العلم والدين… لماذا لا يحتاج الاختلاف بينهما إلى مصالحة؟

من بين أكثر القضايا التي استنزفت الفكر الحديث، قضية العلاقة بين العلم والدين. فمنذ أن بدأت العلوم الطبيعية تحقق نجاحاتها الكبرى في تفسير العالم، انقسم المفكرون، بصورة تكاد تكون نمطية، إلى فريقين: فريق يرى أن تقدم العلم لا بد أن يكون على حساب الدين، وأن كل مساحة جديدة يحتلها التفسير العلمي هي مساحة يخسرها التفسير الديني؛ وفريق آخر اندفع في الاتجاه المعاكس، محاولًا إثبات أن العلم والدين متفقان في كل شيء، وأن كل اكتشاف علمي جديد يمكن العثور له، بطريقة أو بأخرى، على مقابل في النصوص الدينية. غير أن السؤال الذي يستحق أن يُطرح هنا هو ليس: هل يتفق العلم والدين أم يختلفان؟ وإنما السؤال الأعمق هو: هل ينبغي لهما أصلًا أن يتفقا؟
فلعل جانبًا كبيرًا من المشكلة نشأ من افتراض سابق على النقاش نفسه، هو أن العلاقة السليمة بين العلم والدين ينبغي أن تكون علاقة تطابق، وأن الاختلاف بينهما يمثل بالضرورة أزمة معرفية تستوجب الحل. غير أن هذا الافتراض يغفل حقيقة أساسية مفادها أن العلم والدين لا ينطلقان من الإبستمولوجيا نفسها، ولا يستخدمان الميثودولوجيا نفسها، ولا يضعان المعايير نفسها لقبول القضايا ورفضها. ولذلك فإن مطالبة أحدهما بالتصديق على الآخر تصديقًا مطلقًا قد تكون مطالبة بما لا تسمح به طبيعة أي منهما.
بداية، ينبغي التمييز بين ثلاثة مستويات كثيرًا ما يجري الخلط بينها عند الحديث عن العلم: الظاهرة، والتجربة، والنظرية. فالظاهرة الطبيعية التي يلاحظها الإنسان ليست عقيدة فلسفية، وسقوط الأجسام، وتمدد المعادن بالحرارة، وانقسام الخلايا، وانتقال الصفات الوراثية، وحركة الكواكب، والتفاعلات الكيميائية، كلها ظواهر لا تصبح دينية أو إلحادية بمجرد أن يدرسها العلم. وكذلك هو الحال مع التجربة العلمية. فإذا أجرى الباحث تجربة وفق شروط منضبطة، وكانت نتائجها قابلة للفحص والتكرار، فإن قبول نتائجها لا يعني تبني موقف ميتافيزيقي معين من الوجود. والأمر نفسه ينطبق، بدرجة كبيرة، على الحقائق التجريبية والقوانين والعلاقات الطبيعية التي يستطيع البحث العلمي اكتشافها ضمن نطاقه. فلا يوجد، من حيث المبدأ، ما يفرض على الدين أن يرفض حقيقة طبيعية لمجرد أن العلم هو الذي اكتشفها. فإذا اكتشف العلم أن ظاهرة معينة تحدث وفق علاقة طبيعية محددة، فإن الإيمان لا يحتاج إلى إنكار تلك العلاقة كي يحافظ على اتساقه. بل أن انتظام الطبيعة وقابليتها للدراسة والكشف والتنبؤ يمكن أن ينسجما تمامًا مع تصور ديني يرى العالم محكومًا بنظام وليس متروكًا للفوضى.
فالمشكلة تبدأ في مكان آخر، وذلك عندما ننتقل من سؤال: كيف تحدث الظاهرة؟ إلى سؤال من نوع مختلف: ماذا تعني هذه الظاهرة لحقيقة الوجود كله؟ وهنا قد يغادر الباحث، من حيث يدري أو لا يدري، نطاق العلم التجريبي ليدخل نطاق الفلسفة والميتافيزيقا. فثمة فرق بالغ الدلالة بين أن يقول العلم: “لقد رصدنا هذه الظاهرة، وأجرينا هذه التجربة، وتوصلنا إلى هذه العلاقة”، وبين أن يُبنى فوق ذلك استنتاج من قبيل: “إذاً لا يوجد إلا العالم المادي”، أو “إذاً ليست للوجود غاية”، أو “إذاً كل ما لا يمكن اختباره تجريبيًا لا وجود له”. فهكذا استنتاجات ليست نتائج تجارب مخبرية بالمعنى نفسه؛ إنها مواقف فلسفية تتجاوز المعطيات التجريبية إلى تفسير ميتافيزيقي لها.
