تاريخ العلم… هل تتغير النظريات أم تتكرر أنماط التفسير؟

من بين أكثر المجالات التي يبدو تطبيق مقولة “لا جديد تحت الشمس” عليها عسيرًا، إن لم يكن مستحيلًا، مجال العلم. فما الذي يمكن أن يكون أكثر جدة من اكتشاف الذرة والجينات والمجرات البعيدة، أو من ظهور ميكانيكا الكم والنسبية ونظرية الأوتار الفائقة؟ وكيف يمكن القول إن الإنسان يكرر نفسه معرفيًا، بينما تكشف مقارنة بسيطة بين ما كان يعرفه قبل ألفي عام وما يعرفه اليوم عن اتساع هائل في حدود المعرفة لا يمكن إنكاره؟ ولذلك فإن السؤال الذي يستحق أن يُطرح هنا هو ليس: هل ينتج العلم معرفة جديدة؟ فالجواب واضح: نعم، وبصورة لا يكاد مجال آخر من مجالات المعرفة البشرية يضاهيها. وإنما السؤال الأعمق هو: هل تتجدد الحقائق التي يكتشفها الإنسان بالمعدل نفسه الذي تتجدد به الطرق الأساسية التي يستخدمها لتفسير هذه الحقائق؟
وهنا ينبغي التمييز بين مستويين كثيرًا ما يختلطان: محتوى المعرفة العلمية، والبنية التفسيرية للمعرفة العلمية. فمحتوى المعرفة يتسع بلا شك. فالإنسان يعرف اليوم عن المادة والحياة والكون ما لم يكن يعرفه أسلافه. لكن العقل، حين يحاول تحويل هذه المعارف إلى تفسير، يعود مرارًا إلى عدد محدود من الأسئلة: ما سبب هذه الظاهرة؟ مم تتكون؟ كيف تتفاعل أجزاؤها؟ ما القوانين التي تحكمها؟ هل يمكن رد الظواهر المتعددة إلى مبدأ واحد؟ وهل ما نراه نظام حتمي أم احتمالي؟ فالأشياء التي نكتشفها تتغير باستمرار، أما الأسئلة الكبرى التي نطرحها عليها فتتغير ببطء.
ومن هنا يمكن النظر إلى تاريخ العلم بطريقة مختلفة. فهو ليس فقط تاريخًا لاكتشاف أشياء لم نكن نعرفها، وإنما هو تاريخ لإعادة استخدام عدد محدود نسبيًا من الأنماط التفسيرية على أشياء جديدة. فالإنسان يبحث عن العلة، ثم عن القانون، ثم عن البنية، ثم عن العلاقة، ثم عن الآلية، ثم عن الاحتمال. وتتغير موضوعات البحث من حركة الأجرام السماوية إلى حركة الجسيمات، ومن أعضاء الجسم إلى الجينات والخلايا، لكن الحاجة العقلية إلى العثور على نمط يربط الظواهر بعضها ببعض تظل حاضرة. وهذا لا يقلل من شأن العلم، بل يكشف واحدة من أكثر خصائصه إثارة للاهتمام: إن التقدم الهائل في المعرفة قد يكون ممكنًا حتى باستخدام عدد محدود من الأدوات العقلية الأساسية. فالآلة البسيطة تستطيع، إذا أعيد تركيب عناصرها بطرائق كثيرة، إنتاج نتائج شديدة التعقيد. وكذلك العقل البشري فإنه قد يستطيع، انطلاقًا من عدد محدود من العمليات التفسيرية، بناء صروح معرفية تكاد تكون غير محدودة.
