، والقراءات، وغيرها. ولم تنشأ هذه العلوم لأنها تضيف شيئاً إلى القرآن، وإنما لأنها تعوض ما فقده المتلقي من أدوات الفهم الطبيعية التي كانت متوافرة عند الجيل الأول.
غير أن الواقع المعاصر يفرض علينا اليوم أدوات إضافية لم تكن مطلوبة بالدرجة نفسها في العصور السابقة. فاللسانيات الحديثة، وتحليل الخطاب، ودراسة تطور الدلالة، وعلم التداولية، وفلسفة اللغة، والهرمنيوطيقا النقدية، بل وحتى بعض معطيات العلوم الإنسانية والطبيعية، أصبحت جميعها تقدم وسائل تساعد المتدبر على تجنب إسقاط مفاهيم عصره على ألفاظ القرآن. فكلما ازدادت المسافة الزمنية، ازدادت الحاجة إلى أدوات معرفية تعيد تقريب القارئ من أفق النص الأصلي.
غير أن هذا لا يقتضي تحكيم المناهج الحديثة في نص القرآني أو جعلها حكماً عليه، وإنما يعني توظيف كل أداة معرفية صالحة يمكن أن تساعد على إزالة الحواجز التي صنعتها القرون بين القارئ والنص. فالأداة ليست بديلاً عن الوحي، بل هي وسيلة للاقتراب من معناه.
ومن هنا يمكن اقتراح مبدأ تفسيري جديد، مفاده أن مقدار الأدوات المعرفية التي يحتاجها الإنسان لفهم القرآن يزداد بازدياد المسافة التي تفصله عن عصر التنزيل. فكلما ابتعد الزمن، لم يزدد القرآن غموضاً، وإنما ازداد الإنسان بعداً عن البيئة التي نزل فيها. ولذلك فإن مسؤولية المتدبر المعاصر لا تقتصر على إخلاص النية، بل تشمل أيضاً إعداد نفسه علمياً ولغوياً حتى يصبح قادراً على استقبال الخطاب القرآني كما استقبله أوائل المُخاطَبين به قدر المستطاع.
إن القرآن الكريم سيبقى كتاباً ميسراً للذكر والهداية إلى قيام الساعة، ولكن تيسيره لا يعني الاستغناء عن الأسباب التي تعين على فهمه. فكما لا يستغني الإنسان عن تعلم اللغة لفهم أي نص عميق، فلا ينبغي له أيضاً أن يتصور أن فهم القرآن لا يقتضي منه تعلم لسانه العربي المبين، وعن التزود بالأدوات التي تقربه من عالمه الدلالي. إن التيسير الذي وعد الله تعالى به لا يلغي السعي، بل يجعل السعي مثمراً. فكلما ازداد الإنسان علماً بلسان القرآن، وبالسياق الذي نزل فيه، وبالأدوات التي تكشف دلالاته، ازداد اقتراباً من تبين المعنى الذي أراد الله تعالى ان نتبينه إذ أمرنا بتدبر قرآنه.

أضف تعليق