﴿إني جاعل في الأرض خليفة﴾… هل خُلق الإنسان لعمارة الأرض؟

من بين الآيات القرآنية التي تراكم حولها من التفسير ما أصبح، بمرور الزمن، يكاد يحجب السؤال الذي تثيره الآية نفسها، قول الله تعالى: ﴿وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة﴾. فقد استقر في جانب واسع من الخطاب التفسيري والفكري أن وصف الإنسان بالخليفة يشير إلى وظيفة أُنيطت به على الأرض؛ وأن هذه الوظيفة تتمثل، بصياغة شاعت كثيرًا، في «عمارة الأرض وإصلاحها». ولشدة ما تكرر هذا التفسير، أصبح يُستقبل أحيانًا كما لو كان هو منطوق الآية نفسها، مع أن الآية لا تقول: إني جاعل في الأرض من يعمرها، ولا تقول: من يصلحها، ولا تصرح أصلًا بأن معنى «الخليفة» هو «المعمِّر المصلح». وهنا ينبغي أن يبدأ السؤال المنهجي الأول: من أين جاء هذا المعنى؟ وهل تحتمله الآية حقًا، أم أننا أمام بناء تفسيري أُلحق بها ثم اكتسب، بفعل التكرار، قوة البداهة؟
فإذا قيل إن الإنسان قد جُعل خليفة في الأرض بمعنى أنه أُوكلت إليه عمارتها وإصلاحها، فمن المشروع أن نسأل عن الدليل الذي يجعل لفظ «الخليفة» مؤديًا لهذا المعنى تحديدًا. ولكن ثمة سؤالًا أشد إحراجًا: ماذا يقول التاريخ الفعلي للكائن الذي نُسبت إليه هذه الوظيفة؟ فإذا كانت «عمارة الأرض وإصلاحها» هي التعريف الجوهري لوظيفة الخليفة، فإن تاريخ الإنسان يقدم لنا مفارقة يصعب تجاهلها. فهذا الكائن نفسه هو الذي حوّل مساحات واسعة من الأرض إلى ميادين للحروب، وأحرق المدن، وقطع الغابات، ولوث الأنهار والبحار والهواء، واستنزف الموارد، وأباد أنواعًا من الحيوان، وأحدث من التحولات في النظم البيئية ما أصبح يهدد شروط حياته هو نفسه.
ولا يعني هذا إنكار أن الإنسان بنى المدن، واستصلح الأراضي، وشق الطرق، وطور الزراعة، وأنشأ الحضارات، وابتكر وسائل هائلة لحماية الحياة وتحسينها؛ فهذه حقائق لا يجوز إنكارها. ولكنها لا تحل المشكلة التفسيرية لأن البناء البشري ليس مرادفًا بالضرورة لإصلاح الأرض. فالإنسان قد يعمر مدينة وهو يهدم نظامًا بيئيًا، وقد يزيد إنتاج الغذاء وهو يستنزف التربة والمياه، وقد يبني حضارة كاملة على حساب خراب يقع في مكان آخر. ولذلك فإن الاحتجاج بمنجزات الحضارة لإثبات أن «الخلافة» تعني «عمارة الأرض» ينطوي على مصادرة على المطلوب: فقد افترضنا أولًا أن العمارة هي معنى الخلافة، ثم أخذنا نبحث في التاريخ عن كل ما بناه الإنسان لنثبت الافتراض الذي بدأنا به. والسؤال هنا هو ليس: هل عمّر الإنسان شيئًا من الأرض؟ فهذا أمرٌ لا خلاف فيه. وإنما السؤال: هل يجيز لنا ذلك أن نجعل عمارة الأرض وإصلاحها معنى قول الله تعالى: ﴿إني جاعل في الأرض خليفة﴾؟ وهذان سؤالان مختلفان تمامًا. بل أن سياق الآية نفسه يجعل هذا التفسير أكثر إثارة للاستغراب. فما أن أعلن الله تعالى: ﴿إني جاعل في الأرض خليفة﴾ حتى جاء سؤال الملائكة: ﴿أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء﴾. وهذه الجملة ينبغي ألا تمر مرورًا عابرًا.
فالمشهد القرآني نفسه يضع «الخليفة» إلى جوار احتمال الفساد وسفك الدماء. والملائكة لم يقولوا: أتجعل فيها من يعمرها ويصلحها؟ وإنما أبرزوا وجهًا آخر بالغ القتامة من وجود هذا الكائن على الأرض. والأهم أن الله لم يرد عليهم بقوله: إنكم مخطئون، فهو لن يفسد ولن يسفك الدماء، وإنما قال: ﴿إني أعلم ما لا تعلمون﴾.
