
من بين أكثر الأوهام رسوخًا في الفكر الإنساني، ذلك الاعتقاد الذي يقول إن الإنسان يستطيع أن يتغير متى شاء، وإن اللحظة التي يتخذ فيها قرار التغيير هي نفسها اللحظة التي تبدأ فيها حياته الجديدة. ولذلك امتلأت كتب التنمية الذاتية وخطابات التحفيز بعبارات من قبيل: «قرر أن تتغير»، و«ابدأ الآن»، و«كن الشخص الذي تريد أن تكونه»، حتى بدا وكأن المسافة الفاصلة بين الإنسان الذي نحن عليه والإنسان الذي نريد أن نصبحه لا تزيد على قرار نتخذه في لحظة حماس!.
نعم إن الإنسان يستطيع أن يتغير، فالتاريخ الشخصي للأفراد والتاريخ الجمعي للمجتمعات يقدمان شواهد لا حصر لها على إمكان حدوث تحولات عميقة في السلوك والأفكار والقيم وأنماط الحياة. ولكن السؤال هو لماذا يكون التغيير، على الرغم من إمكانه، أصعب بكثير مما نتصور؟ ولماذا يفشل الإنسان مرارًا في تنفيذ تغيير كان مقتنعًا تمامًا بضرورته؟
تقترح الميتابايولوجيا أن جانبًا مهمًا من الإجابة يكمن في أننا أسأنا فهم طبيعة التغيير نفسه. فالتغيير ليس مجرد انتقال من حالة إلى أخرى، وإنما هو، في جانب أساسي منه، مواجهة بين قرار واعٍ يتخذه الإنسان وبين نظام ميتابايولوجي متراكم يعمل على إبقائه قريبًا من الصورة التي اعتاد أن يتمثل بها نفسه والعالم من حوله. فالإنسان لا يعيش الواقع وحده، وإنما يعيش تمثله للواقع أيضًا. وهو لا يحمل عادات فحسب، وإنما يحمل تصورات عن ذاته وعن الآخرين وعن الأشياء، وقد تراكمت هذه التصورات خلال سنوات طويلة حتى أصبحت جزءًا من استقرار عالمه الداخلي. وهنا يؤدي فائض التمثل وظيفة بالغة القيمة؛ إذ لا يكتفي الإنسان بأن يعرف من يكون، وإنما يبني لنفسه تمثلًا متماسكًا نسبيًا لما يكونه، ولما ينبغي أن يكونه، وللكيفية التي ينبغي أن يسير بها عالمه.
ومن هنا تبدأ مشكلة التغيير. فالتغيير ليس قرارًا… بل صراع بين نظامين، فحين يقول الإنسان: «سأتغير»، فإنه يتعامل غالبًا مع الأمر كما لو أنه أصدر أمرًا ينبغي لبقية كيانه أن يمتثل له. لكنه يكتشف بعد أيام أو أسابيع أن الأمر لم يكن بهذه البساطة. فالعادات القديمة تعود، والأفكار السابقة تستعيد حضورها، والاستجابات التي قرر التخلص منها تظهر من جديد، ويجد نفسه أحيانًا يفعل الشيء ذاته الذي أقسم أنه لن يفعله مرة أخرى. ويفسر الإنسان ذلك عادة بضعف إرادته.
لكن التفسير الميتابايولوجي يقترح النظر إلى المسألة بطريقة مختلفة. فالمشكلة ليست دائمًا أن الإنسان لا يريد التغيير بما يكفي، وإنما أن جزءًا من نظامه الداخلي يقاوم التغيير لأنه يراه تهديدًا للاستقرار التمثلي الذي بناه خلال سنوات.
