“إغلاق العقل الروسي” أم انغلاق العقل البشري

تستوقف المتابعَ للمشهد الفكري المعاصر مفارقةٌ صارخة: كيف لإنسان القرن الحادي والعشرين، الذي بلغ أوج تمكّنه التقني والعلمي، وساد الأرض براً وبحراً وجواً بفضل قدرات حسابية وفكرية هائلة، أن يظل أسيراً لخوفه القديم ذاته من “الآخر”، وعاجزاً عن التحرر من إعوجاج منطقه بشري؟ إن المتأمل في النِتاج المعرفي الغربي المعاصر يلاحظ بوضوح كيف يتلاشى المنطق العلمي الدقيق بمجرد أن يصطدم الفكر بـ “فائض التماثل” والإيديولوجيا الموجهة. ولعل كتاب Closing the Russian Mind (إغلاق العقل الروسي)، الصادر مؤخراً عن مطبعة جامعة كولومبيا، يقدم الدليل القاطع على هذه الانتكاسة المعرفية.
فكيف يرتضي العقل الأكاديمي والتحليلي في عصرنا هذا أن يصدر أحكاماً إطلاقية شمولية تطال شعباً بأكمله وقومية بأسرها؟ وكيف تمر مثل هذه التعميمات المغرضة دون أن تستثير الحياء العلمي لدى القائمين على دور نشر جامعية مرموقة؟ إن إطلاق حكم عام بحق حضارة كاملة وطريقة عيش ملايين البشر، لمجرد أن قدرهم الجغرافي والسياسي جعلهم مواطنين روساً، ليس سوى استمرار لمنطق متهافت لا يستشعر حجم المغالطة Logical Fallacy التي يقع فيها. فهذا الاعوجاج المنظومي ليس بجديد؛ فهو يذكرنا بسلسلة طويلة من أدبيات “المركزية الذاتية” التي تناولت شعوباً أخرى بنقد غير موضوعي، مُحاكِمةً عقولها وطريقة تفكيرها لمجرد أنها لم تَثُر على قدرها السياسي. ولقد تناسى أصحاب هذا المنطق أن غالبية شعوب الأرض أدركت، منذ أزمنة بعيدة، محدودية قدرتها على تغيير سياسات حكامها. وهنا يطرح السؤال نفسه: هل يحق لأحد أن يؤلف كتباً تتحدث عن “إغلاق العقل الأمريكي” أو “إغلاق العقل الفرنسي أو البريطاني” بناءً على السلوك السياسي لدولهم؟ فهل أفلحت هذه الشعوب “الديمقراطية” يوماً في منع حكامها من خوض حرب غاشمة، أو إيقافها بعد اشتعالها؟ وهل كان الشارع الأمريكي هو من جعل حكام واشنطن يكفون عن تدخلاتهم الدامية في جنوب شرق آسيا وأمريكا اللاتينية؟ أم هل استطاعت الشعوب الأوروبية والملايين التي خرجت في العواصم الغربية أن تمنع غزو العراق عام 2003 أو تجبر الإدارة الأمريكية على إنهاء احتلاله؟ وإذا كان العجز عن تغيير قرار الحرب سمة عامة تتشارك فيها الشعوب أمام تحكم السلطة، فلماذا يُحكم بـ “إغلاق العقل الروسي” وحده لمجرد عجز المواطن الروسي عن إجبار الكرملين على الانسحاب من أوكرانيا؟
إن هذا الجزم القطعي بإغلاق عقل قومية كاملة يعيد إلى الأذهان تاريخاً مظلماً من الطروحات الاستعلاءية التي حاكمت “العقل العربي”، و”العقل الشرقي”، و”العقل المسلم”، بل وحتى “عقل المرأة”، وصولاً إلى القرون التي جزم فيها الإنسان بأن “الحيوان لا عقل له” لتبرير استغلاله. إنها المحاكمة ذاتها التي تُلبس الإيديولوجيا لبوس التحليل النفسي والاجتماعي.
يمثل كتاب Closing the Russian Mind زلة معرفية وحضارية كان يجدر بمؤسسة بحجم مطبعة جامعة كولومبيا أن تترفع عنها. غير أن القيمة الوحيدة وغير المقصودة، لهذا الكتاب تكمن في كونه يقدم برهاناً ساطعاً على أن الإنسان، رغم كل عدته العلمية والتكنولوجية، لم يتغير كثيراً عن أسلافه؛ فما زال يقع في ذات الأخطاء المعرفية الكارثية كلما غلبت عليه النمطية. إننا اليوم بأشد الحاجة إلى ثورة حقيقية على الذات؛ ثورة تحرر العقل البشري من عبوديته للأنماط الإيديولوجية الجاهزة، وتُعيد لـ “المنطق” اعتباره كأداة للبحث عن الحقيقة، وليس كسلاح لتجريد “الآخر” من قيمته الوجودية.

أضف تعليق