وهذا فارق بالغ الدلالة. فقول الله تعالى لا ينفي ما قالته الملائكة عن قابلية هذا المخلوق للإفساد في الأرض وسفك الدماء، وإنما تشير إلى وجود عِلم إلهي يتجاوز ما أحاطوا به. ولذلك فإن تحويل «الخليفة» مباشرة إلى «المصلح المعمِّر» يبدو أشبه بإعادة كتابة للمشهد القرآني بحيث يصبح الإنسان فيه حامل مشروع إصلاح أرضي، في حين أن النص نفسه أدخل احتمال الإفساد في الأرض وسفك الدماء في صميم الحوار منذ بدايته. والتاريخ، بعد ذلك، لم يجعل سؤال الملائكة سؤالًا نظريًا. فلقد سفك الإنسان الدماء بالفعل، وأفسد في الأرض بالفعل، وأهلك الحرث والنسل بالفعل. بل أصبح الكائن الوحيد المعروف الذي يستطيع أن يحول الإفساد من فعل محدود تمليه حاجة بايولوجية مباشرة إلى مشروع واسع النطاق تستخدم فيه المعرفة والتنظيم والاقتصاد والتكنولوجيا.
فكيف يصبح هذا التاريخ كله هامشيًا عند تفسير الآية، بينما تصبح عبارة «عمارة الأرض» التي لم ترد فيها هي مركز التفسير؟ ثم أن مفهوم «عمارة الأرض» نفسه يحتاج إلى تفكيك. فالإنسان يبني، نعم. ولكن الحيوان يبني أيضًا. فالطائر يبني عشه، والنحل خليته، والنمل مستعمراته، والقندس يغير مجرى الماء ويبني السدود. والفارق أن الإنسان استطاع، بفضل قدراته المعرفية والتقنية، أن يوسع أثره في البيئة إلى حدود لا تقارن بغيره من الكائنات البايولوجية.
ولكن اتساع القدرة على البناء لا يعني بالضرورة اتساع القدرة على الإصلاح. فالحضارة البشرية ذاتها التي يُستشهد بها على «عمارة الأرض» هي التي أنتجت أدوات قادرة على تدمير مدن كاملة، وحولت أجزاء من الطبيعة إلى موارد قابلة للاستنزاف، وأدخلت آلاف الأنواع في دوائر الانقراض، وأحدثت اختلالات بيئية لم يكن بمقدور أي نوع آخر أن يحدثها بهذا الحجم.
ولذلك ينبغي التمييز بين عمارة البيئة بما يلائم الإنسان وبين إصلاح الأرض. فقد يكون ما يسميه الإنسان عمرانًا، من وجهة نظر مصالحه الحضارية، هي تخريبًا من وجهة نظر النظام البيئي الذي وقع عليه ذلك العمران. فالغابة التي أزيلت لبناء مدينة تمثل عمرانًا في السجل البشري، لكنها لا تمثل بالضرورة إصلاحًا في سجل الطبيعة.
أما التفسير الآخر الذي يرى أن معنى «الخليفة» هو أن البشر يخلف بعضهم بعضًا، جيلًا بعد جيل، فإنه يتجنب مشكلة «عمارة الأرض»، لكنه يواجه مشكلة مختلفة. وذلك أن التعاقب في الوجود ليس خاصية إنسانية أصلًا. فالحيوان يخلف الحيوان. والأجيال تتعاقب في الأنواع الحية جميعًا. فيولد جيل ويموت، ثم يأتي من بعده جيل آخر. وإذا كان المقصود من وصف آدم أو الإنسان بـ «الخليفة» مجرد أن ذريته ستتعاقب في الأرض، فما الذي يجعل هذه الحقيقة البايولوجية العامة جديرة بأن تكون محور ذلك الإعلان الإلهي أمام الملائكة؟
فالتفسير الذي يجعل «الخلافة» مجرد تعاقب زمني للأجيال لا يفسر خصوصية التعبير، وإنما يكاد يفرغه منها. فإذا كان الأسد يخلف الأسد، والطائر يخلف الطائر، والحيوان يخلف الحيوان، فإن تعاقب البشر بعضهم بعد بعض لا يقدم، بذاته، مفتاحًا كافيًا لفهم خصوصية قول الله تعالى: ﴿إني جاعل في الأرض خليفة﴾.
