في احتضار القرن الأمريكي… ‘الواقعية الإمبريالية’ والبحث عن أفق عالمي جديد

في لحظات التحول التاريخي الفاصلة، وحين تبدأ أركان الهيمنة الجيوسياسية بالاهتزاز، لا تقتصر المعركة على موازين القوة العسكرية أو المؤشرات الاقتصادية، بل تنتقل إلى ميدان أعمق وأشد ضراوة: الخيال السياسي وبنية الإدراك الجمعي.
فبينما تنشغل الأدبيات السياسية السائدة (Mainstream) بالدفاع المستميت عن القواعد القائمة وتحذير العالم من “الفوضى الحتمية” حال غياب الوصاية الأمريكية، يقدم كتاب “الواقعية الإمبريالية” (Imperialist Realism) قطعاً معرفياً شجاعاً؛ فهو لا يكتفي بمطالبة القارئ بمساءلة آليات الهيمنة الحالية، بل يفكك الأساطير الأيديولوجية التي تُبقي الشعوب أسيرة لقناعة مفادها أنه “لا بديل عن المركز الإمبراطوري الأمريكي”.
تعتمد أدبيات التيار السائد في الدفاع عن الهيمنة على منطق الابتزاز الأيديولوجي: فإما القبول بالقرن الأمريكي والعمل على استدامته، وإما السقوط في أتون الفوضى والصراعات الإقليمية. يتناول كتاب (Imperialist Realism) “الواقعية الإمبريالية” هذا الطرح بالنقد والتفكيك، موضحاً كيف يُعاد إنتاج الخوف لشرعنة التدخلات والحصارات، وكيف تُقدَّم القوة العسكرية والنفوذ الاقتصادي كضرورات أخلاقية لحفظ النظام، لا كأدوات لتثبيت الاستغلال واستنزاف الأطراف.
فلا يمكن فهم القوة التفكيكية لكتاب (Imperialist Realism) “الواقعية الإمبريالية” بمعزل عن التيار النقدي الرائد الذي قاده المفكر مارك فيشر في أطروحته التأسيسية “الواقعية الرأسمالية” (Capitalist Realism). وذلك كما يلي:
• من الرأسمالية إلى الإمبريالية: لخص فيشر مقولته الشهيرة بأن النظام النيوليبرالي استطاع شل الخيال السياسي إلى حد بات فيه “من السهل تخيل نهاية العالم على تخيل نهاية الرأسمالية”.
• توسيع الأفق النقدي: يأتي كتاب (Imperialist Realism) “الواقعية الإمبريالية” ليوسع هذا الأفق المفهومي ويطبقه على الجيوسياسة العالمية؛ فالاستغلال ليس مجرد نمط إنتاج داخلي، بل هو بنية إمبراطورية عابرة للحدود تفرض نفسها كـ “واقعية محتومة” تجعل الشعوب عاجزة عن تخيل عالم متكافئ متعدد الأقطاب يعيش بلا وصاية مركزية.
إن الشلل الإدراكي الذي تفرضه إيديولوجيا “الواقعية الامبريالية” يفرض على النقاد والمفكرين التسلح بجرأة معرفية غير مسبوقة. فلا يكفي اليوم رصد مظاهر التراجع الامبراطوري، بل يجب صياغة مقاربات جديدة تقدم إثباتات نقدية وتاريخية حاسمة تُقنع أولئك الذين لا يزالون يراهنون على إمكانية هندسة “قرن أمريكي جديد”. فاللحظة الراهنة تشهد احتضاراً ممتداً للقرن الأمريكي الحالي، ولا يمكن تجديد هذا المشروع بشرعنة الأدوات القديمة نفسها. إن المقاربات البديلة المطلوبة هي تلك التي تفكك أوهام “الوصاية الضرورية”، وتثبت بالأدلة أن استمرار الهيمنة يولد من الأزمات أكثر مما يحلها، وأن الخروج من مظلة الإمبراطورية ليس خطوة نحو الفوضى، بل هو شرط شارط لولادة نظام عالمي أكثر عدلاً وإنصافاً.

أضف تعليق