هل أخطأ جورج سانتيانا؟… تصحيحٌ فلسفي لعبارة: “من لا يتذكر الماضي محكوم عليه بأن يعيده”

من بين أكثر العبارات الفلسفية حضورًا في الثقافة الإنسانية تلك المقولة الشهيرة التي صاغها الفيلسوف الأمريكي جورج سانتيانا: “أولئك الذين لا يتذكرون الماضي محكوم عليهم بأن يعيدوه.” وقد أصبحت هذه العبارة شعارًا يُستشهد به كلما جرى الحديث عن الدلالة المعرفية البالغة للتاريخ، حتى كاد الناس يتعاملون معها بوصفها حقيقة لا تقبل المراجعة. ولذلك فإن السؤال الذي يستحق أن يُطرح اليوم هو ليس: هل الماضي مهم؟ فهذا أمر لا يكاد يجادل فيه أحد. وإنما السؤال الأعمق هو: هل المشكلة حقًا في عدم تذكر الماضي، أم في شيء آخر أكثر عمقًا؟ فمجرد التأمل في التاريخ البشري يكفي لإثارة الشك في الصياغة التي اقترحها سانتيانا. فالبشر لم ينسوا حروبهم الكبرى، ولم ينسوا المجاعات، ولا الطغاة، ولا الانهيارات الاقتصادية، ولا الكوارث السياسية. بل على العكس، لقد كتبوا عنها آلاف الكتب، وشيدوا لها المتاحف، وخلدوها في المناهج الدراسية، وأقاموا لها النصب التذكارية، وأنتجوا عنها الأفلام والروايات والوثائقيات. فلو كان مجرد التذكر كافيًا لمنع التكرار، لكان التاريخ قد توقف منذ زمن بعيد عن إعادة إنتاج مآسيه. فالإنسان يتذكر الماضي أكثر مما يتصور. ولكنه، مع ذلك، يعيد إنتاجه مرة بعد أخرى. وهذا يعني أن المشكلة ليست في الذاكرة، وإنما في التعلم. فالفرق بين التذكر والتعلم فرق جوهري. فالتذكر هو استحضار ما وقع، أما التعلم فهو أن يُحدث ما وقع تغييرًا في طريقة التفكير واتخاذ القرار. وقد يمتلك الإنسان ذاكرةً دقيقة، لكنه يظل عاجزًا عن استخلاص العبرة منها. وكثيرًا ما يعرف الإنسان ما انتهى إليه الآخرون، ثم يمضي في الطريق نفسه وهو مقتنع بأن نهايته ستكون مختلفة.
ومن هنا تبدو العبارة الأدق هي: “أولئك الذين لا يتعلمون من الماضي محكوم عليهم بأن يعيدوه.” غير أن هذه الصياغة الجديدة لا تكتمل إلا إذا طرحنا سؤالًا آخر: لماذا لا يتعلم الإنسان من الماضي، مع أنه يتذكره؟
وهنا يكشف التحليل الميتابايولوجي عن السبب الأعمق. فالإنسان لا يقرأ التاريخ قراءةً محايدة، وإنما يقرأه من خلال فائض التمثل الذي يجعله يرى نفسه استثناءً دائمًا. فهو يعترف بأن الإمبراطوريات السابقة سقطت بسبب الغرور، لكنه يعتقد أن إمبراطوريته تختلف عنها. ويقر بأن أممًا كثيرة انهارت بسبب التعصب، لكنه يرى أن تعصبه مبرر. ويقرأ عن إفلاس المستثمرين الذين اندفعوا وراء الطمع، ثم يقنع نفسه بأن خبرته ستجنبه أن يلقى ذات المصير. وهكذا يتحول التاريخ، في وعيه، إلى سجل لأخطاء الآخرين لا إلى مرآة يرى فيها نفسه.
ولهذا فإن الإنسان لا يحتاج إلى مزيد من الذاكرة بقدر ما يحتاج إلى التحرر من الوهم الذي يمنعه من رؤية نفسه داخل التاريخ. فهو لا يفشل في استحضار الماضي، وإنما يفشل في الاعتراف بأنه يخضع للقوانين النفسية نفسها التي خضع لها من سبقوه.
ولعل هذا ما يفسر المفارقة العجيبة التي صاحبت الحضارة الإنسانية عبر آلاف السنين. فكل جيل كان يمتلك تاريخًا أطول من الجيل الذي سبقه، ومع ذلك لم يكن أقل استعدادًا لتكرار ذات الأخطاء. ولو كانت كثرة المعلومات كافية لصناعة الحكمة، لكان عصرنا أقل العصور وقوعًا في الأزمات، بينما تشير الوقائع إلى أن الإنسان المعاصر لا يزال يعيد إنتاج كثير من أنماط الماضي، وإن ارتدت ثيابًا جديدة.
ومن هنا، فإن دراسة التاريخ لا تحقق غايتها بمجرد معرفة ما وقع، وإنما تبدأ غايتها الحقيقية عندما يتحول التاريخ إلى معرفة بالإنسان نفسه. فالتاريخ ليس كتابًا عن الماضي، بقدر ما هو كتاب عن الطبيعة الإنسانية التي صنعت ذلك الماضي ولا تزال تصنع الحاضر.
ولذلك فإن التصحيح الفلسفي الحقيقي لعبارة سانتيانا لا يقتصر على استبدال كلمة “يتذكرون” بكلمة “يتعلمون”، بل يمتد إلى ما هو أبعد من ذلك. فحتى التعلم نفسه يظل مستحيلًا مادام الإنسان أسير التمثلات التي تقنعه بأنه حالة خاصة. ومن ثم فإن العبارة ربما تحتاج، في ضوء فهمٍ أعمق للطبيعة الإنسانية، إلى صياغة أكثر اكتمالًا:
“أولئك الذين لا يتحررون من أوهامهم وهم يقرؤون الماضي، محكوم عليهم بأن يعيدوه.”
فليس التاريخ هو الذي يخدع الإنسان، وإنما الإنسان هو الذي يخدع نفسه وهو يقرأ التاريخ.

أضف تعليق