ومن هنا يستطيع الدين أن يقبل الحقيقة العلمية، بينما يرفض البناء الميتافيزيقي الذي يقيمه بعضهم فوقها. وهذا التمييز بالغ الدلالة؛ لأن عبارة “العلم يقول” قد تخفي وراءها أحيانًا مستويين مختلفين تمامًا: ما أثبتته الملاحظة والتجربة بالفعل، وما استنتجه الإنسان فلسفيًا من نتائج تلك الملاحظة والتجربة. وهنا لابد من التشديد على أن الدين ليس ملزمًا بأن يقبل الثاني لمجرد قبوله الأول. فالعلاقة ليست متناظرة.
وهنا تظهر المفارقة الأهم في العلاقة بين العلم والدين. فالدين يستطيع، من حيث المبدأ، قبول ما يكشفه العلم عن انتظام العالم الطبيعي، ولكن العلم لا يستطيع، بحكم منهجه ذاته، أن يمنح التصديق العلمي لكثير من القضايا التي يقوم عليها الدين. وليس ذلك عيباً في العلم، كما أنه ليس بالضرورة حجة ضد الدين. فالمنهج العلمي الحديث مصمم أساسًا لدراسة الظواهر الطبيعية القابلة للملاحظة والقياس والاختبار، وصياغة فرضيات يمكن فحصها في ضوء الأدلة. ولذلك فإن مطالبة العلم بأن يثبت المعجزة، أو البعث بعد الموت، أو الحياة الأخروية، أو الخلود في الجنة أو الجحيم، تعني مطالبته بأن يستخدم أدواته خارج المجال الذي صُممت للعمل فيه. فكيف يستطيع المختبر أن يجري تجربة على يوم القيامة؟ وكيف يمكن إخضاع الخلود الأبدي لتجربة قابلة للتكرار؟ وكيف يستطيع المنهج القائم على دراسة انتظام الظواهر الطبيعية أن يتحقق، بأدواته المعتادة، من حدث ديني يُعرَّف أصلًا بوصفه خروجًا استثنائيًا على هذا الانتظام؟ فالمشكلة هنا ليست أن العلم أثبت استحالة هذه الأشياء، وإنما أن المنهج العلمي لا يمتلك، في كثير من هذه الحالات، الوسائل التي تسمح له بإثباتها علميًا أصلًا. وهذه نقطة فارقة. فعبارة: “العلم لم يثبت هذه القضية” لا تساوي منطقيًا عبارة: “العلم أثبت أن هذه القضية باطلة”. فالمسافة بين العبارتين هي المسافة نفسها التي تفصل حدود المنهج العلمي عن تحويل العلم إلى ميتافيزيقا معاصرة شاملة.
وهنا لابد من الإشارة الى مفارقة تجليها علاقة المنهج العلمي بالمعجزات. فالعلم يبحث عن الانتظام؛ لأن قدرته التفسيرية والتنبؤية تقوم على افتراض وجود علاقات ثابتة أو منتظمة بين الظواهر. أما المعجزة، في التصور الديني، فليست قانونًا طبيعيًا جديدًا ينتظر العلماء اكتشافه، وإنما حدث استثنائي لا يُراد منه أن يصبح جزءًا من سلسلة قابلة للتكرار التجريبي. ولو أمكن تحويل المعجزة إلى تجربة تتكرر كلما أعاد العلماء شروطها لما بقيت بهذا المعنى معجزة، بل لأصبحت ظاهرة طبيعية جديدة، ولبدأ العلم يبحث عن القانون الذي يحكمها. ولذلك ينشأ نوع من المفارقة المنهجية: العلم يبحث عما يتكرر، بينما تقوم المعجزة، في مفهومها الديني، على الاستثناء. ومن الخطأ، تبعًا لذلك، مطالبة العلم بأن يثبت المعجزة بالطريقة التي يثبت بها تفاعلًا كيميائيًا أو ظاهرة فيزيائية.
