
من بين أكثر المفارقات غرابة في حياة الإنسان، أنه الكائن الذي ظل طوال تاريخه يشكو من قِصر العمر، ثم لم يتوقف في الوقت نفسه عن ابتكار الوسائل التي تساعده على تضييع هذا العمر. فهو يتمنى لو امتلك وقتًا أطول، ويتحسر على السنوات التي انقضت، ويخشى الشيخوخة والموت، ثم ينفق ساعات وأيامًا وسنوات من حياته في أنشطة لا تكاد تحقق له منفعة بايولوجية أو معرفية أو إنتاجية واضحة. والأغرب من ذلك أنه لا يكتفي بتضييع الوقت حين يعجز عن استثماره، وإنما قد ينفق المال والجهد من أجل أن يتمكن من تضييع المزيد منه.
ولعل اللغة نفسها قد احتفظت لنا بشهادة لافتة على هذه المفارقة. فالإنجليزية، مثلًا، تعرف التعبير الشهير killing time؛ أي «قتل الوقت»، كما تعرف لغات وثقافات أخرى تعبيرات تؤدي المعنى نفسه تقريبًا. وليس من السهل المرور على هذه العبارة بوصفها مجرد استعارة لغوية بريئة؛ إذ أنها تكشف عن علاقة غريبة بين الإنسان والزمن: فالوقت الذي يُفترض أنه المورد الأكثر ندرة في حياته يتحول، في لحظات كثيرة، إلى شيء يريد التخلص منه! ولذلك فإن السؤال الذي يستحق أن يُطرح هنا هو ليس: هل يضيّع الإنسان وقته؟ فالواقع اليومي وتاريخ الحضارات يقدمان من الشواهد على ذلك أكثر مما نحتاج. وإنما السؤال الأعمق هو: كيف ظهر في الطبيعة كائن يحتاج إلى “قتل الوقت” أصلًا؟
فإذا تأملنا العالم الطبيعي من حولنا، وجدنا أن الطبيعة تقوم، إلى حد بعيد، على اقتصاد صارم في الطاقة والموارد والسلوك. فالكائن الحي لا يمتلك مخزونًا غير محدود من الطاقة يمكنه إنفاقه كيفما شاء. والحصول على الغذاء نفسه يحتاج إلى جهد، والحركة تحتاج إلى طاقة، والصراع ينطوي على مخاطر، والإنجاب له تكاليفه، ولذلك نشأت السلوكيات الحيوانية في إطار شديد الارتباط بما يمكن تسميته قانون “اقتصاد الطبيعة”. ولا يعني ذلك أن الحيوان يتحرك بلا توقف، أو أن كل ثانية من حياته مخصصة للبحث عن الطعام والتناسل. فالحيوانات تستريح وتنام وتلعب، وبعضها يقضي فترات طويلة في سكون ظاهري. ولكن الراحة ليست بالضرورة تضييعًا للوقت؛ فهي تؤدي وظيفة بايولوجية في استعادة الطاقة وتنظيم الجسد. وحتى اللعب، وخصوصًا لدى صغار كثير من الأنواع، يمكن أن يؤدي وظائف مرتبطة بالتعلم والتدرب على الحركة والتفاعل الاجتماعي.
وهنا يظهر الفرق الجوهري بين عدم القيام بشيء وبين تضييع الوقت. فالراحة قد تكون استثمارًا بايولوجيًا في استعادة القدرة على العمل، والنوم ضرورة حيوية، واللعب قد تكون له وظيفة نمائية أو اجتماعية. أما تضييع الوقت بالمعنى الإنساني، فهو شيء مختلف: إنه القدرة على تخصيص قدر معتبر من الزمن والموارد لنشاط يدرك الإنسان أحيانًا أنه لا يحقق له غاية ذات شأن، ثم يستمر فيه مع ذلك. بل إن الإنسان استطاع أن يذهب أبعد من هذا بكثير: لقد أنشأ صناعات وأسواقًا ومؤسسات كاملة مهمتها، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، مساعدته على شغل الوقت الذي لا يعرف ماذا يفعل به.