فالقرار الجديد لا يدخل إلى أرض خالية؛ إذ أنه يدخل إلى منظومة مأهولة مسبقًا بالعادات والذكريات والتوقعات والقيم والصور الذهنية والارتباطات العاطفية وأنماط الاستجابة. ولذلك فإن كل تغيير حقيقي لا يبدأ من الصفر، وإنما يبدأ بمحاولة إزاحة شيء موجود أصلًا. وهذا هو الفارق الذي تغفله معظم خطابات التغيير. فالإنسان الذي يريد بناء عادة جديدة لا يحتاج فقط إلى إنشاء الجديد، بل يحتاج كذلك إلى مقاومة القديم. والذي يريد تغيير موقف فكري لا يحتاج إلى الاقتناع بفكرة جديدة فحسب، وإنما إلى تفكيك شبكة كاملة من التمثلات التي كانت تمنح الفكرة القديمة مكانها ومعناها. والذي يريد تغيير جانب من شخصيته لا يواجه سلوكًا منفردًا، وإنما قد يواجه صورة عن ذاته ترسخت عبر سنوات طويلة.
وبذلك يصبح التغيير عملية مزدوجة: بناءٌ للجديد، ومقاومةٌ لعودة القديم.
ولكن، لماذا يبدو القديم أكثر راحة حتى عندما يكون سيئًا؟ تكمن إحدى أعجب مفارقات الإنسان في أنه قد يفضل حالة يعرف أنها سيئة على حالة جديدة يعرف أنها أفضل. وقد يبدو هذا غير عقلاني لأول وهلة. فإذا كان الإنسان يعرف أن عادة معينة تضره، أو أن نمطًا من التفكير يعذبه، أو أن موقفًا معينًا يعيق حياته، فلماذا لا يتركه ببساطة؟ وذلك لأن العقل الواعي يقارن غالبًا بين الأسوأ والأفضل، بينما يقارن فائض التمثل بين المألوف والمجهول. وهذان معياران مختلفان تمامًا. فقد يكون الوضع الجديد أفضل موضوعيًا، ولكنه مجهول تمثليًا؛ بينما يكون الوضع القديم أسوأ، لكنه مألوف، معروف الحدود، ويمكن توقع نتائجه. وهنا تظهر واحدة من أكثر وظائف فائض التمثل محافظةً والمتمثلة في الدفاع عن استقرار العالم الممثل حتى عندما لا يكون هذا العالم هو أفضل العوالم الممكنة. فالإنسان لا يخشى الألم وحده، بل يخشى، وبدرجة كبيرة، ما لا يستطيع تمثله مسبقًا. ولهذا قد يكون البقاء داخل نمط سيئ معروف أسهل من الدخول في نمط أفضل مجهول.
فإذا كان فائض التمثل هو ذلك الامتداد الذي جعل الإنسان لا يعيش وجوده البيولوجي المباشر فحسب، وإنما يعيش كذلك الصورة التي كوّنها عن هذا الوجود، فإن التغيير العميق يصبح أكثر من مجرد تعديل للسلوك؛ إذ أنه يصبح، في بعض الحالات، تهديدًا للهوية المتمثَّلة. فالإنسان الذي أمضى عشرين عامًا وهو يقول عن نفسه: «أنا هكذا»، لا يغير عادة عندما يبدأ بالتصرف بطريقة مختلفة؛ إذ أنه يهدد تعريفًا كاملًا للذات. والإنسان الذي بنى حياته على اعتقاد معين لا يبدل رأيًا فقط عندما يتخلى عنه؛ إذ أنه يعيد ترتيب جزء من عالمه الداخلي. والإنسان الذي اعتاد نمطًا محددًا من العلاقات لا يغير سلوكه مع الآخرين فحسب حين يقرر اعتماد نمط جديد؛ إذ أنه يعيد صياغة تمثله لنفسه ولهم ولمكانته بينهم. ولهذا يمكن أن يفسر الإنسان مقاومته للتغيير على أنها كسل أو ضعف أو تردد، بينما تكون المسألة أعمق من ذلك؛ فالنظام التمثلي يدافع عن استمراريته.
ومن هنا يمكن فهم السبب الذي يجعل التغيير الحقيقي يحتاج إلى إرادة وعزيمة وإصرار ومثابرة. فلو كان التغيير متوافقًا تمامًا مع النظام الميتابايولوجي القائم لما احتجنا إلى كل هذه القوى لممارسته. فحاجتنا إليها هي، في جانب منها، دليل على وجود مقاومة ينبغي التغلب عليها.
