
من بين أكثر الأسئلة التي شغلت الإنسان عبر تاريخه سؤال الهوية: ما الذي يجعل الإنسان إنساناً حقًا؟ هل تحدده قوميته؟ أم عرقه؟ أم لغته؟ أم دينه؟ أم جنسه؟ أم طبقته الاجتماعية؟ أم مستواه العلمي والثقافي؟ ولقد تعاقبت الحضارات والفلسفات على تقديم أجوبة مختلفة لهذا السؤال، حتى غدا الإنسان في كثير من الأحيان يُعرَّف بما ينتمي إليه أكثر مما يُعرَّف بما هو عليه في حقيقته. ولذلك فإن السؤال الذي يستحق أن يُطرح اليوم هو ليس: ما الذي يميز البشر بعضهم عن بعض؟ وإنما: ما الذي يجعلهم جميعًا بشرًا قبل أي تمايز بينهم؟
يقدم الحديث النبوي الشريف جوابًا بالغ العمق والإيجاز حين يقول: “كلكم لآدم، وآدم من تراب”. فهذه الكلمات القليلة لا تقتصر على التذكير بأصل الإنسان تواضعًا، وإنما تقدم تصورًا أنثروبولوجيًا متكاملًا عن حقيقة الإنسان نفسه. فهي تجعل الإنسان يبدأ من المشترك قبل المختلف، ومن الوحدة قبل التعدد، ومن الجوهر (المَخبر) قبل ما يطرأ على الانسان من صفات (المظهر).
فحين يقول النبي صلى الله تعالى عليه وسلم “كلكم لآدم”، فإنه يلغي كل محاولة لتعريف الإنسان من خلال انتماءاته الثانوية. فلا أحد أكثر إنسانية من غيره بسبب نسبه، أو قوميته، أو لونه، أو لغته، أو معتقده، أو طبقته الاجتماعية. فجميع هذه الفوارق تأتي بعد تحقق الإنسانية، لا قبلها. أما حقيقة الإنسان نفسها فقد اكتملت قبل أن توجد هذه التصنيفات كلها.
ثم تأتي الجملة الثانية “وآدم من تراب”، لترد الإنسان كله إلى أصل واحد مشترك. فالتراب هنا ليس مجرد مادة خُلق منها الجسد، وإنما هو إعلان عن وحدة الأصل البايولوجي للإنسان. فجميع البشر يشتركون في البنية الحيوية ذاتها، وفي الجهاز العصبي ذاته، وفي الطبيعة العضوية نفسها، مهما اختلفت ألوانهم وألسنتهم وأوطانهم.
غير أن المقاربة الميتابايولوجية ترى أن الحديث، وإن كان قد ابتدأ بالأصل الترابي، فإنه يفتح الباب لفهم ما وقع بعد هذا الأصل أيضًا. فآدم لم يبق مجرد كائن بايولوجي كسائر الكائنات الحية، وإنما شهد حدثًا فارقًا غيّر من طبيعة الظاهرة الإنسانية ذاتها. وهذا الحدث هو ما تصفه النظرية الميتابايولوجية بالانعطافة التطورية الأولى؛ أي الانتقال من الإنسان بوصفه كائنًا تحكمه قوانين البايولوجيا وحدها، إلى الإنسان بوصفه كائنًا يمتلك خصائص جديدة لا يمكن تفسيرها تفسيرًا بايولوجيًا صرفًا.
وعلى هذا الأساس، فإن قول النبي صلى الله تعالى عليه وسلم “كلكم لآدم” لا يعني مجرد وحدة النسب، وإنما يعني أيضًا وحدة هذا التحول الميتابايولوجي الذي طرأ على آدم وانتقل إلى ذريته جميعًا. فكما يشترك البشر في أصلهم الترابي، فإنهم يشتركون كذلك في هذا الإرث الإنساني الجديد الذي جعلهم جميعًا يمتلكون النفس الإنسانية نفسها، والإرادة نفسها، والاستعداد ذاته للاهتداء أو الضلال، وللسمو أو الانحدار.
