
من بين الخصائص اللغوية والدلالية اللافتة في الخطاب القرآني، والتي ربما لم تنل ما تستحقه من التأمل الإبستمولوجي، أن القرآن لا يستخدم لفظ «العقل» بوصفه اسمًا يدل على كينونة قائمة بذاتها، مع أن مفهوم التعقل يحتل موقعًا بالغ الدلالة المعرفية في خطابه. فلا نجد في القرآن حديثًا عن «العقل» بالطريقة التي أصبح بها هذا المصطلح لاحقًا واحدًا من أكثر الأسماء تداولًا في الفلسفة وعلم الكلام ونظرية المعرفة، وإنما نجد صيغًا من قبيل: “يعقلون”، “تعقلون”، “نعقل”، “يعقلها”. وقد يبدو هذا لأول وهلة مجرد اختيار لغوي لا ينبغي تحميله أكثر مما يحتمل. غير أن انتظام الاستعمال القرآني على هذه الصورة يفتح الباب أمام سؤال أعمق: لماذا يتحدث القرآن عن التعقل بوصفه فعلًا، ولا يتحدث عن العقل بوصفه شيئًا؟ وهل يمكن أن تكون وراء هذا الاختيار اللغوي رؤية معرفية مختلفة لطبيعة العقل نفسه؟
لعل المدخل إلى الإجابة يكمن في التمييز بين تصورين للعقل: العقل بوصفه كينونة، والعقل بوصفه فعالية. فحين نتحدث عن العقل بوصفه كينونة، فإننا نميل إلى التعامل معه باعتباره شيئًا يمتلكه الإنسان، شأنه في ذلك شأن بقية الملكات والخصائص التي يمكن نسبتها إليه. فنقول: للإنسان عقل، وفلان يمتلك عقلًا راجحًا، والإنسان كائن عاقل. وهنا يتحول العقل، على المستوى اللغوي والتصوري، إلى نوع من «الممتلك المعرفي»: شيء موجود في الإنسان، يكفي وجوده لكي نصف صاحبه بالعقلانية.
أما الخطاب القرآني فيبدو وكأنه ينقل مركز الثقل من امتلاك العقل إلى ممارسة التعقل. وهذا التحول، على بساطته اللغوية، ذو دلالة إبستمولوجية بالغة؛ لأن وجود القدرة على التفكير لا يعني بالضرورة استخدامها، كما أن امتلاك الأدوات المعرفية لا يضمن حسن توظيفها. فالإنسان قد يمتلك جميع الشروط البايولوجية اللازمة للتفكير، ومع ذلك يمتنع عن ممارسة الفعل الذي يجعل من هذه القدرة معرفةً وفهمًا وحكمًا رشيدًا.
ومن هنا يمكن فهم تكرار السؤال القرآني: “أفلا تعقلون”. فالخطاب هنا لا يسأل الإنسان: ألا تمتلكون عقولًا؟ وإنما يواجهه، من حيث الدلالة، بسؤال أكثر إحراجًا: لماذا لا تستخدمون القدرة التي أُعطيتم إياها؟ لماذا لا تقومون بالفعل المعرفي المطلوب منكم؟ وبهذا المعنى يصبح الفرق بين «العقل» و«التعقل» شبيهًا بالفرق بين القدرة والفعل. فالقدرة يمكن أن تكون موجودة ثم تبقى معطلة، أما الفعل فلا يتحقق إلا حين تتحول تلك القدرة إلى نشاط معرفي فعلي. وهنا تظهر واحدة من النتائج المهمة لهذا التصور: ليس كل من يمتلك القدرة على العقل يمارس التعقل بالضرورة.
فالإنسان قد يكون شديد الذكاء، واسع المعرفة، قوي الذاكرة، بارعًا في الاستدلال، ومع ذلك يستخدم هذه القدرات كلها للدفاع عن وهم، أو لتبرير موقف مسبق، أو لحماية مصلحة، أو لتثبيت اعتقاد يرفض إخضاعه للمراجعة. وفي مثل هذه الحالة تكون الأدوات المعرفية موجودة، ولكن الفعالية التي يطالب بها القرآن قد تعطلت أو انحرفت عن غايتها. ولذلك فإن التصور القرآني، إذا قرئ من هذه الزاوية، لا يجعل العقل صفة ثابتة تمنح الإنسان حصانة معرفية، وإنما يجعل التعقل مسؤولية مستمرة. وهذه نقطة ذات دلالة بالغة؛ لأن تحويل العقل إلى اسم قد يوحي بالثبات، بينما إبقاؤه في مجال الفعل يربطه بالحركة والممارسة والمسؤولية. فالإنسان لا يصبح عاقلًا لمجرد انتمائه إلى النوع البشري، وإنما يُطلب منه، في كل موقف معرفي، أن يعقل.