ومن هنا يمكن فهم سبب تعثر المحاولات المتكررة لإقامة مصالحة كاملة بين العلم والدين. فالمشكلة ليست بالضرورة في وجود عداوة بينهما، وإنما في الرغبة في جعلهما يقولان الشيء نفسه. فبعض المدافعين عن الدين يريد من كل نظرية علمية أن تكون موجودة سلفًا، بصورة مباشرة أو مشفرة، في النص الديني. وبعض المدافعين عن العلم يريد، في الاتجاه المقابل، إخضاع جميع الادعاءات الدينية لمعايير المختبر، ثم إعلان ما لا يستجيب لهذه المعايير خاليًا من المعنى أو باطلًا. وبذلك يقوم كلا الموقفان بتوسيع نطاق منظومته المعرفية أكثر مما تسمح به أدواتها. فلا ينبغي تحويل النص الديني إلى كتاب في الفيزياء والكيمياء والأحياء، كما لا ينبغي تحويل المختبر إلى محكمة ميتافيزيقية تفصل في كل قضية تتعلق بالغيب والوجود والغاية والمصير. فمحاولة جعل الدين كتابًا علميًا تسيء إلى الدين بقدر ما تسيء محاولة جعل العلم فلسفة شاملة للوجود إلى العلم.
إذاً، فالقضية أعمق من مجرد اختلاف مجموعة من الأجوبة؛ إذ أنها اختلاف في مصادر المعرفة ومعايير قبولها. فالعلم يعتمد أساسًا على الملاحظة والتجربة والقياس وصياغة الفرضيات واختبارها ومراجعتها. أما الدين فيقبل، إلى جانب ما يدركه الإنسان من العالم الطبيعي، مصدرًا آخر للمعرفة هو الوحي، ويقبل تبعًا لذلك قضايا لا تستمد مشروعيتها من إمكان إخضاعها للتجربة المخبرية.
ومن هنا فإن العلم، إذا ظل وفيًا لمنهجه، لا يستطيع أن يقول عن قضية أخروية إنها “حقيقة علمية” لمجرد أن المؤمن يؤمن بها. وفي المقابل، لا يلزم عن ذلك أن يقول إنها مستحيلة. فالعلم يستطيع، في كثير من الحالات، اتخاذ موقف أكثر انضباطًا، وذلك بأن يقول: هذه القضية ليست مما أستطيع حسمه بأدواتي. وهنا يتحول الاعتراف بالحدود من علامة ضعف إلى علامة على المسؤولية الإبستمولوجية.
وثمة مسألة أخرى كثيرًا ما يقع بسببها الخلط بين العلم والدين، وهي تصور أن اكتشاف القانون الطبيعي يعني إثبات استحالة خرقه. ولكن العلم، حين يكتشف انتظامًا طبيعيًا، فإنه يصف ما يحدث في الطبيعة وفق الشروط التي يستطيع دراستها. أما الانتقال من القول بأن: “الظواهر الطبيعية تنتظم وفق قوانين محددة” إلى القول بأن: “يستحيل ميتافيزيقيًا أن يقع أي حدث خارج هذا الانتظام” هو ليس انتقالًا تجريبيًا خالصًا، وإنما هو إضافة فلسفية.
فالعلم يستطيع أن يخبرنا بما يحدث وفق انتظام الطبيعة الذي نرصده، ولكنه لا يستطيع بمجرد ذلك أن يحسم كل سؤال يتعلق بما إذا كان هذا الانتظام هو الحد النهائي لكل ما يمكن أن يوجد أو يحدث. وهنا مرة أخرى ينبغي الفصل بين الطبيعية المنهجية التي يحتاج إليها العلم لكي يعمل، وبين الطبيعية الميتافيزيقية التي تقرر أن الطبيعة هي كل ما يوجد. فالأولى قاعدة عمل علمية، أما الثانية فموقف فلسفي.