ومن هنا يصبح بالإمكان التمييز بين مستويين مختلفين في تعريف الإنسان. فالمستوى الأول هو الأصل البايولوجي المشترك الذي يشير إليه قوله صلى الله تعالى عليه وسلم “وآدم من تراب”. أما المستوى الثاني فهو الأصل الميتابايولوجي المشترك الذي نشأ بعد ذلك الحدث الفارق الذي جعل الإنسان ظاهرة تختلف عن سائر الظواهر البايولوجية. وهذان المستويان يكفيان لتعريف الإنسان تعريفًا جامعًا مانعًا. أما ما يأتي بعد ذلك من اختلافات في اللون، أو العرق، أو الجنس، أو اللغة، أو الثقافة، أو الدين، أو التعليم، أو الثروة، أو المكانة الاجتماعية، فليس مما يضيف إلى حقيقة الإنسان شيئًا. إنها كلها أوصاف لاحقة، تصف كيفية تجلي الإنسان في التاريخ، لكنها لا تصنع إنسانيته، ولا تزيد منها، ولا تنقص منها شيئاً. فهي أشبه بالأشكال المختلفة التي تتخذها مادة واحدة، دون أن يتغير جوهرها.
ولهذا فإن كثيرًا من صور التمييز التي عرفها التاريخ البشري تنشأ من خطأ منهجي في تعريف الإنسان. فالناس يبدأون مما يختلفون فيه، ثم يجعلون اختلافهم هذا أساسًا للحكم على حقيقة الإنسان. بينما يشير الحديث إلى المنهج المعاكس تمامًا؛ إذ يبدأ بما يشترك فيه الجميع، ثم يجعل كل ما عداه تفصيلات لا تمس الجوهر. ومن هذه الزاوية، لا يعود السؤال المهم: إلى أي شعب ينتمي الإنسان؟ ولا: ما دينه؟ ولا: ما لغته؟ ولا: ما جنسه؟ وإنما: هل نتحدث عن الكائن الإنساني الذي ينتمي إلى آدم، ويحمل الإرث البايولوجي والميتابايولوجي نفسه؟ فإذا كان الجواب نعم، فقد اكتمل تعريف الإنسان بالفعل، ولم يعد هناك ما تضيفه بقية الانتماءات إلى حقيقته.
ولعل هذا هو أحد أعمق المعاني التي يتضمنها هذا الحديث الشريف. فهو لا يدعو إلى المساواة بين البشر بوصفها قيمة أخلاقية فحسب، وإنما يؤسس لها على قاعدة أنطولوجية ومعرفية؛ إذ يقرر أن حقيقة الإنسان قد تحددت قبل أن يولد أي اختلاف بينهم. فالإنسان لا يصبح إنسانًا بسبب ما يكتسبه، وإنما لأنه ينتمي إلى ذلك الأصل الواحد الذي يجمع البشرية كلها.
ومن هنا تقترح المقاربة الميتابايولوجية أن حديث “كلكم لآدم وآدم من تراب” لا ينبغي أن يُقرأ بوصفه مجرد تذكير بالتواضع أو دعوة لنبذ العصبية القومية أو العرقية، مع القيمة البالغة لهذين المعنيين، وإنما بوصفه تعريفًا كاملًا للإنسان نفسه. فهذا الحديث الشريف يحدد الأصل البايولوجي المشترك، ويفتح المجال لفهم الأصل الميتابايولوجي المشترك، ويجعل كل ما عدا ذلك من فروق بشرية تفاصيل لا تمت بأي صلة لحقيقة الإنسان ولا جوهره. وإذا كان الأمر كذلك، فإن هذا الحديث يغدو واحدًا من أكثر النصوص النبوية قدرة على تأسيس رؤية علمية وفلسفية متكاملة للإنسان؛ رؤية تبدأ بالإنسان المشترك قبل الإنسان المختلف، وبالجوهر قبل المظهر، وبالوحدة قبل التعدد.
