معامل الحياد الإبستمولوجي… هل يمكن قياس قابلية القضايا للحسم المعرفي؟

من بين أكثر الافتراضات رسوخاً في تاريخ المعرفة البشرية، الاعتقاد بأن الأسئلة تختلف في موضوعاتها، لكنها تتساوى من حيث قابليتها للإجابة. ولذلك تعامل الإنسان، في كثير من الأحيان، مع السؤال عن حركة الكواكب، أو عن طبيعة الوعي، أو عن وجود حياة بعد الموت، أو عن حقيقة الزمن، كما لو أنها جميعاً أسئلة من النوع نفسه، ولا يفصل بينها سوى مقدار ما نحتاج إليه من البحث للوصول إلى جواب نهائي بشأنها. ولكن، هل أن جميع الأسئلة قابلة بالدرجة نفسها للحسم المعرفي؟ فلعل واحداً من أكبر الأخطاء التي ارتكبها العقل البشري أنه اهتم بالإجابة عن الأسئلة قبل أن يسأل عن قابلية هذه الأسئلة للإجابة. فحين نواجه قضية ما، فإن أول ما ينبغي أن نسأل عنه هو ليس: ما هو الجواب؟ وإنما: ما مقدار ما تسمح لنا طبيعة هذه القضية وأدواتنا المعرفية بأن نعرفه عنها؟
ومن هنا يمكن اقتراح مفهوم “معامل الحياد الإبستمولوجي” بوصفه أداة منهجية تساعد على تحديد مقدار المسافة التي ينبغي للعقل أن يحتفظ بها بينه وبين الحكم القطعي في أية قضية. فليست القضايا جميعاً متساوية في هذا المعامل. فهناك قضايا يكون معامل الحياد الإبستمولوجي فيها منخفضاً للغاية، لأن موضوعها يقع ضمن نطاق الملاحظة والقياس والتجربة والتكرار. فإذا أردنا مثلاً معرفة درجة غليان مادة معينة في شروط محددة، أو قياس سرعة جسم، أو تحديد تركيب مركب كيميائي، فإننا نمتلك أدوات تسمح لنا، بدرجات مرتفعة من الثقة، بالوصول إلى إجابات قابلة للتحقق. وفي مثل هذه الحالات يكون الحياد المؤقت مشروعاً في بداية البحث، لكنه يتراجع كلما تراكمت الأدلة. وعلى الطرف الآخر توجد قضايا يكون معامل الحياد الإبستمولوجي فيها مرتفعاً للغاية؛ لأن موضوعها يقع، جزئياً أو كلياً، خارج نطاق ما تستطيع أدواتنا الحالية إخضاعه للملاحظة أو التجربة أو الاختبار الحاسم. وهنا تتغير “قواعد اللعبة” المعرفية. فالعقل لا يعود مخيراً ببساطة بين قولين: “موجود” و”غير موجود”، أو بين “صحيح” و”خطأ”. بل يظهر موقف ثالث ينبغي أن يتمتع بالمشروعية نفسها، بل قد يصبح الموقف الوحيد المسؤول إبستمولوجياً: لا نعرف.
ولا يعني ارتفاع معامل الحياد أن القضية مستحيلة، كما لا يعني أنها صحيحة. إنه يعني شيئاً أكثر دقة: أن المسافة بين ما نعرفه وما نحتاج إلى معرفته لإصدار حكم نهائي لا تزال كبيرة بما يكفي لمنعنا من القطع بالإثبات أو النفي. وهذا التمييز بالغ الدلالة المعرفية. فعدم قدرتنا على إثبات وجود شيء لا تساوي إثبات عدم وجوده. كما أن عجزنا عن نفيه لا يمثل دليلاً على وجوده. وبين هذين الطرفين تمتد منطقة معرفية واسعة ظل العقل البشري، طوال تاريخه، غير مرتاح إلى الإقامة فيها؛ وهي منطقة “لا نعرف”.
وربما كان السبب في ذلك نفسياً بقدر ما هو فلسفي. فالإنسان يحب الإجابات المكتملة، ويشعر بالقلق أمام الأسئلة المفتوحة. ولذلك يسارع العقل أحياناً إلى سد الفراغ المعرفي بالاعتقاد أو الافتراض أو الإنكار. ومن هنا نشأت يقينيات كثيرة لم يكن مصدر قوتها مقدار الأدلة التي تسندها، وإنما مقدار حاجة الإنسان النفسية إلى امتلاك جواب.