وهنا لابد من الإشارة الى أن من أكبر الأخطاء التي يرتكبها الإنسان الخلط بين اتخاذ قرار التغيير وحدوث التغيير. فالقرار حدث ذهني قد يستغرق ثواني، أما التغيير فهو عملية قد تستغرق شهورًا أو سنوات. والقرار يمكن أن يصدر في لحظة حماسة، أما التغيير فلا يعيش إلا بالاستمرار بعد انطفاء الحماسة. والقرار يتعامل مع المستقبل كما نريده، بينما التغيير يضطر إلى التعامل مع الماضي كما صنعنا. ولهذا فإن لحظة اتخاذ القرار، على دلالتها البالغة، ليست نهاية المشكلة، بل بدايتها. فعندما يقرر الإنسان أن يتغير، تبدأ عندئذ المواجهة الحقيقية بين ما يريد أن يصبحه وما اعتاد أن يكونه. وقد يكون من المفيد هنا صياغة قاعدة ميتابايولوجية للتغيير مفادها أنه كلما كان التغيير أعمق، كان مقدار التمثل القديم الذي ينبغي تفكيكه أكبر، وكانت المقاومة المتوقعة أشد. ولهذا يسهل تغيير بعض التفاصيل الصغيرة، بينما تصبح التحولات المتعلقة بالهوية والقيم والعلاقات الراسخة وأنماط التفكير أكثر صعوبة؛ لأنها لا تمس السطح السلوكي فقط، وإنما تصل إلى “البنية التمثلية” التي يستند إليها.
وهنا يمكن فهم ظاهرة إنسانية مألوفة للغاية تتمثل في البدايات المذهلة والنهايات الصامتة. فحين يقرر الإنسان ممارسة الرياضة، أو تغيير طريقة دراسته، أو التخلص من عادة سيئة، أو تعلم مهارة جديدة، أو تغيير نمط من أنماط تفكيره، فيبدأ بقوة استثنائية. وبعد مدة قصيرة تتراجع الحماسة، ثم يبدأ القديم بالعودة تدريجيًا، حتى يجد نفسه بعد أسابيع في النقطة التي بدأ منها تقريبًا. غير أن المشكلة أن الحماسة تستطيع إطلاق التغيير، لكنها لا تستطيع بالضرورة حمله طوال الطريق. فالحماسة طاقة لحظية، بينما مقاومة النظام القديم قوة متراكمة. ولهذا فقد تنتصر الحماسة في المعركة الأولى، لكنها تخسر حرب الاستمرار. أما التغيير الحقيقي فيحتاج إلى شيء مختلف: يحتاج إلى تحويل القرار من حدث نفسي عابر إلى نمط متكرر قادر على إعادة تشكيل “النظام التمثلي” نفسه.
وهذا لا يحدث دفعة واحدة؛ إنه يحدث عندما يكرَّر الجديد مرات كافية حتى يبدأ بفقدان غرابته، ويصبح شيئًا يمكن للنظام التمثلي استيعابه، ثم مألوفًا، ثم جزءًا من الصورة الجديدة للذات. وعندها تبدأ المقاومة في الانخفاض، فتنتقل من مقاومة التغيير إلى تمثل التغيير. ومن هنا يمكن تقديم تصور مختلف تمامًا لنجاح عملية التغيير. فالنجاح لا يتحقق حين ينتصر الإنسان مرة واحدة على طبيعته القديمة، وإنما حين يستطيع، عبر التكرار والاستمرار، أن يجعل السلوك الجديد جزءًا من تمثله الجديد لنفسه. ففي البداية يقول: “أريد أن أفعل هذا”. ثم بعد مدة يقول: “أنا أحاول أن أعيش بهذه الطريقة”، ثم، إذا استمر طويلًا بما يكفي، فإنه قد يصل إلى مرحلة يقول فيها: “هذه هي طريقتي”.
وهنا تحدث النقلة الحاسمة. فالشيء الذي كان فائض التمثل يقاومه لأنه غريب أصبح هو نفسه جزءًا من النظام الذي يحميه. وبهذا المعنى، فإن الغاية النهائية للتغيير ليست الانتصار الدائم على فائض التمثل، فهذا قد يكون مستنزفًا وربما مستحيلًا، وإنما إعادة تشكيل التمثل بحيث يصبح الجديد جزءًا من المألوف.
