
من بين أكثر العبارات حضورًا في الحديث عن العلاقة بين الحضارات، تلك المقولة الشهيرة التي أطلقها اللورد روديارد كيبلنغ: “الشرق شرق، والغرب غرب، ولن يلتقيا أبدًا.” وقد تحولت هذه العبارة، مع مرور الزمن، إلى رمز للاعتقاد بوجود هوة حضارية وثقافية ونفسية تفصل بين العالمين، حتى أصبح كثيرون يتعاملون معها وكأنها حقيقة أنثروبولوجية ثابتة لا مجرد وصف أدبي لمرحلة تاريخية معينة. ولذلك فإن السؤال الذي يستحق أن يُطرح اليوم هو ليس: هل توجد اختلافات بين الشرق والغرب؟ فهذا أمر لا يكاد يجادل فيه أحد. وإنما السؤال الأعمق هو: هل هذه الاختلافات تمس حقيقة الإنسان نفسه، أم أنها لا تتجاوز الطبقة السطحية التي تغطي بنية إنسانية واحدة؟
وبهذا الشأن، تقترح الميتابايولوجيا إعادة ترتيب هذا السؤال من أساسه؛ إذ أنها لا تبدأ من اللغة، ولا من العرق، ولا من الدين، ولا من النظام السياسي، وإنما تبدأ من الإنسان بوصفه كائنًا تحكمه بنية ميتابايولوجية مشتركة. فإذا كانت هذه البنية واحدة، فإن كل ما عداها يغدو اختلافًا في المظهر أكثر منه اختلافًا في الجوهر. فالإنسان الشرقي يغضب للأسباب نفسها التي يغضب لها الإنسان الغربي، ويفرح بالطريقة نفسها، ويغار، ويحسد، ويحب، ويخاف، ويبحث عن الاعتراف الاجتماعي، ويسعى إلى المكانة، ويميل إلى تبرير أخطائه، ويعجز عن رؤية كثير من انحيازاته الذاتية. وقد تختلف اللغة التي يعبّر بها الإنسان عن هذه الانفعالات، أو الإطار الثقافي الذي يمنحها معناها، ولكن الآليات العميقة التي تنتجها تبدو واحدة إلى حد بعيد.
ومن هنا تبرز القيمة الدلالية الكبرى للفوائض الثلاث في المقاربة الميتابايولوجية. فما يسمى فائض التمثل لا يعرف شرقًا ولا غربًا؛ فهو الذي يدفع الإنسان، أينما كان، إلى تضخيم صورة ذاته وجماعته، وإلى الاعتقاد بأنه يمثل الحالة الخاصة التي لا تنطبق عليها القواعد التي تحكم الآخرين. وهو الذي يجعل الشرقي يرى نفسه مركزًا للعالم حينًا، ويجعل الغربي يفعل الأمر نفسه حينًا آخر. والاختلاف هنا لا يكمن في البنية، وإنما في موضوع التمثل الذي تتشكل حوله الهوية.
وكذلك الأمر بالنسبة إلى فائض العدوان. فالتاريخ لا يمنح أيًّا من الحضارتين حق الادعاء بأنها أقل ميلًا إلى العنف من الأخرى من حيث المبدأ. فقد شهد الشرق حروبًا وصراعات دامية، كما شهد الغرب حروبًا عالمية واستعمارًا وصدامات لا تقل عنفًا. وإذا اختلفت الأدوات والشعارات، فإن البنية التي تسمح بتحويل المنافسة إلى صراع، والاختلاف إلى عداء، تبدو واحدة في الحالتين.
أما فائض الجنس، فهو الآخر يكشف عن وحدة البنية الإنسانية رغم اختلاف القوانين والأعراف. فقد تتباين المجتمعات في طريقة تنظيم العلاقة بين الرجل والمرأة، وفي معايير الحياء والقبول الاجتماعي، لكن حضور هذا الفائض بوصفه قوة دافعة للسلوك الإنساني لا يختص بثقافة دون أخرى، بل يتخذ صورًا مختلفة تبعًا للبيئة التي يتحرك داخلها.
ولعل أكثر ما يوهم الناس بوجود فجوة جوهرية بين الشرق والغرب هو انشغالهم بالفروق الظاهرة. فاللغات مختلفة، والملابس مختلفة، والعمارة مختلفة، والأنظمة السياسية مختلفة، والطقوس الدينية مختلفة. غير أن هذه الاختلافات تشبه اختلاف ألوان الثياب التي يرتديها البشر، وليس اختلاف طبيعتهم البيولوجية أو الميتابايولوجية. فالإنسان يستطيع أن يغير لغته، أو دينه، أو جنسيته، أو عاداته، لكنه لا يستطيع أن يتخلى عن البنية التي تجعله إنسانًا.
ولهذا فإن كثيرًا من الظواهر التي يظنها الناس خاصة بالشرق أو خاصة بالغرب سرعان ما تظهر في الطرف الآخر متى توافرت الظروف نفسها. فالتعصب، والشعبوية، ونظريات المؤامرة، والتطرف، والبحث عن الزعيم المخلّص، والاستقطاب الحاد، ليست أمراضًا جغرافية، وإنما هي تجليات مختلفة للبنية الميتابايولوجية ذاتها حين تعمل تحت شروط معينة.
بل إن التطور التقني المعاصر قد كشف هذه الحقيقة على نحو غير مسبوق. فما إن أصبحت منصات التواصل الاجتماعي تجمع البشر في فضاء واحد، حتى أخذت أنماط السلوك تتكرر بصورة لافتة في جميع القارات. فالانحيازات، وآليات التشهير، وحب الظهور، والاستقطاب، والدفاع الأعمى عن الجماعة، والبحث عن الاعتراف، كلها ظهرت لدى البشر بمستويات متقاربة، رغم اختلاف لغاتهم وثقافاتهم. وكأن إزالة الحواجز الجغرافية قد كشفت عن وحدة البنية التي كانت تخفيها اختلافات المكان.
ومن هنا، فإن المقاربة الميتابايولوجية لا ترى أن الشرق والغرب عالمان منفصلان، بل تعتبرهما صورتين حضاريتين لإنسان واحد. وما يبدو من اختلافات عميقة بينهما ليس اختلافًا في الطبيعة الإنسانية، وإنما في الكيفية التي تُترجم بها هذه الطبيعة داخل سياقات ثقافية وتاريخية متباينة.
ولذلك فإن العبارة التي ربما يبررها التحليل الميتابايولوجي هي ليست: “الشرق شرق، والغرب غرب، ولن يلتقيا أبدًا.” وإنما: “قد يختلف الشرق والغرب في كل ما صنعه الإنسان، ولكنهما يلتقيان في كل ما جعل الإنسانَ إنساناً”. فقبل أن يكون الإنسان شرقيًا أو غربيًا، كان إنسانًا واحدًا يحمل البنية الميتابايولوجية نفسها، وتعمل فيه الفوائض الثلاث بالآليات ذاتها، وإن اختلفت الأسماء، وتبدلت الثقافات، وتغيرت الحضارات.
