
تكتظ الرفوف الأكاديمية والفكرية اليوم بعشرات الكتب التي تنعي الديمقراطية الليبرالية، غير أن معظمها ينتهي إلى ذات الخاتمة المكررة: توصيات بترميم النظام العالمي، ودعوات لاستعادة “العصر الذهبي”، والتحذير من أخطار “الشعبوية” بوصفها عارضاً طارئاً أصاب جسداً سليماً. وفي هذا الركام الفكري، يبرز كتاب (What happened to liberal democracy?) “ما الذي حدث للديمقراطية الليبرالية؟ ” كعلامة فارقة ووقفة مراجعة ضرورية؛ إذ يتجاوز السطح السلوكي للأزمة ليعالج العطب في القواعد الهيكلية التي قام عليها نظام ما بعد الحرب العالمية الثانية ونظام ما بعد الحرب الباردة.
تكمن القيمة الاستثنائية لهذا العمل في رفضه الشديد لـ “الأوهام الترميمية”. فالكتاب لا يتعامل مع تراجع الليبرالية الغربية باعتباره انحرافاً مؤقتاً يمكن إصلاحه ببعض الضوابط التنفيذية أو بالتوعية الإعلامية، بل يشخص الأزمة بوصفها استنفاداً تاريخياً لنماذج الاشتغال البنيوية.
بينما تنشغل الأدبيات السائدة بمحاكمة الظواهر الخارجية، يذهب هذا الطرح إلى الكشف عن التناقضات الداخلية:
• تفكك العقد النيوليبرالي: انزلاق الليبرالية من حماية الحريات الفردية والمواطنة إلى تفريغ العملية الديمقراطية من مضمونها لصالح التكنوقراط وحركة رأس المال المعولم.
• تآكل الهيمنة الأحادية: عجز المؤسسات الدولية الناتجة عن لحظتي 1945 و1991 عن استيعاب التحولات الديمغرافية والاقتصادية والجيوسياسية العالمية.
ولقد جاءت التحولات الجيوسياسية المتسارعة، والتي بلغت ذروتها المفصلية مع الغزو الروسي لأوكرانيا في 24 فبراير 2022، لتضع الحد الفاصل بين توهم الاستمرار ويقين التغير. فلقد أثبتت أحداث هذا اليوم وما تلاها أن الاعتماد الاقتصادي المتبادل لم يعد ضامناً للسلام، وأن الفاعلين الدوليين لم يعودوا ينصاعون للمعايير الموحدة التي فرضتها الأحادية القطبيّة.
فالكتاب يسجل بوضوح أن الإصرار على فرض صيغ قديمة على عالم يتشكل مجدداً برؤى متعددة، ليس سوى محاولة لتعطيل التاريخ. فلقد انتهى الزمن الذي كانت تتذرع فيه قوة واحدة بـ “النموذج الديمقراطي الليبرالي” للتسويغ الاحتكاري لقيادة العالم وتحديد أطره الأخلاقية والقانونية.
إن الهدف الأهم لمثل هذه الطروحات الجريئة ليس التبشير ببديل أكثر شمولية أو الاستهانة بقيمة الحريات والإرادة الشعبية، بل الارتقاء بالخطاب النقدي نفسه؛ عبر تخليص الفكر السياسي من “الجمود الأيديولوجي” والاعتراف بالواقع كما هو، وذلك كما يلي:
1. الإقرار بالتعددية الحضارية والسياسية: أن العالم الراهن لا يمكن إدارته بنظام قيم أحادي، وأن الاستقرار العالمي يتطلب صيغاً عقلانية للتعايش بين أنظمة وسيادات متعددة الأشكال والتحالفات.
2. استعادة السيادة الحقيقية للشعوب: إعادة التفكير في بناء العقد الاجتماعي والسياسي محلياً ودولياً، بما يتجاوز احتكار الطبقات النخبوية والمؤسسات عابرة القوميات للقرار المستقل.
3. الفصل بين قيم العيش المشترك وبين الهيمنة الأحادية: التمييز الدقيق بين المبادئ الإنسانية للتنظيم السياسي، وبين استخدام هذه المبادئ كأداة للسيطرة والتسويغ الجيوسياسي.
وفي الختام، يقدم كتاب “ما الذي حدث للديمقراطية الليبرالية؟” أرضية نقدية شجاعة؛ فهو لا يكتفي بإخبارنا بوجود حريق في البناء، بل يؤكد أن هذا البناء صُمم بأبعاد لم تعد تتسع للواقع الجديد. إن صياغة صيغ معاصرة وقادرة على التعايش مع عالم متعدد القطبية تبدأ من الشجاعة في ترك الأطر المتهالكة جانباً، والاعتراف بأن عالم ما بعد 2022 يحتاج إلى قواعد لعبة جديدة تُبنى على الندّية والشراكة، لا على الوصاية والأحادية.