وهذه واحدة من أهم المفارقات الميتابايولوجية في التغيير: فالقوة التي كانت في البداية من أكبر عوائقه يمكن، بعد نجاحه وترسخه، أن تصبح واحدة من أهم القوى التي تحافظ عليه. وإذا كان هذا التحليل صحيحًا، فإن علينا كذلك إعادة النظر في معنى الانتكاس. فالعودة المؤقتة إلى السلوك القديم لا تعني بالضرورة أن مشروع التغيير قد فشل، بل قد تكون تعبيرًا متوقعًا عن استمرار قوة النظام التمثلي السابق. فنحن نخطئ عندما نتصور التغيير خطاً مستقيمًا يبدأ من النقطة القديمة ويتقدم بلا تراجع نحو النقطة الجديدة. فالتغيير أقرب إلى عملية إعادة بناء طويلة تتقدم أحيانًا وتتراجع أحيانًا أخرى، بينما يتحدد نجاحها الحقيقي بالاتجاه العام، لا بكل لحظة منفردة فيها. وهنا يصبح الإصرار ذا قيمة دلالية أكبر من المثالية. فالذي يعتقد أن التغيير ينبغي أن يكون كاملًا منذ البداية قد يتخلى عنه عند أول تراجع، بينما الذي يفهم طبيعة “المقاومة الميتابايولوجية” يدرك أن العودة الجزئية للقديم لا تعني ضرورة العودة الكاملة إليه.
غير أن القول بصعوبة التغيير لا ينبغي أن يقودنا إلى وهم مقابل، هو الاعتقاد بأن كل شيء يمكن تحقيقه بقوة الإرادة وحدها. فالإرادة ضرورية، لكنها ليست قوة سحرية. والإنسان الذي يريد تغيير نفسه يحتاج كذلك إلى إعادة تنظيم البيئة والعادات والروتين والعلاقات والظروف التي تعيد إنتاج سلوكه القديم، ذلك أن فائض التمثل لا يعمل في فراغ، وإنما يجد في الأشياء والأماكن والأشخاص والتكرار اليومي إشارات تعيد تنشيط الأنماط السابقة. ولهذا فإن التغيير الذكي لا يكتفي بأن يقول: “سأقاوم القديم”، بل يسأل: “كيف أجعل العودة إلى القديم أصعب، والاستمرار في الجديد أسهل؟.
وهنا ينتقل الإنسان من بطولة الإرادة إلى هندسة التغيير. فبدل أن يخوض المعركة ذاتها كل يوم بالقوة نفسها، يعيد ترتيب شروط المعركة بحيث يحتاج في كل مرة إلى مقاومة أقل.
وبهذا المعنى، لا يعود التغيير فعلًا بسيطًا من أفعال الإرادة، وإنما يصبح عملية طويلة من إعادة التفاوض بين الإنسان والصورة التي صنعها عن نفسه. فيقول لنفسه، بصورة أو بأخرى: لن أبقى بالضرورة الشخص الذي اعتدت أن أكونه. وهذه الجملة، على بساطتها، شديدة الخطورة بالنسبة إلى نظام تمثلي يقوم جانب من استقراره على استمرارية الهوية. ولهذا فإن بعض أصعب التحولات في حياة الإنسان ليست تلك التي تتطلب أكبر جهد جسدي، وإنما تلك التي تتطلب منه أن يتخلى عن قصة ظل يرويها عن نفسه سنوات طويلة.
«أنا لا أستطيع.»
«أنا هكذا.»
«هذه طبيعتي.»
«لن أتغير.»
«لقد فات الأوان.»
فهذه ليست دائمًا أوصافًا محايدة للواقع، بل قد تصبح “حصونًا تمثلية” يحتمي بها القديم من إمكانية ظهور الجديد.