ومن هنا ربما ينبغي إعادة النظر في الطريقة التي نقرأ بها الثورات العلمية. فنحن اعتدنا أن ننظر إلى الانتقال من أرسطو إلى غاليليو، ومن نيوتن إلى أينشتاين، ومن الفيزياء الكلاسيكية إلى ميكانيكا الكم، بوصفه انتقالًا من عالم فكري إلى عالم آخر. وهذا صحيح إلى حد بعيد على مستوى مضمون النظريات، لكنه لا يعني بالضرورة أن العقل نفسه قد أصبح عقلًا آخر. فالإنسان الذي كان يبحث عن انتظام حركة الكواكب هو ذات الإنسان الذي يبحث اليوم عن انتظام سلوك الجسيمات. وما تغير بصورة هائلة هو مقدار البيانات، ودقة الأدوات، وقوة الرياضيات، وإمكانات التجربة، أما الحاجة إلى اكتشاف النظام الكامن خلف الظواهر فبقيت واحدة، بل أن تاريخ العلم نفسه يكشف عودة مستمرة لبعض التوترات الفكرية القديمة. فالسؤال عن الحتمية والاحتمال يعود بصور مختلفة. والسؤال عن الاستمرار والانقطاع يعود. والسؤال عما إذا كانت الظواهر المعقدة قابلة للرد إلى مكوناتها البسيطة يعود. والسؤال عن العلاقة بين ما نرصده وما يوجد مستقلًا عن رصدنا يعود هو الآخر. وكأن العلوم، كلما دخلت منطقة جديدة من الواقع، فإنها تعيد مواجهة عدد من المعضلات المعرفية القديمة بثياب أكثر دقة. ولذلك قد يكون من الخطأ مساواة جدة الاكتشاف بجدة النمط الفكري الذي نفسر به الاكتشاف. فيمكن أن نكتشف شيئًا لم يعرفه إنسان من قبل، ثم نفسره باستخدام نمط معرفي قديم جدًا: البحث عن السبب، أو البنية، أو الوظيفة، أو القانون، أو العلاقة بين الجزء والكل.
وبهذا المعنى يصبح تاريخ العلم مثالًا بالغ الدلالة المعرفية على التمييز بين التراكم المعرفي والتجدد التمثلي.
فالتراكم المعرفي يمكن أن يكون هائلًا، بينما يكون التجدد في طرائق تمثل العالم أقل بكثير. ولو أمكننا إجراء تجربة فكرية نجرد فيها ملايين الأبحاث والكتب العلمية من تفاصيل موضوعاتها ومصطلحاتها، ثم نصنفها لا بحسب الفيزياء والكيمياء والبيولوجيا والفلك، وإنما بحسب نوع الحركة التفسيرية التي يقوم بها العقل فيها، فكم فئة سنحصل عليها؟ قد تكون النتيجة مفاجئة، فوراء ملايين الصفحات ربما نجد عددًا محدودًا نسبيًا من العمليات المتكررة: الملاحظة، والمقارنة، والتصنيف، والقياس، واكتشاف الارتباط، والبحث عن السببية، واختبار الفرضيات، ورد المركب إلى عناصره، ثم إعادة بناء العلاقة بين هذه العناصر. وهنا تظهر المفارقة: لا محدودية النتائج لا تستلزم لا محدودية الطرق التي أنتجتها. وهذا المبدأ قد يكون من المفاتيح الأساسية لمشروع إعادة كتابة تاريخ المعرفة. فكما يمكن رد عدد هائل من الفلسفات إلى عدد أقل من البنى الفكرية، وعدد هائل من الأيديولوجيات إلى عدد محدود من التصورات عن الفرد والجماعة والسلطة، فقد يكون بالإمكان كذلك النظر إلى تاريخ العلم بوصفه توسعًا هائلًا في موضوعات المعرفة باستخدام عدد أقل بكثير من أنماط التفكير. غير أن العلم يتميز عن كثير من مجالات المعرفة بميزة حاسمة مفادها أنه يمتلك آليات مؤسسية ومنهجية تسمح له بتصحيح نفسه. فالفرضية يمكن اختبارها، والنتيجة يمكن تكرارها، والنظرية يمكن تعديلها أو التخلي عنها إذا عجزت عن تفسير الأدلة. ولذلك استطاع العلم أن يحقق تراكمًا معرفيًا لا نظير له، حتى وإن ظل العقل الذي يمارسه عقلًا بشريًا محدودًا.
