وهم التكافؤ بين الخير والشر… لماذا يرفض القرآن الثنائية التي يعشقها الإنسان؟

من بين أكثر الأنماط رسوخًا في المخيلة البشرية، الاعتقاد بأن كل قوة عظيمة لا بد أن تواجه قوة أخرى تماثلها في القدرة، وأن الصراع لا يكتمل إلا إذا كان طرفاه متقاربين في القوة والنفوذ. ولذلك امتلأت الأساطير القديمة بحروب الآلهة، وتنافست فيها قوى النور والظلام، والخير والشر، حتى أصبح الإنسان ينظر إلى الكون كله بوصفه ساحة مواجهة دائمة بين معسكرين متكافئين. ولذلك فإن السؤال الذي يستحق أن يُطرح اليوم هو ليس: لماذا يتحدث البشر عن الخير والشر؟ فهذا أمر يكاد يكون ملازمًا لكل الحضارات. وإنما السؤال الأعمق هو: لماذا أصر العقل البشري على أن يجعل الشر قوة تقابل الخير، وأن يمنحه من الاستقلال والقدرة ما يجعله ندًا له؟ فمجرد التأمل في النتاج الإنساني يكشف أن هذه النزعة لم تغادر الإنسان يومًا. فالأساطير القديمة تكاد تخلو من إله عظيم إلا وجعلت له خصمًا عظيمًا ينازعه السيادة. ثم انتقلت هذه البنية نفسها إلى الأدب، ومنها إلى روايات الخيال العلمي، ثم إلى السينما الحديثة. فلا يكاد يظهر بطل خارق إلا ويظهر معه شرير خارق يمتلك قدرات تكاد تماثل قدراته. فـ”سوبرمان” لا يكتمل إلا بوجود “ليكس لوثر” أو “دومزداي”، و”باتمان” لا تكتمل حكايته إلا مع “الجوكر”، وسائر الأبطال الخارقين لا يصبحون أبطالًا إلا إذا وقف في وجوههم خصوم يوازونهم في القوة والخطر. وكأن العقل البشري يعجز عن تصور بطولة بلا خصم مكافئ، أو خير بلا شر يقف معه على قدم المساواة.
ولم يتوقف أثر هذه النزعة عند حدود الأدب والفن، وإنما انعكس كذلك على الكيفية التي أوَّل بها الإنسان السرديات الدينية. ففي كثير من التصورات اللاهوتية التي سادت أوروبا في العصور الوسطى، لم يعد الشيطان مجرد مخلوق عاصٍ، بل تحول تدريجيًا إلى قائد لمعسكر كامل يقابل معسكر الله، وأُحيط بهالة من القوى الخارقة، حتى بدا في المخيلة الشعبية وكأنه الحاكم المقابل لعالم الشر، يقود حربًا كونية طويلة ضد الله وأوليائه. ومع مرور الزمن، تسرب هذا التصور إلى الأدب والفنون، ثم أصبح جزءًا من الثقافة الغربية العامة، حتى غدا كثير من الناس يقرؤون النصوص الدينية من خلاله، وليس من خلال النص نفسه.
غير أن القرآن يقدم لنا صورة مختلفة اختلافًا جذريًا. فهو لا يرسم مشهدًا لصراع بين قوتين متكافئتين، ولا يضع الله والشيطان في مواجهة بين ندين، ولا يمنح الشر استقلالًا وجوديًا يجعل منه قوة تقابل القدرة الإلهية. بل يقرر مبدأً يهدم هذا البناء كله من أساسه: ﴿وَأَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾، ويقرر في الوقت نفسه حقيقة الشيطان بقوله: ﴿إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا﴾.
وليس الفرق بين الصورتين فرقًا في مقدار القوة فحسب، وإنما هو فرق في طبيعة العلاقة نفسها. ففي التصور البشري يبدو الخير والشر وكأنهما قوتان تتجاذبان العالم. أما في القرآن، فلا توجد إلا قوة واحدة مطلقة، وكل ما عداها مخلوق محدود، لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًا إلا بإذن الله. والشيطان ليس سلطانًا يقابل سلطان الله، وإنما هو مخلوق عاجز لا يتجاوز تأثيره حدود الوسوسة والدعوة والإغراء، ولا يستطيع أن يُكره أحدًا على شيء.
ولعل هذا هو أحد الفروق الكبرى بين النص الإلهي والسردية البشرية. فالعقل البشري، المتأثر بطبعه القصصي، يجد في الثنائية المتوازنة عنصرًا من عناصر التشويق والانسجام الدرامي، فيعيد تشكيل الواقع على صورته. أما القرآن، فلا يساير هذا الميل النفسي، بل يصححه. فهو يرفض أن يجعل للشر سيادة مستقلة، ويرفض أن يتحول الشيطان إلى قطب كوني يقف في مواجهة الله، لأن ذلك يناقض حقيقة التوحيد، ويمنح المخلوق ما لا يملكه.
ومن منظور ميتابايولوجي، يمكن فهم هذا الميل بوصفه أحد تجليات فائض التمثل. فالإنسان يميل إلى تفسير العالم وفق نماذج متناظرة يسهل على خياله استيعابها؛ فإذا رأى ملكًا توقع وجود ملك منافس، وإذا رأى قائدًا توقع قائدًا آخر، وإذا تصور بطلًا خارقًا بحث مباشرة عن خصم خارق يواجهه. ومن هنا نشأت آلاف القصص التي تقوم على الثنائية المتكافئة، حتى أصبحت هذه البنية وكأنها قانون من قوانين التفكير الإنساني، مع أنها ليست سوى إسقاط نفسي على الواقع.
ومن اللافت للنظر أن هذه النزعة لا تزال حاضرة حتى في أكثر الأعمال المعاصرة ادعاءً للتحرر من الأسطورة. فما زالت معظم روايات الخيال العلمي وأفلام الأبطال الخارقين تعيد إنتاج النموذج نفسه: لا بطل بلا نقيض، ولا قوة بلا قوة مقابلة، ولا انتصار إلا بعد صراع بين طرفين متكافئين تقريبًا. وكأن الإنسان لا يزال يكتب القصص بالمنطق نفسه الذي كتب به أساطيره الأولى، وإن اختلفت الأسماء والملابس والمؤثرات البصرية.
أما القرآن، فإنه يدعو الإنسان إلى تجاوز هذا الوهم كله. فلا وجود لمعسكرين متكافئين يديران الكون، ولا حرب بين قوتين متساويتين، ولا خصم لله أصلًا. فالله سبحانه أكبر من أن يكون له ند، وأعظم من أن يحتاج إلى منازلة مع مخلوق من خلقه. إنما هي إرادة واحدة نافذة، وقدرة واحدة مطلقة، وسلطان واحد لا يشاركه فيه أحد. وأما الشيطان، فهو ليس إلا مخلوقًا ضعيفًا، لا يملك غير أن يدعو، ويبقى الإنسان هو الذي يختار أن يستجيب أو يرفض.
وهكذا لا يكشف هذا التباين عن اختلاف في العقائد فحسب، وإنما يكشف كذلك عن الفرق العميق بين النص الإلهي حين يصحح تصورات الإنسان، وبين السردية البشرية حين تعيد تشكيل الوحي بما يوافق ما اعتاده العقل من أنماط. فحيث يتخيل الإنسان كونًا تديره قوتان متقابلتان، يعلن القرآن أن القوة لله جميعًا، وأن الشر ليس إلا فتنة محدودة، وأن كيد الشيطان كان، وسيبقى، ضعيفًا.

أضف تعليق