ومن هنا أيضًا نفهم لماذا يرتبط فعل التعقل في القرآن بالنظر في الآيات والظواهر والأحداث والعبر. فالتعقل ليس نشاطًا ذهنيًا يدور داخل الذات بعيدًا عن العالم، وإنما هو إقامة علاقة صحيحة بين الإنسان وما يعرض له من أدلة وشواهد؛ إذ أنه انتقال من المشاهدة إلى الفهم، ومن المعلومة إلى الدلالة، ومن الحدث إلى العبرة، ومن الظاهر إلى ما يمكن استنتاجه منه. وهذا يجعل العقل، وفق هذا المنظور، أقرب إلى منهج في التعامل مع المعرفة منه إلى جوهر غامض قائم داخل الإنسان. فالقرآن لا يبدو منشغلًا بالسؤال الأنطولوجي: ما العقل؟ وأين يوجد؟ وما جوهره؟ بقدر انشغاله بالسؤال الوظيفي والإبستمولوجي: هل تعقلون؟
وهذا اختلاف جوهري.
فالسؤال الأول يمكن أن يقود إلى قرون من الجدل حول ماهية العقل وطبيعته وعلاقته بالنفس والجسد، بينما السؤال الثاني يعيد الإنسان مباشرة إلى مسؤوليته المعرفية: أمامك ظاهرة، وأمامك دليل، وأمامك تجربة، وأمامك تاريخ، وأمامك آيات؛ فماذا ستفعل بها؟ فهل ستنظر؟ وهل ستقارن؟ وهل تستنتج؟ وهل تراجع موقفك؟ وهل تسمح للدليل بأن يغير اعتقادك؟ أم أنك ستمتلك القدرة على التعقل ثم تختار ألا تعقل؟
ومن هنا يمكن القول إن القرآن ينقل مشكلة المعرفة من وجود الأداة إلى كيفية الاستفادة منها. وهذا يفسر مفارقة بشرية كبرى: فالبشر، من حيث الأصل، يمتلكون القدرة المعرفية نفسها التي تجعلهم جديرين بالتكليف، ولكن نتائجهم المعرفية والأخلاقية شديدة الاختلاف. ولو كان مجرد امتلاك العقل كافيًا للوصول إلى الصواب، لكان وجود العقل وحده ضمانة ضد الضلال والوهم والتعصب. لكن الواقع البشري، والخطاب القرآني معه، يشيران إلى غير ذلك؛ فالقدرة موجودة، بينما المشكلة تكمن كثيرًا في تعطيل الفعالية. بل إن الأمر قد يكون أعمق من التعطيل. فقد تتحول القدرة العقلية نفسها إلى أداة في خدمة موقف سبق للإنسان أن اختاره لأسباب غير عقلية. وعندها لا يعود الإنسان يستخدم التفكير للوصول إلى الحقيقة، وإنما يستخدمه لإنتاج المبررات التي تسمح له بالبقاء حيث هو.
وهنا تتضح المسافة بين الذكاء والتعقل. فالذكاء قد يمنح الإنسان قدرة أكبر على بناء الحجج، لكن التعقل يقتضي استعدادًا لأن يخضع هو نفسه لما تكشفه الحجة. والذكاء قد يساعد الإنسان على الانتصار في النقاش، بينما التعقل يطالبه بأن يقبل الحقيقة حتى عندما تكون نتيجة التفكير في غير صالح موقفه السابق. ولهذا يمكن أن يكون الإنسان بالغ الذكاء وقليل التعقل في الوقت نفسه. ومن هذه الزاوية يصبح التعبير القرآني بالغ الدقة؛ إذ لا يمنح الإنسان لقب «العاقل» ثم يتركه مطمئنًا إلى صفته، وإنما يضعه باستمرار أمام امتحان الفعل: أفلا تعقلون؟ وكأن العقل ليس شهادة يحصل عليها الإنسان مرة واحدة، وإنما هو ممارسة ينبغي أن تتجدد كلما واجه دليلًا جديدًا.