وهنا نصل إلى السؤال الذي كان ينبغي أن يبدأ منه التفسير أصلًا: خليفة مَن؟ فكلمة «خليفة» ليست مرادفة في ذاتها لـ «المصلح»، ولا لـ «المعمِّر»، ولا لـ «الباني». إنها تنتمي إلى الحقل الدلالي للخَلْف والخلافة والحلول بعد شيء أو أحد. ومن ثم فإن السؤال اللغوي والمنطقي الذي تفرضه الكلمة هو البحث عن طبيعة هذه الخلافة، لا أن نقفز منها مباشرة إلى وظيفة أخلاقية أو حضارية لم يذكرها النص. وإذا قيل إن الإنسان «خليفة الله في الأرض»، فإن هذا التعبير نفسه يحتاج إلى برهان قرآني مستقل؛ لأن قول الله تعالى لم يذكر: إني جاعل في الأرض خليفتي، وإنما ذَكر: ﴿خليفة﴾. والفارق بين العبارتين ليس تفصيلًا يمكن تجاوزه. أما إذا قيل إن البشر يخلف بعضهم بعضًا، عاد السؤال: لماذا خُص الإنسان بوصف يمكن أن ينطبق، بهذا المعنى العام، على سائر الكائنات المتناسلة؟
وهكذا نجد أنفسنا أمام حقيقة ينبغي الاعتراف بها بشجاعة معرفية: ربما لم ينجح التفسير التقليدي في حل مشكلة لفظ «الخليفة»، وإنما نقلها من النص إلى مجموعة من التصورات التي أصبحت مألوفة بسبب كثرة تكرارها.
غير أن إسقاط تفسير ضعيف لا يعني أننا امتلكنا تلقائيًا التفسير الصحيح. وهذه نقطة منهجية بالغة الدلالة.
فمن السهل أن نرفض تفسير «عمارة الأرض» ثم نسارع إلى اختراع معنى آخر بالثقة نفسها التي ننتقد بها السابقين. لكن ذلك لن يكون تقدمًا في التفسير؛ وإنما استبدال افتراض بافتراض. فالأجدر أن يكون سقوط التفسير التقليدي بداية لتساؤلات لا ينبغي ان نتوهم أن بإمكاننا إنهاءها هكذا ومن دون أن نبذل ما يتطلبه ذلك من جهد جهيد.
فإذا لم تكن الخلافة مجرد عمارة الأرض، وإذا لم يكن تعاقب الأجيال تفسيرًا كافيًا لخصوصيتها، فعلينا أن نعود إلى القرآن نفسه ونسأل: كيف يستخدم مادة خ ل ف؟ وما الفرق بين «خليفة» و«خلائف» و«خلفاء» و«استخلف»؟ وهل تحمل هذه الاستعمالات عنصرًا مشتركًا يمكن أن يعيد إضاءة آية البقرة؟ ثم ينبغي أن نسأل عن موقع الآية داخل قصة آدم نفسها: لماذا جاء الإعلان عن “الخليفة” قبل تعليم آدم الأسماء؟ ولماذا أعقبه سؤال الملائكة عن الفساد وسفك الدماء؟ وما علاقة الخلافة بالمعرفة التي أظهرها المشهد اللاحق؟ ولماذا كان المكان المحدد لهذه الخلافة هو الأرض؟ فهذه الأسئلة قد تكون أكثر قيمة من الأجوبة الجاهزة.
ولعل المشكلة الأعمق أن التفسير التقليدي تعامل مع كلمة «خليفة» كما لو كانت وظيفةً ينبغي البحث عن واجباتها: ماذا ينبغي للخليفة أن يفعل في الأرض؟ ومن هنا ظهرت «العمارة» و«الإصلاح» و«إدارة الأرض» و«رعاية الكون».
ولكن ماذا لو لم تكن الآية بصدد منح الإنسان وصفًا وظيفيًا أصلًا؟ ماذا لو كانت بصدد الإعلان عن تحول في طبيعة الموجود الذي سيظهر على الأرض؟
عندئذ يتغير السؤال كله. فبدل أن نسأل: ما الوظيفة التي كُلّف الخليفة بأدائها؟ يصبح السؤال: ما الذي حدث حتى أصبح هذا الموجود جديرًا بأن يسمى «خليفة»؟ وبدل أن نفتش عن معنى الكلمة في المدن التي بناها الإنسان والحقول التي زرعها، يصبح علينا أن نفتش عنه في التحول الذي جعل ظهور الإنسان حدثًا مختلفًا في تاريخ الحياة على الأرض.