وهنا تبدأ المفارقة الميتابايولوجية.
يكاد يكون الإنسان الكائن الوحيد الذي يستطيع أن يعمل ساعات طويلة ليحصل على المال، ثم يستخدم جزءًا من ذلك المال في شراء وسائل تساعده على استهلاك الساعات المتبقية؛ إذ أنها دائرة شديدة الغرابة إذا نظرنا إليها من منظور اقتصاد الطبيعة:
فالإنسان يبذل الوقت لكي يحصل على المال، ثم يبذل المال لكي يجد طريقة يستهلك بها الوقت. وقد تحولت هذه الدائرة في الحضارة الحديثة إلى اقتصاد هائل. فجزء كبير من الصناعات الترفيهية يقوم على المنافسة على مورد واحد بالغ القيمة يتمثل في انتباه الإنسان وزمنه.
وليس المقصود بذلك إدانة الترفيه في ذاته؛ فالترفيه والراحة واللعب والتواصل الاجتماعي يمكن أن تكون لها وظائف نفسية واجتماعية ومعرفية مهمة. والمشكلة تبدأ حين لا يعود النشاط وسيلة لاستعادة التوازن، وإنما يتحول إلى غاية قائمة بذاتها؛ وحين لا يعود الإنسان يستريح لكي يستطيع مواصلة حياته، وإنما يعيش جانبًا متزايدًا من حياته باحثًا عن شيء يملأ به الوقت.
وهنا يصبح السؤال أكثر إثارة: لماذا يحتاج الإنسان أصلًا إلى أن يُملأ وقته؟ ربما تكمن الإجابة في واحدة من أهم الفروق بين الإنسان وسائر الكائنات البايولوجية: فالإنسان لا يعيش الزمن فقط، وإنما يتمثله. فالحيوان يعيش الحاضر بدرجة كبيرة من الارتباط بالمثيرات والحاجات والبيئة المحيطة. أما الإنسان، فقد أصبح قادرًا على استحضار الماضي، وتوقع المستقبل، وتخيل الاحتمالات، ومقارنة واقعه بما كان يمكن أن يكون عليه، ومراقبة نفسه وهي تعيش الزمن.
ومن هنا لم يعد الزمن مجرد تعاقب للأحداث، وإنما أصبح موضوعًا للوعي. واللحظة التي يتحول فيها الزمن إلى موضوع للوعي هي اللحظة التي يمكن أن يظهر فيها شيء لم يكن للطبيعة أن تعرفه بالمعنى الإنساني نفسه: الملل. فالملل ليس مجرد غياب النشاط، وإنما وعي الإنسان بغياب النشاط الذي يراه جديرًا بانتباهه. إنه شعور بأن الزمن يمر بينما لا يحدث شيء يستحق أن يحدث. وهذه نقطة بالغة الدلالة؛ لأن الإنسان لا يريد عندئذٍ أن يحقق غاية بالضرورة، وإنما يريد أن يتخلص من وعيه بمرور الزمن فحسب. ومن هنا يمكن فهم عبارة killing time بصورة أعمق. فالإنسان لا يقتل الوقت في الحقيقة، فالوقت هو الذي يستهلك عمره بلا توقف. وإنما يحاول أن يقتل إحساسه بالوقت.
ومن المنظور الميتابايولوجي، يمكن أن تكون هذه الظاهرة واحدة من النتائج البعيدة لفائض التمثل. فالكائن الذي اكتسب قدرة غير مسبوقة على تمثل ذاته والعالم لم يعد قادرًا على الاكتفاء بالوجود المباشر؛ إذ أنه يحتاج باستمرار إلى موضوع يتمثله، أو حدث يتابعه، أو قصة ينخرط فيها، أو مشكلة يفكر فيها، أو شخص يقارن نفسه به، أو انتصار رمزي يحققه، أو صراع يتابع تطوراته. وحين تختفي هذه الموضوعات، لا يعود الإنسان بالضرورة إلى حالة الحيوان الهادئة، وإنما قد يجد نفسه في مواجهة شيء أشد وطأة: ذاته.