وعليه، يمكن وصف العلاقة المطلوبة بين العلم والدين بأنها علاقة غير متناظرة. فالدين يستطيع أن يقول للعلم: ادرس الطبيعة، واكتشف قوانينها، واختبر ظواهرها، وصحح أخطاءك، ووسع معرفتنا بالعالم، وسوف أقبل ما تثبته عن هذا العالم مادام الحديث متعلقًا بحقائق طبيعية تم اثباتها بأدوات معرفية لا تتعارض مع ما يقتضيه المنهج العلمي. لكن الدين يحتفظ بحقه في مساءلة الانتقال من الحقيقة العلمية إلى الدعوى الميتافيزيقية.
أما العلم، فيقول للدين: لا أستطيع أن أصف معتقداتك الغيبية بأنها حقائق علمية ما لم تصبح قابلة للفحص وفق منهجي؛ لكن حدود منهجي، في ذاتها، لا تمنحني الحق في تحويل كل ما يقع خارجها إلى مستحيل وجوديًا.
وبذلك لا يعود المطلوب أن يوقع العلم والدين “معاهدة سلام” يتعهد فيها كل منهما بتصديق الآخر في كل شيء. فالمطلوب شيء أكثر تواضعًا ودقة، وهو أن يعرف كل منهما حدود المجال الذي يستطيع أن يصدر أحكامه داخله.
ولهذا السبب، فإن علينا أن نتخلى عن السؤال التقليدي: كيف نوفق بين العلم والدين؟ ونستبدل به سؤالًا أكثر نضجًا: أين تنتهي السلطة المعرفية لكل منهما، وأين تبدأ سلطة الآخر؟ فليست كل علاقة سليمة هي علاقة تطابق، وليس كل اختلاف تناقضًا. فيمكن للعلم والدين أن يختلفا في المنهج ومصادر المعرفة ونوع القضايا التي يستطيع كل منهما حسمها، من دون أن يتحول هذا الاختلاف بالضرورة إلى حرب معرفية. وعندها نستطيع التحرر من وهمين متقابلين: وهم أن العلم كلما تقدم تراجع الدين، ووهم أن الدفاع عن الدين يقتضي إثبات أن كل ما يقوله العلم موجود في النص الديني أو متطابق معه. فالعلم لا يحتاج إلى الدين لكي يمنحه الشرعية العلمية، والدين، في المقابل، لا ينبغي أن يبحث عن شرعيته الميتافيزيقية في المختبر.
ولعل العلاقة الأكثر اتزانًا بين العلم والدين، إذاً، لا تقوم على الاتفاق المطلق ولا على التعارض المطلق، وإنما على التمييز الإبستمولوجي والمنهجي بين مجالين للمعرفة. فالدين يستطيع أن يقبل ما يكشفه العلم عن ظواهر الطبيعة وتجاربها وقوانينها وحقائقها، من دون أن يكون ملزمًا بكل بناء فلسفي أو ميتافيزيقي يُقام فوق تلك الحقائق. والعلم، في المقابل، لا يستطيع أن يصادق علميًا على المعجزات والكرامات والبعث والخلود والحياة الأخروية؛ ليس لأن منهجه قد أثبت بالضرورة استحالتها، وإنما لأن هذه القضايا تتجاوز، في صورتها الدينية، شروط الاختبار التي تمنح القضية صفة “العلمية”.
وبهذا المعنى، قد يكون السؤال عن “اتفاق العلم والدين” نفسه سؤالًا صيغ بطريقة خاطئة. فالعلاقة الناضجة بين منظومتين معرفيتين لا تقتضي أن تقول إحداهما ما تقوله الأخرى، وإنما تقتضي أن تعرف كل واحدة منهما ما الذي تستطيع قوله، وبأي أدوات تقوله، وإلى أي حد يحق لها أن تحوّل ما تقوله إلى حكم على الوجود كله.
وعند هذه النقطة تحديدًا يمكن إعادة بناء العلاقة بين العلم والدين بعيدًا عن الصراع المفتعل والمصالحة الرومانسية معًا. فالعلم يزداد علمية كلما ازداد وعيًا بحدود منهجه، والدين لا يحتاج إلى أن يتحول إلى علم كي يحتفظ بمجاله المعرفي. وربما لا تكون الحكمة في أن نجبرهما على اللقاء في المكان نفسه، بل في أن ندرك أن اختلاف الطريق لا يعني بالضرورة تناقض الحقيقة.

أضف تعليق