لقد انشغل جانب كبير من تاريخ الفلسفة بالسؤال: ما العقل؟ أما الملاحظة القرآنية التي نتحدث عنها فتدعونا إلى تقديم سؤال آخر عليه: ماذا يعني أن نعقل؟ والفرق بين السؤالين هو الفرق بين الأنطولوجيا والإبستمولوجيا. فالأول يبحث عن ماهية الشيء، أما الثاني فيبحث في كيفية إنتاج المعرفة وتقويمها واستخدامها. ولا يعني ذلك أن القرآن ينفي وجود ملكة عقلية لدى الإنسان، ولا أن غياب الاسم يكفي وحده لبناء نظرية فلسفية كاملة عن العقل؛ فذلك سيكون تحميلًا للظاهرة اللغوية أكثر مما تحتمل. وإنما الذي يمكن قوله بدرجة أكبر من الاحتياط هو أن النمط التعبيري القرآني يمنح الأولوية الواضحة لفعل التعقل على تحويل العقل إلى موضوع مجرد. وهذه الأولوية جديرة بالتأمل. فربما كان أحد الأخطاء التي وقع فيها الإنسان عبر تاريخه المعرفي أنه اطمأن كثيرًا إلى كونه «كائنًا عاقلًا»، بينما كان ينبغي له أن يسأل نفسه باستمرار عما إذا كان يمارس التعقل فعلًا. فالقول إن الإنسان كائن عاقل حكم يتعلق بما يستطيع أن يفعله، وليس بالضرورة بما يفعله بالفعل. وما أكثر المسافة بين الاثنين.
ويمكننا، بناءً على ما تقدم، اقتراح تمييز بين العقل بالقوة والتعقل بالفعل. فالأول إمكانية إنسانية، والثاني إنجاز معرفي. والأول من شروط الإنسان، أما الثاني فمن مسؤولياته. وهذا التمييز يعيد صياغة مفهوم المسؤولية المعرفية كله.
فالإنسان لا يُسأل فقط عما عرفه، وإنما عن الكيفية التي تعامل بها مع ما كان متاحًا له أن يعرفه؛ لا عن امتلاكه القدرة على النظر فحسب، وإنما عن استعمالها؛ لا عن وجود الأدلة أمامه فحسب، وإنما عن استعداده لأن يسمح لهذه الأدلة بأن تؤثر في موقفه. ومن هنا تكتسب عبارات من قبيل “لقوم يعقلون” دلالة خاصة. فهي لا تصف جماعة تمتلك عضوًا أو جوهرًا لا يمتلكه الآخرون، وإنما تشير إلى أناس يمارسون فعلًا معرفيًا تجاه ما يعرض عليهم؛ إذ أنهم يعقلون، أي إن العلاقة بينهم وبين الدليل هي علاقة فاعلة.
ولعل هذه هي النتيجة الأكثر إثارة التي يمكن الوصول إليها من هذه الخاصية القرآنية: ربما يكون من الأدق، من منظور قرآني، ألا نعرّف الإنسان بأنه “الكائن العاقل” بإطلاق، وإنما بأنه “الكائن القادر على التعقل”. والفرق بين التعريفين هائل. فالأول يحول العقلانية إلى هوية ثابتة، بينما الثاني يجعلها إمكانية قابلة للتحقق أو التعطيل. والأول يمنح الإنسان الصفة سلفًا، أما الثاني فيطالبه بإثباتها بالفعل. وبذلك يصبح التعقل إنجازًا وليس امتيازًا، ومسؤولية وليس لقبًا.
وهنا تكمن المفارقة التي ربما أراد النص القرآني أن يبقيها حاضرة أمام الإنسان: فليست المشكلة الكبرى أن البشر لا يمتلكون عقولًا، وإنما أنهم يستطيعون أن يمتلكوا كل شروط التعقل ثم لا يعقلون. فالقرآن، بهذا المعنى، لا يكتفي بتمجيد القدرة العقلية، بل يحاسب الإنسان على تشغيلها.
ومن هنا يمكن صياغة هذه الخاصية القرآنية في عبارة واحدة: العقل في القرآن ليس شيئًا يُمتلك بقدر ما هو فعلٌ يُمارَس. وإذا صح هذا الفهم، فإن السؤال الإبستمولوجي الذي يضعه القرآن أمام الإنسان هو ليس: هل لديك عقل؟ فالجواب عن ذلك يكاد يكون مفروغًا منه. وإنما السؤال الذي يتكرر، بصيغ مختلفة، أشد إزعاجًا وأعمق دلالة: إذا كانت لديك القدرة على أن تعقل، فلماذا لا تعقل؟