ولهذا قد لا يكون الكثير مما نسميه «تضييعًا للوقت» محاولة لـ “قتل الوقت” بقدر ما هو محاولة للهروب من الفراغ التمثلي. ففائض التمثل يحتاج إلى مادة يعمل عليها. وإذا لم يجد هذه المادة في الواقع، بحث عنها في الخيال. وإذا لم يجدها في حياته، بحث عنها في حياة الآخرين. وإذا لم يجد حدثًا يخصه، تابع أحداثًا لا تخصه. وإذا لم يجد صراعًا يخوضه، انشغل بصراعات الآخرين. وإذا لم يجد قصة يعيشها، بحث عن قصة يتابعها. وبذلك يصبح الإنسان قادرًا على قضاء ساعات في متابعة أحداث لا تؤثر في حياته تأثيرًا ذا شأن، ثم يشعر مع ذلك بأن شيئًا مهمًا كان يحدث طوال ذلك الوقت.
ومع تطور الحضارة، لم تعد هذه الحاجة شأنًا فرديًا، وإنما اكتشفت الأسواق أنها واحدة من أعظم الفرص الاقتصادية في التاريخ. فإذا كان الإنسان يمتلك حاجة دائمة إلى شغل فائض تمثله، فإن من يستطيع تزويده بموضوعات متجددة للتمثل يستطيع أن يستحوذ على أثمن مورد يمتلكه الإنسان بعد حياته نفسها: انتباهه.
وهكذا نشأ اقتصاد لا يبيع للإنسان الأشياء فقط، وإنما يتنافس على دقائق عمره وساعاتها. واللافت أن الإنسان الحديث لم يعد مضطرًا حتى إلى البحث عن وسائل لتضييع الوقت؛ فالوسائل نفسها أصبحت تبحث عنه، وتلاحقه، وتعرض عليه بلا انقطاع شيئًا جديدًا يراه، أو يسمعه، أو يتابعه، أو يعلق عليه. وهنا يبلغ الانقلاب ذروته. ففي البيئة الطبيعية كان على الكائن الحي أن يبحث عن المورد. أما في البيئة الإنسانية المعاصرة، فقد أصبحت صناعات كاملة تبحث عن الإنسان لكي تجعل انتباهه هو المورد.
ومن هذه الزاوية، يمكن النظر إلى تضييع الوقت باعتباره مثالًا آخر على ذلك التعارض الذي يظهر بين السلوك الإنساني وقانون اقتصاد الطبيعة. فالطبيعة لا تميل إلى تحمل تكلفة لا تقابلها منفعة وظيفية. أما الإنسان، فقد أصبح قادرًا على بناء سلاسل كاملة من الإنفاق لا يظهر لها مقابل تطوري مباشر. فالإنسان ينفق الطاقة للحصول على الموارد، وينفق الموارد للحصول على وسائل التسلية، ثم ينفق الزمن في استهلاكها، وقد ينتهي بعد ذلك إلى الشكوى من أنه لا يمتلك ما يكفي من الوقت لإنجاز ما يعتبره مهمًا في حياته! وهذا لا يعني أن كل نشاط لا ينتج غذاءً أو مالًا أو معرفة هو نشاط عديم القيمة؛ فتلك قراءة اختزالية للحياة الإنسانية. فالفن والصداقة والتأمل واللعب والراحة والحديث والمتعة يمكن أن تكون ذات قيمة إنسانية حقيقية حتى عندما لا تكون لها ثمرة مادية مباشرة.
ولذلك ينبغي أن نفرق بين الوقت “غير المنتج” والوقت “المهدور”. فالوقت “غير المنتج” قد يكون من أثمن أوقات الحياة.