غير أن المسؤولية الإبستمولوجية تقتضي العكس تماماً. فكلما ارتفع معامل الحياد الإبستمولوجي لقضية ما، وجب أن تنخفض درجة يقيننا بشأنها. ويمكن تصور هذا المعامل، لا باعتباره رقماً رياضياً صارماً بالضرورة، وإنما باعتباره مقياساً منهجياً تقريبياً يعتمد على مجموعة من الأسئلة:
هل الظاهرة قابلة للملاحظة المباشرة أو غير المباشرة؟
هل يمكن اختبار الادعاءات المتعلقة بها؟
هل يمكن تكرار الملاحظة أو التجربة؟
هل توجد أدلة مستقلة متعددة يمكن أن تتقاطع بشأنها؟
هل توجد فرضيات بديلة قادرة على تفسير المعطيات نفسها؟
هل يمكن، من حيث المبدأ، تصور دليل قادر على نفي الادعاء؟
وهل يعود عجزنا عن الحسم إلى نقص مؤقت في أدواتنا، أم إلى طبيعة أنطولوجية قد تجعل الظاهرة نفسها خارج حدود الوصول المعرفي البشري؟
وكلما كانت الإجابات عن هذه الأسئلة أكثر سلبية، ارتفع معامل الحياد الإبستمولوجي، وأصبح إصدار الأحكام النهائية أقل مشروعية. وبذلك يمكن تصور طيف معرفي واسع، تقع في أحد طرفيه القضايا ذات القابلية العالية للاختبار والحسم، حيث يكون معامل الحياد منخفضاً. وفي المنطقة الوسطى تقع قضايا تمتلك بشأنها أدلة، ولكنها ليست كافية لإغلاق باب البدائل، وهنا يصبح الموقف الأنسب هو الترجيح الاحتمالي وليس اليقين. أما في الطرف الآخر فتقع القضايا التي نفتقر بشأنها إلى الوسائل الكافية للحسم، وهنا يرتفع معامل الحياد إلى الدرجة التي تصبح معها عبارة “لا نعرف” أكثر الأجوبة انضباطاً.
ومن شأن هذا التصنيف أن يغير طريقة تعاملنا مع عدد كبير من المشكلات الفلسفية. فبدلاً من أن نسأل، مثلاً، هل الإرادة البشرية حرة أم محددة بالكامل، ينبغي أولاً أن نسأل: ما مقدار ما تسمح لنا الأدلة المتاحة بمعرفته عن هذه المسألة؟ وبدلاً من أن نسأل إن كان الوعي قابلاً للاختزال بالكامل إلى العمليات العصبية أو أنه يمتلك بعداً آخر، ينبغي أن نسأل قبل ذلك: هل نمتلك أصلاً أدوات معرفية تسمح بحسم هذه الثنائية؟ وبدلاً من أن نتحول فوراً إلى الإثبات أو الإنكار كلما واجهنا ادعاءً يتعلق بظاهرة تقع خارج نطاق خبرتنا المعتادة، ينبغي أن نسأل: ما هو معامل الحياد الإبستمولوجي لهذه القضية؟ فتغيير السؤال بهذه الصورة قد يبدو بسيطاً، لكنه ينقل العقل من البحث عن الجواب إلى فحص مشروعية الجواب.
وهذا تحول ذو دلالة معرفية بالغة، وذلك لأن المعرفة لا تتقدم فقط عندما نعثر على أجوبة جديدة، وإنما تتقدم أيضاً عندما نكتشف أن بعض الأجوبة التي كنا نطالب بها لم تكن الأدلة تسمح لنا بإصدارها أصلاً. ومن هنا يمكن إعادة النظر في تاريخ طويل من الصراعات الفلسفية. فكم من جدل استمر قروناً لأن كل طرف افترض أن القضية لا بد أن تكون قابلة للحسم، ثم أخذ يبحث عن الحجج التي تؤيده؟ وربما غاب عن الطرفين السؤال الأبسط، وهو: هل نملك أصلاً ما يكفي للحسم المعرفي؟ ولو طُرح هذا السؤال في بداية كثير من النزاعات الفكرية، لربما اكتشف المتجادلون أن خلافهم لم يكن بين جواب صحيح وآخر خاطئ، وإنما بين جوابين تجاوز كلاهما حدود ما تسمح به المعرفة المتاحة.