ومن هنا يمكن فهم أحد أكثر الوعود الثقافية المعاصرة تضليلًا: أنك تستطيع أن تستيقظ غدًا إنسانًا جديدًا لأنك قررت الليلة أن تتغير. وقد تستيقظ غدًا حاملًا قرارًا جديدًا، نعم. ولكنك ستستيقظ داخل الجسد نفسه، والذاكرة نفسها، والعادات نفسها، والبيئة نفسها، وشبكة التمثلات التي صنعتها سنواتك السابقة. وهذا لا يجعل التغيير مستحيلًا، بل يجعله أكثر واقعية. فالاعتراف بصعوبة التغيير ليس دعوة إلى الاستسلام، وإنما شرط من شروط نجاحه. لأن الإنسان عندما يعرف حجم المقاومة التي سيواجهها، لن يفسر ظهورها باعتباره دليلًا على أنه غير قادر على التغيير، وإنما باعتبارها جزءًا من طبيعة العملية نفسها.
ولعلنا لهذا بحاجة إلى إعادة صياغة خطابنا كله حول التغيير. فبدل أن نقول للإنسان: “إذا أردت أن تتغير، فتغير”. ينبغي أن نقول له: “إذا أردت أن تتغير، فاستعد لمواجهة ما اعتدت أن تكونه”. وبدل أن نختزل الفشل في ضعف الإرادة، ينبغي أن نفهم أن الإنسان يحاول أحيانًا تعديل منظومة تمثلية استغرق بناؤها عشرات السنين. وبدل أن نطالبه بانقلاب فوري، ينبغي أن نفهم أن التغيير المستدام يحدث غالبًا من خلال تراكم صغير ومتواصل يعيد تشكيل المألوف تدريجيًا. فالإنسان لا يتحول بمجرد أن يتخذ قرارًا جديدًا، بل يتحول عندما يستطيع الاستمرار في تنفيذ القرار بعد أن تنتهي النشوة التي صاحبت اتخاذه.
وهنا بالضبط تظهر القيمة الحقيقية للإرادة والعزيمة والمثابرة والإصرار؛ ليست بوصفها مجرد شعارات أخلاقية، وإنما بوصفها أدوات يحتاج إليها الإنسان لعبور مرحلة المقاومة التي يفرضها عليه نظامه الميتابايولوجي.
إن أكبر أوهام التغيير هو الاعتقاد بأن الإنسان حين يقرر مغادرة ذاته القديمة يتركها خلفه في اللحظة نفسها.
والحقيقة أنه يحملها معه. فيحمل عاداتها، وذكرياتها، ومخاوفها، واستجاباتها، وصورتها عن العالم، والأهم من ذلك كله: تمثلها لما ينبغي أن يكون عليه هو نفسه. ولهذا فإن التغيير الحقيقي ليس انتقالًا بسيطًا من النقطة «أ» إلى النقطة «ب»، وإنما هو صراع طويل بين تمثل استقر وتمثل يحاول أن يولد. وفي هذه المسافة الواقعة بين الاثنين يعيش الإنسان واحدة من أصعب “معاركه الميتابايولوجية”. ففائض التمثل الذي منحه القدرة على بناء صورة مستقرة لذاته والعالم هو نفسه الذي يجعل مغادرة هذه الصورة عملية مكلفة. وما نسميه إرادةً وعزيمةً وإصرارًا ومثابرة قد يكون، من هذا المنظور، أسماء مختلفة للقدرة التي يحتاج إليها الإنسان كي يتحمل كلفة الانتقال من المألوف إلى الجديد.
ولذلك فإن السؤال الحقيقي الذي ينبغي أن يطرحه الإنسان على نفسه حين يريد التغيير هو ليس: “هل أريد أن أتغير؟” بل: “هل أستطيع أن أواصل فعل ما يقتضيه التغيير عندما يبدأ كل ما اعتدت أن أكونه بمحاولة إعادتي إلى الوراء؟” فالرغبة في التغيير شائعة. وقرار التغيير سهل نسبيًا. وبداية التغيير قد تصنعها الحماسة. أما الاستمرار في التغيير حتى يصبح الجديد مألوفًا، والغريب عادة، والقرار جزءًا من الهوية، فهو الامتحان الحقيقي. وعندئذ يمكن القول إن الإنسان لم يقرر أن يتغير فحسب، بل نجح في تغيير تمثله لذاته بالقدر الذي جعل العودة إلى ما كان عليه أصعب من الاستمرار فيما أصبح عليه.