وهذه النقطة ذات دلالة بالغة؛ لأن القول بمحدودية العقل لا يعني القول باستحالة التقدم. بل لعل العلم هو البرهان الأكبر على العكس: يمكن لعقل محدود أن ينتج معرفة متنامية إذا امتلك منهجًا يسمح له باكتشاف أخطائه.
وهنا يمكن أن تقدم الميتابايولوجيا سؤالًا إضافيًا. فإذا كان فائض التمثل يجعل الإنسان شديد التعلق بالصورة التي يبنيها عن نفسه وعن أفكاره، فهل يمكن أن يتسلل هذا الفائض حتى إلى النشاط العلمي؟ والجواب لا ينبغي أن يكون اتهام العلم، وإنما التمييز مرة أخرى بين المنهج العلمي والإنسان الذي يمارس العلم. فالمنهج يسعى إلى جعل الدليل قادرًا على إسقاط الفكرة، بينما قد يرغب الإنسان، بحكم تعلقه بتمثلاته، في حماية الفكرة التي أصبحت جزءًا من هويته العلمية. ومن هنا تنشأ واحدة من أهم وظائف المنهج: ألا يترك الحقيقة رهينة قدرة الفرد على التحرر الكامل من نفسه.
بهذا المعنى يمكن النظر إلى العلم بوصفه أحد أعظم الاختراعات المعرفية التي ابتكرها الإنسان لمقاومة محدوديته الذاتية. فالإنسان لم يصبح بالعلم عقلًا غير محدود، وإنما صنع منظومة تسمح لعقله المحدود بأن يتجاوز بعض أخطائه تدريجيًا. ومن هنا فإن إعادة كتابة تاريخ العلم لا ينبغي أن تكون محاولة للقول إن “كل شيء قيل من قبل”، فهذا ادعاء يناقض التاريخ الفعلي للمعرفة العلمية. وإنما ينبغي أن تطرح سؤالًا أكثر دقة: كم نمطًا تفسيريًا جديدًا “ابتكره” العقل البشري فعلًا، مقارنة بالعدد الهائل من الحقائق والنظريات التي أنتجها؟
وربما نكتشف عندئذ أن أعظم ما يميز تاريخ العلم هو ليس أن العقل اخترع في كل عصر طريقة جديدة في التفكير، بل أنه تعلم كيف يستخدم مجموعة محدودة من القدرات المعرفية استخدامًا أكثر دقة، وكيف يزودها بأدوات أكثر قوة، وكيف يجعل نتائجها قابلة للمراجعة والتصحيح.
وهنا تكتسب عبارة “لا جديد تحت الشمس” معنى مختلفًا تمامًا. فهي لا تعني أن الشمس أضاءت من قبل على كل حقيقة علمية سنكتشفها في المستقبل، وإنما قد تعني أن العقل الذي سيكتشف تلك الحقائق سيظل، إلى حد بعيد، يستخدم الأدوات المعرفية الأساسية نفسها التي استخدمها أسلافه: يلاحظ، ويقارن، ويشك، ويفترض، ويختبر، ويبحث عن النظام وراء الفوضى. فالكون الذي أمام الإنسان يكاد يكون بلا حدود، بينما النافذة التي ينظر منها إليه محدودة. وقد يكون تاريخ العلم، في أعمق مستوياته، هو تاريخ ذلك الكائن المحدود الذي لم يستطع توسيع نافذته بالقدر نفسه الذي اتسع به العالم أمامها، لكنه استطاع، على نحو مدهش، أن يرى من خلالها أبعد فأبعد. وعندئذ يصبح السؤال الذي ينبغي أن تختم به إعادة كتابة تاريخ العلم ليس: كم عرف الإنسان؟ بل: كم طريقة امتلكها الإنسان أصلًا لكي يعرف؟

أضف تعليق