وهنا تظهر القيمة المعرفية للتمييز بين الترجيح والحسم. فقد تكون الأدلة المتاحة كافية لجعل احتمالٍ ما أقوى من غيره، لكنها لا تكون كافية لتحويل ذلك الاحتمال إلى حقيقة نهائية. ويمكن للعقل أن يقول: “هذا التفسير أرجح في ضوء الأدلة الحالية”، من دون أن ينتقل إلى القول: “هذا هو التفسير الوحيد الممكن”. وهذه المسافة الصغيرة في اللغة تمثل مسافة هائلة في المسؤولية الإبستمولوجية. فالحياد المعرفي الإيجابي لا يطالبنا بأن نتساوى في موقفنا من جميع الفرضيات، ولا أن نتجاهل تفاوت قوة الأدلة، ولا أن نتخلى عن الترجيح. وإنما يطالبنا بشيء أكثر دقة: أن نجعل قوة الحكم متناسبة دائماً مع قوة الدليل.
وبهذا المعنى يصبح معامل الحياد الإبستمولوجي الوجه المقابل لمعامل الثقة المعرفية. فكلما ازدادت الأدلة قوة واستقلالاً وقابلية للاختبار، ارتفعت مشروعية الثقة وانخفضت الحاجة إلى الحياد. وكلما ضعفت الأدلة، أو استعصت الظاهرة على الاختبار، أو تعددت التفسيرات المتكافئة، ارتفعت الحاجة إلى تعليق الحكم. وقد يسمح لنا هذا المبدأ أيضاً بإعادة ترتيب أولويات المعرفة البشرية. فإذا كانت قضية ما تتمتع بمعامل حياد إبستمولوجي مرتفع للغاية، ولا توجد في الأفق وسيلة واقعية لخفضه، فقد يكون من الأجدى وضعها مؤقتاً على ما يمكن تسميته “الرف الإبستمولوجي”. فلا نرمي هذه القضية بعيداً، ولا نعلن استحالتها، ولا نزعم أننا قد قمنا بحلها، بل نقول ببساطة: لا نملك الآن ما يسمح بالحسم. ثم ننتقل إلى قضايا أخرى أكثر قابلية للبحث، إلى أن تظهر معرفة جديدة أو أداة جديدة أو منهج جديد يسمح بإعادة فتح الملف.
ولعل هذا هو الفرق بين العقل الذي يريد أن يعرف، والعقل الذي يريد أن يبدو وكأنه يعرف. فالأول يقبل الحدود التي تفرضها الأدلة، أما الثاني فيملأ الفراغات باليقين. ولذلك ربما ينبغي ألا نقيس نضج الحضارات فقط بمقدار ما تعرفه، وإنما أيضاً بمقدار ما تستطيع أن تعترف بأنها لا تعرفه. فالحضارة الناضجة معرفياً هي ليست الحضارة التي تمتلك جواباً عن كل سؤال، وإنما هي الحضارة التي طورت مناهج دقيقة للتمييز بين ما تعرفه، وما ترجحه، وما تشك فيه، وما تعجز عن معرفته. وعندها لن تعود عبارة “لا نعرف” فجوة محرجة في المعرفة البشرية، بل ستصبح واحدة من نتائجها المشروعة.
ولعل الخطوة التالية التي يحتاج إليها العقل الإنساني هي ليست أن يضيف جواباً جديداً إلى ملايين الأجوبة التي راكمها عبر التاريخ، وإنما أن يضيف سؤالاً منهجياً يسبقها جميعاً؛ فقبل أن تسألني ما الحقيقة، اسأل أولاً: هل أملك الوسيلة التي تسمح لي بمعرفتها؟ فإذا كان الجواب: لا، فإن أكثر المواقف علمية ومسؤولية هو ليس الإثبات ولا النفي؛ إنه الحياد. ليس لأن الحقيقة غير موجودة، ولا لأن البحث عنها بلا معنى، وإنما لأن حق العقل في إصدار الحكم ينتهي حيث تنتهي قدرة الدليل على تبريره.

أضف تعليق