تاريخ الإيديولوجيات… الوجوه الجديدة للعقائد القديمة

من بين أكثر التصورات رسوخًا في الوعي السياسي الحديث، الاعتقاد بأن تاريخ الإيديولوجيات هو تاريخ الابتكار الفكري، وأن كل مرحلة من مراحل التاريخ قد أنتجت رؤية جديدة للإنسان والمجتمع والدولة تختلف جذريًا عما سبقها. ولذلك اعتاد الناس أن يتحدثوا عن الليبرالية والاشتراكية والقومية والمحافظة والفاشية والشيوعية وغيرها، وكأن كل واحدة منها تمثل بداية فكرية غير مسبوقة. مما لا جدال فيه أن الإيديولوجيات تختلف عن بعضها البعض في ظاهر الأمر، ولكن، هل هي تختلف في بنيتها العميقة فعلًا، أم أنها تعيد إنتاج عدد محدود من التصورات الأساسية في صور متغيرة؟
إن مجرد التأمل في تاريخ الفكر السياسي يكشف أن الإنسان لم يكف يومًا عن البحث عن الإجابة على الأسئلة نفسها: من ينبغي أن يحكم؟ وما حدود السلطة؟ وما الذي يحقق العدالة؟ وما الذي ينبغي أن يُقدَّم حرية الفرد أم مصلحة الجماعة؟ وهل الإنسان صالح بطبعه أم يحتاج إلى سلطة تكبح اندفاعه؟ ولقد تغيرت الأسماء، وتبدلت الشعارات، وتعاقبت الأنظمة، لكن هذه الأسئلة بقيت نفسها، وكأن العقل البشري لم يجد منذ آلاف السنين إلا هذا العدد المحدود من المحاور التي يدور حولها.
ولذلك فإن كثيرًا من الإيديولوجيات التي تبدو متعارضة أشد التعارض قد تكون، عند النظر إلى بنيتها، أقرب إلى أبناء أسرة واحدة مما يظن أصحابها. فهي تختلف في الإجابات، لكنها تشترك في الكيفية التي تصوغ بها الأسئلة، وفي الافتراضات التي تنطلق منها، وفي الحدود التي تتحرك داخلها. وكثيرًا ما يكون الخلاف بين إيديولوجيتين خلافًا في ترتيب الأولويات، لا في طبيعة الرؤية ذاتها.
ولو أننا حذفنا أسماء الأحزاب، وأغفلنا أسماء المُنظِّرين، وأزلنا الملابسات التاريخية، ثم حاولنا تصنيف الإيديولوجيات بحسب التصورات التي تحملها عن الإنسان، لا بحسب الشعارات التي ترفعها، لربما اكتشفنا أن تاريخ السياسة كله يمكن اختزاله إلى عدد قليل من الأنماط الفكرية المتكررة. فهناك من يمنح الأولوية للفرد، ومن يمنحها للجماعة، ومن يثق بالطبيعة الإنسانية، ومن يشك فيها، ومن يرى أن العدالة تتحقق بالمساواة، ومن يراها تتحقق بالاستحقاق، ومن يُعظم النظام، ومن يُعظم الحرية. وما عدا ذلك كثيرًا ما يكون إعادة تركيب لهذه العناصر بأوزان مختلفة. ومن هنا قد يكون تضخم عدد الإيديولوجيات وهمًا أكثر منه حقيقة. فما يبدو ثراءً فكريًا لامحدودًا قد يكون في جوهره تنويعات لعدد محدود من الرؤى التي لم يغادرها العقل البشري منذ أن بدأ ينظم حياته في جماعات.
ولعل التاريخ نفسه يقدم الدليل على ذلك. فما أكثر الثورات التي خرجت لإسقاط الاستبداد ثم انتهت إلى بناء استبداد جديد. وما أكثر الحركات التي رفعت شعار تحرير الإنسان ثم فرضت عليه أشكالًا جديدة من الوصاية. وما أكثر الأنظمة التي وعدت بالمساواة وانتهت إلى صناعة طبقات جديدة، أو وعدت بالحرية وانتهت إلى تكريس امتيازات جديدة. ولو كانت الإيديولوجيات تمثل قطيعة حقيقية مع ما سبقها، لما رأينا هذه الأنماط تتكرر بهذه الصورة المدهشة عبر القرون. ولا يعني ذلك أن جميع الإيديولوجيات سَواء، أو أن نتائجها واحدة، أو أن الفروق بينها شكلية. فهناك اختلافات حقيقية في المبادئ، والوسائل، والنتائج، وآثارها في حياة المجتمعات، لكن هذه الاختلافات لا تنفي احتمال أن تكون جميعها قد وُلدت من عدد محدود من التصورات الأساسية التي لا يكاد العقل البشري يغادرها؛ فالاختلاف بين الشجرة وأغصانها لا ينفي وحدة الجذر.
وتقدم المقاربة الميتابايولوجية تفسيرًا لهذا التكرار. فهي ترى أن الإنسان لا يبني إيديولوجياته انطلاقًا من الواقع وحده، وإنما من خلال فائض التمثل الذي يصوغ صورة الإنسان عن نفسه، وعن الجماعة التي ينتمي إليها، وعن الآخرين الذين يختلف عنهم. ومن هذا الفائض تنشأ صور التفوق، والخوف، والاصطفاف، والانحياز، والأمل، والعدالة، فتتخذ في كل عصر لغة سياسية جديدة، بينما تبقى بنيتها النفسية والمعرفية متقاربة إلى حد بعيد.
ولهذا السبب كثيرًا ما تتشابه الإيديولوجيات في ممارساتها أكثر مما تتشابه في خطاباتها. فقد يختلف الشعار، لكن الآلية التي يعمل بها العقل الإنساني تظل واحدة. فالإنسان يميل إلى تمجيد الفكرة التي ينتمي إليها، وإلى تضخيم فضائلها، والتقليل من عيوبها، وإلى النظر إلى خصومه من خلال تمثلاته لا من خلال حقيقتهم. ومن هنا يصبح الانتماء نفسه جزءًا من المشكلة المعرفية، لا مجرد موقف سياسي.
ولعل من أكثر مظاهر هذا الوهم دلالة أن كل جيل يعتقد أنه قد وجد أخيرًا الإيديولوجيا التي ستنهي الصراع الإنساني، ثم لا يلبث التاريخ أن يكشف أن الصراع عاد في صورة جديدة. وكأن الإنسان لا يبتكر طريقًا جديدًا، بقدر ما يعيد السير في الطريق نفسه وهو يظن أنه يسلك طريقًا آخر.
ومن هنا فإن إعادة كتابة تاريخ الإيديولوجيات قد لا تبدأ بإضافة إيديولوجيا جديدة إلى القائمة، وإنما بإعادة تصنيف جميع الإيديولوجيات وفق البنى التمثلية التي أنتجتها. فليس من المهم معرفة أي الإيديولوجيات ظهرت أولًا، وإنما عدد الطرق المحدودة التي ظل الإنسان يعيد بها تصور السلطة والحرية والعدالة والمجتمع عبر التاريخ.
ولذلك فإن تاريخ الإيديولوجيات قد لا يكون، في جوهره، تاريخًا لتعدد الرؤى السياسية، بل تاريخًا لإعادة إنتاج عدد محدود من التمثلات عن الإنسان. ومادام العقل البشري أسير هذه التمثلات، فإنه سيظل يغير الأسماء، ويبدل الشعارات، ويؤسس الأحزاب، ويكتب الدساتير، بينما يعيد، في كل مرة، إنتاج العقائد القديمة بوجوه جديدة.

أضف تعليق