أما الوقت المهدور فهو الزمن الذي لا يمنح الإنسان راحة حقيقية، ولا معرفة، ولا خبرة، ولا علاقة، ولا معنى، ولا حتى متعة يتذكرها؛ وإنما يستهلك وعيه مؤقتًا حتى تمر الساعات. وهذا هو الشكل الأكثر إثارة للمفارقة.
ربما كان أكثر ما يميز الإنسان بهذا الخصوص أنه لم يكتف باكتشاف إمكانية تضييع الوقت، وإنما طورها باستمرار حتى كادت تصبح فنًا حضاريًا. فلقد انتقل من الوسائل البسيطة لشغل الفراغ إلى منظومات شديدة التعقيد قادرة على إبقاء انتباهه مشغولًا ساعات متواصلة. وكلما ازدادت قدرة هذه الوسائل على الإمساك بالانتباه، ازدادت قيمتها الاقتصادية. ومن هنا فإن تاريخ الترفيه يمكن أن يُقرأ، من زاوية مختلفة، بوصفه تاريخًا لتطور قدرة الإنسان على تصميم بيئات تمنعه من الشعور بمرور الزمن. وهذا هو النجاح الأعظم لأي وسيلة من وسائل قتل الوقت: أن تجعل الإنسان يكتشف، بعد ساعات، أنه لم يشعر بهذه الساعات وهي تمر. ولكن هنا تظهر المفارقة الأخيرة؛ لأن النجاح الكامل في «قتل الوقت» هو ليس في حقيقته سوى النجاح في قتل جزء من العمر دون الإحساس بموته.
وهكذا نصل إلى واحدة من أكثر المفارقات قسوة في الحالة الإنسانية. فالإنسان ربما يكون الكائن الوحيد الذي يعرف أنه سيموت، والكائن الوحيد الذي يتمنى لو استطاع إطالة حياته، والكائن الوحيد الذي يحلم بالخلود؛ لكنه، في الوقت نفسه، هو الكائن الذي اخترع تعبيرًا عجيبًا يقول فيه إنه يريد أن يقتل الوقت. فالإنسان يخشى أن تنتهي حياته، ولكنه في الوقت نفسه يبحث عن وسائل تسرّع إحساسه بمرور أجزائه. يريد أن يعيش طويلًا، لكنه يريد لبعض الساعات أن تنتهي سريعًا. ويأسف على الماضي لأنه لن يعود، ثم يتعامل مع الحاضر وكأنه عبء ينبغي التخلص منه!
وهذه المفارقة لا يمكن تفسيرها بمجرد الكسل أو ضعف الإرادة. إنها تكشف شيئًا أعمق في البنية الميتابايولوجية للإنسان: أن الكائن الذي تجاوز التنظيم البايولوجي المباشر للسلوك أصبح قادرًا، بفعل فوائضه، على إنتاج حاجات لا تفرضها عليه الطبيعة، ثم إنفاق موارد حقيقية لإشباع حاجات تمثلية صنعها هو بنفسه. ولذلك ربما لا تكون عبارة killing time مجرد تعبير لغوي عابر؛ إذ أنها، من حيث لا يدري قائلها، اعتراف فلسفي بالغ العمق. فالوقت هو الشيء الوحيد الذي لا يستطيع الإنسان إنتاجه، ولا استعادته، ولا تخزينه، ولا شراء المزيد منه بعد نفاده، ومع ذلك، استطاع الكائن الذي سمى نفسه Homo sapiens أن يبتكر آلاف الوسائل التي تساعده على التخلص منه.
ولعل السؤال الذي ينبغي أن يطرحه الإنسان على نفسه، كلما قال إنه يريد أن «يقتل بعض الوقت»، هو: من الذي يقتل الآخر حقًا؟ هل نحن الذين نقتل الوقت؟ أم أن الوقت، في أثناء محاولتنا قتله، يقتطع بهدوء جزءًا آخر من العمر الذي لن يعود؟