وهنا قد تكتسب تتمة القصة دلالة استثنائية؛ لأن الإعلان عن الخليفة أعقبه مباشرة حديث عن شيء لم يذكره السياق عن مخلوق آخر: ﴿وعلَّمَ آدمَ الأسماءَ كلَّها﴾. وقد يكون من الخطأ المنهجي أن نفصل هذين الحدثين عن بعضهما: إعلان ظهور «الخليفة»، ثم ظهور كائن يمتلك قدرة معرفية وتمثلية مخصوصة مكّنته من التعامل مع «الأسماء» على نحو لم تستطع الملائكة نفسها أن تجاريه فيه إلا بما علمها الله. وليس المقصود هنا تقرير أن هذا هو التفسير النهائي للآية، وإنما تحديد الطريق الذي قد يقود إليه.
إن تاريخ الإنسان يجعل من العسير قبول الصورة الرومانسية التي تقدمه باعتباره الكائن الذي جاء إلى الأرض ليعمرها ويصلحها. فلقد بنى وهدم. وأصلح وأفسد. وأحيا وقتل. وزرع وأباد. وحفظ أنواعًا وأفنى أخرى. واستخدم معرفته لمعالجة الأمراض، واستخدمها لصناعة أدوات القتل.
ولهذا فإن التفسير الذي يجعل «إصلاح الأرض» تعريفًا للخلافة لا يواجه مشكلة لغوية فحسب، وإنما يواجه التاريخ نفسه.
والأشد إثارة للتأمل أن القرآن لم يحتج إلى انتظار التاريخ لكي يضع هذه المفارقة أمامنا؛ فقد وضعها منذ المشهد الأول:
﴿إني جاعل في الأرض خليفة﴾. ثم، في الآية نفسها: ﴿أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء﴾. كأن السؤال الذي ظل الإنسان يحاول تجنبه طوال قرون كان مكتوبًا أمامه منذ البداية. فإذا كان هذا هو الخليفة، فما الخلافة؟
ليس المطلوب إذاً أن نستبدل تفسير «عمارة الأرض» بتفسير آخر سريع، وإنما أن نعيد فتح الملف كله. فينبغي أن نتحرر أولًا من الافتراض أن «الخليفة» لقب تشريفي للإنسان. فالقرآن لا يقول إن الإنسان ممتاز أخلاقيًا لأنه خليفة، ولا إن وجوده على الأرض سيكون خيرًا محضًا لها. بل أن السياق نفسه يحذرنا من مثل هذه القراءة المتفائلة البسيطة.
وقد تكون «الخلافة» وصفًا لحالة وجودية أو معرفية أو تاريخية مخصوصة نشأت بظهور الإنسان، لا شهادةً بحسن سلوكه ولا تزكيةً لما سيفعله بالأرض. وعندئذ لن يعود فساد الإنسان في الأرض اعتراضًا على معنى الآية، بل قد يصبح جزءًا من المشكلة التي ينبغي للتفسير الصحيح أن يكون قادرًا على تفسيرها. فالتفسير الجيد لقوله تعالى ﴿إني جاعلٌ في الأرضِ خليفة﴾ ينبغي ألا يفسر لنا قدرة الإنسان على البناء وحدها، وإنما ينبغي أن يساعدنا أيضًا على فهم قدرته الهائلة على الهدم؛ وألا يفسر معرفته وحدها، وإنما كيفية تحول المعرفة نفسها إلى أداة للخير والشر؛ وألا يقدم لنا إنسانًا مثاليًا لم يوجد في التاريخ، وإنما هذا الإنسان الفعلي الذي عرفناه: المبدع والمدمر، المصلح والمفسد، الحافظ للحياة والسافك للدماء.
وهنا بالضبط ينبغي أن تبدأ محاولة تفسير جديدة. لا من السؤال التقليدي: كيف يعمر الإنسان الأرض بوصفه خليفة؟ بل من سؤال أكثر جذرية: لماذا سمّى الله هذا الكائن، الذي كان الفساد وسفك الدماء من الاحتمالات الملازمة لظهوره منذ اللحظة الأولى، «خليفة»؟ ذلك سؤال لم تستنفده التفاسير القديمة. وربما يكون إعادة طرحه، بعد تحرير التفسير المُفترض للآية مما تراكم حوله من مسلمات، الخطوة الأولى نحو فهم مختلف لقوله تعالى: ﴿إني جاعل في الأرض خليفة﴾.

أضف تعليق