من كربتونايت سوبرمان إلى عقب أخيل… رجوعًا إلى شجرة آدم

من بين أكثر الأنماط رسوخًا في الخيال البشري ذلك النمط الذي يرفض أن يسمح بوجود كائن بشري كامل لا يُقهر. فما إن يبتكر الإنسان بطلاً خارقًا، أو محاربًا أسطوريًا، أو مخلوقًا يمتلك قدرات تفوق البشر، حتى يسارع إلى إلحاق نقطة ضعف خفية به، وكأن الكمال نفسه أمر لا يستطيع العقل البشري احتماله. ولذلك فإن السؤال الذي يستحق أن يُطرح اليوم هو ليس: لماذا ابتكر الإنسان شخصيات خارقة؟ فهذا أمر مفهوم في ضوء شغفه بالقوة وتجاوز حدود الطبيعة. وإنما السؤال الأعمق هو: لماذا أصر، في كل مرة تقريبًا، على أن يجعل تلك القوة العظيمة رهينة ضعف واحد قادر على إسقاطها؟ فالأساطير القديمة والحديثة تكاد تتفق جميعًا على هذا المبدأ. فأخيل، أعظم محاربي الإغريق، كان جسده كله محصنًا إلا موضعًا صغيرًا في عقبه لم يمسه دم التنين الذي منح جسده الحصانة، فكان ذلك الموضع الصغير سبب هلاكه. وبعد آلاف السنين، يظهر سوبرمان، القادم من كوكب آخر، قادراً على ما يعجز عنه البشر جميعًا، لكنه ينهار أمام قطعة صغيرة من الكربتونايت، ذلك الحجر الذي يحمل بقايا عالمه المفقود. وتختلف الأسماء، وتتغير الأزمنة، لكن البنية السردية تبقى واحدة: لا بطل بلا نقطة ضعف، ولا كمال بلا ثغرة.
وقد يبدو هذا مجرد تقليد أدبي، غير أن تكرره عبر حضارات وعصور متباعدة يدعو إلى التساؤل عما إذا كان يعكس شيئًا أعمق من مجرد الحبكة القصصية. فالعقل البشري لا يكتفي بصناعة القوة، بل يشعر بحاجة دائمة إلى تقييدها. وكأنه يعلن، في كل مرة، أن كل امتياز عظيم ينبغي أن يقابله نقص خفي يعيد التوازن إلى العالم.
وهنا تفرض الرواية القرآنية نفسها بوصفها أقدم رواية متكاملة تتناول هذا النمط من زاوية مختلفة تمامًا. فالقرآن لا يقدم آدم عليه السلام بوصفه مخلوقًا يتدرج نحو الكمال، وإنما يقدمه مخلوقًا خلقه الله في أحسن تقويم، ثم طرأ عليه تحول جذري بعد أن ذاق من الشجرة التي نهاه الله عنها. ومنذ تلك اللحظة أصبح الإنسان يعرف الضعف والتعب والمرض والموت، وصارت حياته كلها مشروطة بما لم يكن يعرفه من قبل.
ومن اللافت أن هذا البناء السردي يختلف في تفاصيله عن أسطورة أخيل وقصة سوبرمان، لكنه يشترك معها في البنية العامة نفسها: وجود حالة أولى من الامتياز أو القوة، يعقبها عنصر واحد يقلب المعادلة كلها، فتدخل الهشاشة إلى ما كان يبدو محصنًا.
وقد يُنظر إلى هذا التشابه على أنه مصادفة، كما قد يُنظر إليه على أنه دليل على ميل العقل البشري إلى إنتاج الأنماط السردية نفسها. غير أن هناك احتمالًا ثالثًا يستحق التأمل، وهو أن تكون هذه البنية المتكررة قد احتفظت، عبر آلاف السنين، بأثر ذكرى بعيدة جدًا تعود إلى حدث تأسيسي في تاريخ الإنسان، ثم أعادت الثقافات المختلفة إنتاجها بصور وأساطير ورموز متباينة.
فإذا كانت الذاكرة الجمعية تحتفظ بأصداء أحداث كبرى، فلا يستبعد أن تتحول تلك الأصداء، مع مرور الزمن، إلى أساطير منفصلة فقدت سياقها الأصلي وبقيت محافظة على بنيتها العميقة. وعندئذٍ لا تكون الأسطورة اختراعًا من العدم، بل إعادة تشكيل لذاكرة بعيدة لم تعد البشرية تعرف تفاصيلها الكاملة.
ولعل هذا ما يفسر لماذا تتكرر، في حضارات لا يجمع بينها تاريخ مباشر، الفكرة نفسها: لا وجود لقوة مطلقة داخل العالم الإنساني، ولا لكائن بلغ من الكمال حدًا لا يناله الضعف. وكأن العقل البشري يحمل يقينًا راسخًا بأن الهشاشة ليست طارئة على الإنسان فحسب، بل هي جزء من حكايته الأولى.
ومن منظور ميتابايولوجي، يمكن أن يُعاد النظر في هذه البنية كلها. فإذا كانت قصة آدم تمثل بالفعل الانعطافة التطورية التي انتقل بسببها الإنسان من حالة إلى حالة أخرى، فإن كثيرًا مما نسميه اليوم أساطير قد لا يكون مجرد خيال حر، بل صدى ثقافي بعيد لذلك الحدث التأسيسي. فالأسماء تبدلت، والرموز تغيرت، والتفاصيل أُعيد تشكيلها، لكن الفكرة الجوهرية بقيت حاضرة: امتياز عظيم أفسده عنصر واحد، وقوة هائلة دخل إليها الضعف من باب صغير.
ولا يعني هذا أن كل أسطورة هي رواية تاريخية، ولا أن كل خيال يحمل ذكرى حقيقية. لكنه يدعونا إلى التخفف من ذلك اليقين الذي يفصل فصلاً قاطعًا بين الوحي والأسطورة، وكأن التشابهات المتكررة لا تستحق النظر. فقد تكون بعض الأساطير مجرد خيال، وقد تكون أخرى قد احتفظت، من حيث لا يشعر أصحابها، ببقايا حقيقة قديمة جدًا، غطتها طبقات متراكمة من الرموز والمجازات.
وهكذا، فإن الطريق الذي يبدأ من الكربتونايت، ويمر بعقب أخيل، قد لا ينتهي عند الأدب والأسطورة وحدهما، بل قد يقودنا إلى سؤال أعمق: ماذا لو كانت بعض أكثر الحكايات انتشارًا في تاريخ البشر ليست إلا ظلالًا باهتة لذاكرة إنسانية سحيقة بدأت يوم وقف آدم لأول مرة أمام الشجرة؟

أضف تعليق